Category Archives: خطب الجمعة

إِصْلَاحُ الْقُلُوْبِ

الحمدُ للهِ نَحمدُهُ ونَسْتَعِيْنُهُ وَنَسْتَهْدِيْهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَرْشِدُهُ وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَد وَمَنْ يُضْلِل فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَليًّا مُرْشِدًا، وأَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ وَلَا شَبِيْهَ وَلَا مَثِيْلَ لَه، مَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبَالِكَ فَاللهُ بِخِلَافِ ذَلك وَمَنْ وَصَفَ اللهَ بِمَعْنًى مِن مَعَاني البَشَرِ فَقَدْ كَفَر، وَأَشْهَدُ أنَّ سَيِّدَنا وَحَبِيْبَنَا وقائِدَنا وَقُرَّةَ أَعْيُنِنَا مُحمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، اللهمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنَا محمَّدٍ وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِيْنَ الطَّاهِرِيْنَ.

أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ فَأُوْصِي نَفْسِي وَإِيَّاكُم بِتَقْوَى اللهِ العَظِيْمِ القَائِلِ في كِتَابِه القُرْءَانِ الكَرِيْمِ في سُورةِ الحَجِّ ﴿أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوب يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَان يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ٤٦﴾.

اعْلَمُوا أَيُّهَا الأَحِبَّةُ أَنَّ القَلْبَ أَمِيْرُ الجَوَارِحِ وأَشْرَفُ أَعْضَاءِ الْمَرْءِ البَاطِنَةِ وأَنَّ الجَوَارِحَ لا تَصْدُرُ إِلَّا عَنْ أَمْرِه فإنْ صَلَحَ قَلْبُ العَبْدِ صَلَحَ بِذَلكَ سَائِرُ جَسَدِهِ أيْ كلُّ أَعْضَائِه مِنْ أُذُنٍ وَعَيْنٍ وَفَمٍ وَلِسَانٍ وَيَدٍ وَرِجْلٍ وَبَطْنٍ وَفَرْجٍ، وَظَهَرَ أَثَرُ الصَّلَاحِ في هذهِ الجَوَارِحِ، وَإِذَا فَسَدَ القَلْبُ فَسَدَ سَائِرُ الجَسَدِ وَظَهَرَ أَثَرُ الفَسَادِ في هَذه الجَوَارِح، وذلكَ أنَّ الإنسانَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ بِأَيِّ عَمَلٍ مَا مِنْ أَعْمَالِ الخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ، يَحْصُلُ في قَلْبِهِ عَزْمٌ عَلى ذَلك العَمَلِ ثُمَّ يُعْطِي القَلْبُ الإِشَارَةَ لِلْجَوَارِحِ فَتَتَحَرَّكُ لِلْقِيَامِ بِالعَمَلِ فَيَكُونُ هذا الفِعْلُ بِوَاسِطَةِ الأَعْضَاءِ تَعْبِيْرًا عَمَّا انْعَقَدَ في القَلْبِ.

وَحَيْثُ عُلِمَ هَذا فَحَرِيٌ بِالنَّاسِ العَمَلُ عَلى تَصْفِيَةِ القُلُوبِ وحِفْظِهَا مِنَ الأَدْرَانِ وَتَنْقِيَتِهَا مِنَ الأَمْرَاضِ القَتَّالَةِ حتى تَسْتَقِيْمَ فَتَتَحَرَّكَ نَحْوَ الخَيْرِ وَتُحْجِمَ عَنِ الشَّرِّ.

Continue reading إِصْلَاحُ الْقُلُوْبِ

ليلةُ القَدر

الحمدُ للهِ ثم الحمدُ للهِ، الحمدُ للهِ وسلامٌ على عِبادِهِ الذينَ اصْطَفَى، الحمد للهِ الواحدِ الأحدِ الفردِ الصمدِ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وأحمَدُه وأستعينُه وأستهديهِ وأشكرُه. وصَلّى اللهُ وسلَّمَ علَى سَيِّدِنا محمدٍ مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ وعلى ءالِه وصَحْبِه الطيبينَ الطَّاهِرين.

أما بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أُوصيكُمْ ونَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ. يقولُ اللهُ تعالَى فِي سُورةِ القَدْر ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ ١ ها قد دَخَلْنا بِحَمْدِ اللهِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ المبارَكِ، نَعُدُّ أيَّامَهُ المبارَكَاتِ البَاقِيَات، وَقَدْ كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلّم يَجِدُّ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ بِالاعتِكافِ في المسجِدِ وقِيامِ الليل. خَصَّ اللهُ تبارك وتعالَى رمضانَ المبارَكَ بِمَا خَصَّهُ بهِ دونَ سَائِرِ الشُّهورِ، فَفِيهِ أُنْزِلَ القُرءانُ الكَريمُ علَى محمَّدٍ وَفِيهِ أُنْزِلَ الإِنجيلُ الصَّحيحُ علَى عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ وفيهِ أُنْزِلَتِ التَّورَاةُ الصّحيحةُ علَى مُوسَى بنِ عِمْرَانَ صلى الله عليهِم وسلم. في ليلةِ القَدْرِ أُمِرَ جبريلُ عليهِ السّلامُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ اللّوحِ المحفُوظِ القُرءانَ الكريمَ وَنَزَلَ بهِ دفعةً واحدَةً إلى بيتِ العِزَّةِ في السَّماءِ الأولى، ثمّ بعدَ ذلكَ نزَلَتْ ءاياتُ القرءانِ الكريمِ مُفَرَّقَةً وَكانَتْ ليلةُ القَدْرِ ءانَذَاكَ لَيْلةَ الرَّابِعِ والعِشرينَ مِنْ رَمضانَ. نزلَ القرءانُ الكريمُ في ليلةٍ مُبارَكَةٍ كمَا قالَ اللهُ تعالَى في سورةِ الدُّخَان ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَة مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣﴾ هذهِ اللّيلَةُ المبارَكَةُ هيَ ليلةُ القَدْرِ وليستِ الآيَةُ عن ليلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، ليلةُ القَدْرِ هِيَ اللّيلةُ التِي قَالَ اللهُ تعالَى فيهَا ﴿فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ ٤﴾[1] أَيْ فيهَا يُطْلِعُ اللهُ تعالَى ملائكتَه الكرامَ على أَخبارِ السَّنةِ القابِلَةِ مِنْ إِماتَةٍ وإِحْيَاءٍ، وَمَنْ مِنْ عِبادِه سَيَبْتَلِيهِمُ اللهُ تعالى بِالمرضِ والفَقْرِ والبَلاءِ، ومَنْ مِنْهُمْ يُنْعِمُ اللهُ عليهِمْ بِالصِّحَّةِ والغِنَى.

Continue reading ليلةُ القَدر

في معنَى الشهادةِ الثانية

إنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ ونستهديهِ ونشكرُهُ ونستغفرُهُ ونتوبُ إليه ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ومَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ له وليًّا مرشِدًا، وأشهدُ أَنْ لا إِلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شريكَ له،  كانَ وَلا مَكانَ، كَوَّنَ الأَكْوَانَ وَدَبَّرَ الزَّمانَ، سُبحانَهُ وتَعالَى ليسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّميعُ البَصِير، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه وصَفِيُّهُ وحبيبُه، صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ على سيدِنا محمدٍ وعَلَى جَميعِ إِخوانِهِ النَّبِيّينَ والْمُرْسلَين.

أما بعدُ عبادَ الله، أُوصِي نفسِي وإِيَّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظيمِ القَائِلِ في مُحكَمِ التَّنْزِيلِ ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُور رَّحِيم ٣١ قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢﴾[1]

اعْلَمُوا أَيُّها الأَحِبَّةُ أَنَّ طَرِيقَ السَّلامةِ في الدنيا والآخرةِ هو اتِّباعُ سيِّدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم اتِّباعًا كامِلًا ويكونُ بالإِيمانِ باللهِ كمَا يَجبُ والإيمانِ بِالرَّسولِ محمدٍ صلى اللهُ عليهِ وسلم كما يَجِبُ ثُمَّ بأَدَاءِ جَميعِ الوَاجباتِ واجْتِنَابِ جَميعِ الْمُحَرَّمَاتِ.

Continue reading في معنَى الشهادةِ الثانية

صفات الله الثلاث عشرة الواجب معرفتها

إنّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ وأشهدُ أنّ محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِنا محمدٍ وعلى كلِّ رسولٍ أرسلَهُ أما بعدُ إخوةَ الإيمانِ فأُوصِي نفسي وإياكم بِتَقْـوَى اللهِ. وأُحِبُّ أن أُذَكّرَكُمُ اليومَ ببشارةٍ نبويةٍ بَشَّرَ بها الرسولُ صلى الله عليه وسلم المؤمنينَ الصَّادِقِينَ فقد رَوَى البُخَارِىُّ في صَحِيحِهِ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال “فـإنَّ اللهَ حَرَّمَ على النارِ – أيِ الدَّوامِ فيها لِلأَبدِ – من قالَ لا إلهَ إلّا اللهُ يبتغِى بذلكَ وجهَ الله” أَىْ مُعْتقدًا في قلبِهِ يبتغِى بذلك القُرْبَ إلى اللهِ تعالى لا مُنَافِقًا فهذَا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ وَغَيْرُهُ يَدُلُّ على أنَّ من قالَ الشهادتينِ مُعْتَقِدًا ومُذْعِنًا بِمَعْنَاهُمَا وماتَ علَى ذلكَ فإنهُ لا بدَّ أن يدخُلَ الجنَّةَ وَإِنْ عُذِّبَ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَعَاصِيهِ إنْ لم يَعْفُ اللهُ عَنْهُ وفيهِ بَيَانُ أنَّ أَعْظَمَ حُقُوقِ اللهِ على عِبادِهِ هو توحيدُهُ تعالى أي تَرْكُ الإِشْرَاكِ بِهِ شيئًا وتَصْدِيقُ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم. فَمَا أَعْظَمَها مِنْ نِعْمَةٍ نِعْمَةُ الإِيمَانِ وما أهمَّها مِنْ كَلِمَةٍ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ فَهِيَ الكَلِمَةُ التي يَجِبُ علَى الكَافِرِ أَنْ يَقُولَها لِلدُّخولِ في الإِسْلَامِ أَيْ معَ اعْتِقَادِ مَعْنَاهَا فَمَا مَعْنَى هذِهِ الكَلِمَةِ إِخْوَةَ الإِيمَانِ؟ قالَ العلماءُ معنَى شَهَادَةِ أن لا إلهَ إلّا اللهُ مِنْ حَيْثُ الإِجْمَالُ الاعْتِرَافُ بِاللِّسانِ والاعْتِقَادُ والإِذْعَانُ بِالْقَلْبِ أَنْ لَا مَعْبُودَ بحقٍّ إلا اللهُ أي لا أحَدَ يَسْتَحِقُّ العِبَادَةَ أَيْ أَنْ يُتَذلَّلَ لَهُ نِهَايةُ التَّذَلُّلِ إلَّا اللهُ تعالى.

إخوةَ الإيمانِ هذهِ الكلمةُ كلمةُ التوحيدِ تَتَضَمَّنُ أُمُورًا مُهِمَّةً لا بُدَّ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ أَيِ البَالِغِ العَاقِلِ الذِي بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الإِسْلَامِ أَنْ يَتَعَلَّمَها مِنْهَا إِثْبَاتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ صِفَةً للهِ تَعالَى تَكَرَّرَ ذِكْرُها في القُرْءَانِ كَثِيرًا إِمَّا لَفْظًا أَوْ مَعْنًى وذَكَرَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأصحابِهِ كثيرًا وهيَ شَرْطٌ لِلْأُلُوهِيَّةِ، مَنْ أَنْكَرَ صِفَةً مِنْهَا لا يَكُونُ مُسْلِمًا وَلَا مُؤْمِنًا لذلِكَ قالَ العُلماءُ في كتُبِهِمْ بوُجوبِ مَعْرِفَتِها وُجُوبًا عَيْنِيًّا على كُلِّ مُكُلَّفٍ فَمَا هِيَ هَذهِ الصفاتُ؟

Continue reading صفات الله الثلاث عشرة الواجب معرفتها