بيانُ أنَّ اللهَ خالقُ العِبادِ وأعمالِهِم

أيها الأحبةُ إنَّ من أصولِ عقائدِ الإسلامِ اعتقادَ أنَّ اللهَ خالقُنا أي مُخْرِجُنا من العدمِ إلى الوجودِ وخالقُ أعمالِنا أي الذي يُبْرِزُها من العدم إلى الوجود، وقد رُوِيَ عنْ إمامِ الصوفيةِ العارفينَ الْجُنَيْدِ البَغدَاديِّ أنهُ سُئِلَ مَرَّةً عنِ التوحيدِ فقالَ إِنَّهُ لا مُكَوِّنَ لِشَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ مِنَ الأَعْيَانِ والأَعْمَالِ خالقَ لها إلا اللهُ تعالى اهـ والأعيانُ إخوةَ الإيمان هي كلُّ ما لَهُ حجمٌ صغيرًا كانَ أم كبيرًا فيجبُ اعتقادُ أنَّ كلَّ ما دخلَ في الوجودِ مِنَ الأعيانِ أي الأحجامِ والأعمالِ ما كان خيرًا وما كان شرًا وُجِدَ بِخَلْقِ اللهِ سبحانه وتعالى كما قالَ الله عَزَّ وجلَّ في مُحْكَمِ كتابِهِ ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ ٩٦﴾[2] أي أنَّ اللهَ خلقَكُم وخلقَ أعمالَكم فَنَحْنُ أيها الأحبةُ لا نَخْلُقُ شيئًا لا ذواتِنا ولا أعمالَنا إنما نَحْنُ وأعمالُنا بخلقِ اللهِ تعالى ولا فرقَ في ذلك إخوة الإيمانِ بين أعمالِنا الاختياريةِ كالأكلِ والشربِ والصلاةِ وبينَ الأعمالِ الاضطرايةِ كالارتعاشِ مِنَ البردِ بلْ كُلُّ ذلكِ بِخَلْقِهِ سبحانَهُ، قال تعالى ﴿قُل إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا أَوَّلُ ٱلمُسلِمِينَ ١٦٣﴾[3] أَخْبَرَ اللهُ تعالَى بِأَنَّ صَلاةَ العبدِ ونُسُكَهُ أي ما يَذْبَحُهُ تقربًا إلى الله تعالى كالأضحيةِ ومَحْيَاهُ ومماتَهُ مِلكٌ له وخَلْقٌ له لا يُشارِكُهُ فيهِ غَيْرُهُ فأَعْلَمَنا أَنَّهُ لا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الأَعْمَالِ الاختِيَارِيَّةِ كَالصَّلاةِ والنُّسُكِ وبينَ مَا يَتَّصِفُ به العبدُ مما ليس باختيارِهِ كالحياةِ والموتِ، إنما تَتَمَيَّزُ الأعمالُ الاختياريةُ أي التي تقعُ باختيارِ العبادِ ويكتسبُها الناسُ بأنها هي التي عليها يُحَاسَبُ الإنسانُ ويُؤَاخَذُ، فما كانَ منها خيرًا يُثابُ عليهِ وما كان شَرًّا يُؤَاخَذُ عليه كما قال الله تعالى ﴿لَهَا مَا كَسَبَت﴾[4] أي منَ الخيرِ أي تنتفعُ بذلكَ ﴿وَعَلَيهَا مَا ٱكتَسَبَت﴾[5] أَيْ وَعَلَيْهَا وَبَالُ ما اكْتَسَبَتْهُ مِنَ الشَّرِّ أي تَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ علَى ذَلِكَ. والكَسْبُ إخوةَ الإيمانِ هو توجيهُ العبدِ قصدَهُ وإرادتَهُ نَحْوَ العَمَلِ فيخلقُهُ الله عندَ ذلكَ فالعبادُ أيها الأَحِبَّةُ كَاسِبُونَ لأعمالِهِمْ واللهُ خالقٌ لِلْعِبَادِ وخَالقٌ لأعمالِهِمْ وخالقٌ لِنِيَّاتِهِم وقصودِهِمْ لاخالقَ إلا هُوَ سبحانَهُ وتعالى الذي لا شريكَ لَهُ.

أيها الأحبةُ إنَّ من يَعْقِدُ قلبَهُ على أنَّ الله هو خالقُ كلِّ شىءٍ وأنه لا ضارَّ ولا نافعَ على الحقيقةِ إلا هوَ ويُكْثِرُ مِنْ شُهودِ ذلكَ بقلبِهِ حتى يصيرَ مُسْتَشْعِرًا لذلكَ بقلبِهِ دائمًا تَهُونُ عليه مصائبُ الدنيا وتهونُ عليه الشدائدُ ويذهبُ عنه الخوفُ من العبادِ ويصيرُ من أهلِ اليقينِ. …

مِنْ مُعْجِزَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْجُزْءُ الثاني)

أَمَّا بَعْدُ فَيَا عِبَادَ اللَّهِ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ بِتَقْوَى اللَّهِ الْعَلِيِّ الْعظيمِ. واعلموا أَنَّ اللهَ تعالَى يَقُولُ فِي الْقُرْءَانِ الْكَرِيْمِ بعدَ ذِكْرِ عَدَدٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ ﴿وَإِسمَٰعِيلَ وَٱليَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطا وَكُلّا فَضَّلنَا عَلَى ٱلعَٰلَمِينَ ٨٦﴾[1]

إخوةَ الإِيمان، لَقَدْ بَعَثَ اللهُ تباركَ وتعالَى الأنبياءَ وَجَعَلَهُمْ أَفْضَلَ خَلْقِهِ وَأَيَّدَهُمْ بِالْمُعْجِزَاتِ البَاهِرَاتِ لِتَكُونَ دَليلًا علَى صِدْقِهِمْ فِي مَا جَاءُوا بِهِ.

وَكُنَّا حَدَّثْنَاكُمْ عَنْ بَعْضِ مُعْجِزَاتِه صلى الله عليه وسلم، والْمُسْلِمُ الْمُحُمَّدِيُّ يَزْدَادُ تَعَلُّقًا بِمُحَمَّدٍ كُلَّمَا سَمِعَ بِمُعْجِزَةٍ حَصَلَتْ لِرَسُولِ اللهِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ القَائِلُ عليهِ السَّلامُ لَا يَشْبَعُ مُؤْمِنٌ مِنْ خَيْرٍ يَسْمَعُهُ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الجَنَّة اهـ

رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى بنِ مُرَّةَ الثَّقَفِيِّ قَالَ بَيْنَمَا نَسِيرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ مَرَّ بِنَا بَعِيرٌ يُسْنَى عَلَيْهِ فَلَمَّا رَءَاهُ الْبَعِيرُ جَرْجَرَ فَوَضَعَ جِرَانَهُ فَوَقَفَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَيْنَ صَاحِبُ هَذَا الْبَعِيرِ؟ فَجَاءَهُ فَقَالَ بِعْنِيهِ، فَقَالَ بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّهُ لأِهْلِ بَيْتٍ مَا لَهُمْ مَعِيشَةٌ غَيْرُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ شَكَا كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّةَ الْعَلَفِ فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِ اهـ ….

مِنْ مُعْجِزَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْجُزْءُ الأول)

أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَقَدْ أَرْسَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَاتَمَ الأَنْبِيَاءِ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا فَأَدَّى وَبَلَّغَ وَبَشَّرَ وَأَنْذَرَ، وَأُوذِيَ وَصَبَرَ، وَعَلَّمَ وَأَمَرَ، فِي حَرٍّ وَبَرْدٍ وَصَيْفٍ وَشِتَاءٍ وَلَيْلٍ وَنَهَارٍ مِنْ غَيْرِ كَلَلٍ أَوْ مَلَلٍ، حَتَّى انْقَادَتْ لَهُ نُفُوسٌ كَانَتْ جَامِحَةً، وَلانَتْ لِوَعْظِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلُوبٌ كَانَتْ جَلامِيدَ قَاسِيَةً، وَاشْرَقَتْ مِنْ نُورِ هَدْيِهِ أَفْئِدَةٌ كَانَتْ مُظْلِمَةً، وَأَيَّدَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ لِتَكُونَ دَلِيلاً عَلَى صِدْقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَالْمُعْجِزَاتُ الَّتِي حَصَلَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، قِيلَ إِنَّ عَدَدَهَا بَيْنَ أَلْفٍ وَثَلاثَةِ ءَالافٍ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ “مَا أَعْطَى اللَّهُ نَبِيًّا مُعْجِزَةً إِلاَّ وَأَعْطَى مُحَمَّدًا مِثْلَهَا أَوْ أَعْظَمَ مِنْهَا“. فَقِيلَ لِلشَّافِعِيِّ أَعْطَى اللَّهُ عِيسَى إِحْيَاءَ الْمَوْتَى، فَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ “أُعْطِيَ مُحَمَّدٌ حَنِينَ الْجِذْعِ حَتَّى سُمِعَ صَوْتُهُ فَهَذَا أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ” فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا “أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلامًا نَجَّارًا قَالَ إِنْ شِئْتِ قَالَ فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ تَنْشَقُّ فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ” وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّ الْحَسَنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَكَى ثُمَّ قَالَ “يَا عِبَادَ اللَّهِ الْخَشَبَةُ تَحِنُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَوْقًا إِلَيْهِ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إِلَى لِقَائِهِ“. …

لماذا نحتفلُ بولادةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

أما بعدُ عبادَ اللهِ، فإِنِّي أُوصيكُمْ ونفسِي بتقوَى اللهِ العليِّ العظيمِ القائِلِ في كتابِهِ الكريمِ {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلا سَدِيدا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١}[1]

إخوةَ الإيمان، ماذَا عسَانا نقولُ مِنَ القَوْلِ السّديدِ في يَومِ مولدِ الحبيبِ سيدِنا محمد؟ يا رسولَ اللهِ أيّها الفَخْمُ الْمُفَخَّمُ والنبيُّ الْمُعَظَّمُ والحبيبُ الْمُكَرَّم .. يا صاحبَ الفَضْلِ علَى أُمَّتِكَ .. يَا مَنْ ءاثَرْتَ أُمَّتَكَ بِدَعْوَتِكَ التِي أَعْطَاكَ ربُّكَ فَقُلْتَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نبِيٍّ دَعْوَتَه[2] ولكنَّكَ اخْتَبَأْتَها شفَاعَةً لَهم فقلتَ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَة اهـ وذلكَ مِنْ رَحْمَتِكَ بِهِمْ وأنتَ كما وصفَكَ ربُّكَ في كتابِه {بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوف رَّحِيم ١٢٨}[3] ..  وأنتَ الذِي يُقالُ لكَ يومَ القِيامَةِ يَا محمّدُ سَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَأَنْتَ الذِي تَقُولُ أَيْ رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي[4] اﻫ .. وأَنْتَ الذِي أَرْشَدتَ لِلْخَيْرِ، فَجَزَاكَ اللهُ عنْ هذِه الأُمَّةِ  خيرَ الجزَاء.

أيُّها القائدُ الْمُعَلِّم، في شَهرِ مَولِدِكَ نَتَذَكَّرُ عَظَمَتَكَ وَفَضْلَكَ وَخُلُقَكَ وَوَصْفَ جَمالِكَ وجَميلَكَ علينَا يا نبِيَّ اللهِ. يا نَبِيَّ اللهِ حينَ يَمْدَحُكَ المادِحُونَ وَيَذْكُرُ اسمَكَ الذَّاكِرونَ تَأْخُذُنا الشُّجونُ حتَّى كأَنَّ لِسانَ الحَالِ يقولُ يا لَيْتَنِي أَحْظَى بِاللقاءِ وَلَوْ بِنَظْرَةٍ مِنْكَ فِي المنَامِ كمَا حَظِيَ بِها سيدُنا بِلالٌ الحبَشِيُّ وقَدْ كانَ لَهُ شرفُ الاجتماعِ بِكَ وَرُؤْيَاكَ يَقَظَةً، ومَعَ ذلكَ لَمّا شاهدَ في المنامِ وَجْهَكَ الأَغَرَّ إِذْ بِهِ يَصْحُو مِنْ نَوْمِهِ في تلكَ الليلَةِ وتَحْدُوهُ الأشواقُ بِوَجْدٍ يَتَأَجَّجُ في البِطَاح، يُعَجِّلُ سَيْرَهُ في لَيْلٍ وَصَبَاح، لِيَصِلَ المدينَةَ الغَرَّاءَ فَيقِفَ علَى الأَعْتَاب .. والعَبَرَاتُ مِنْ عَيْنَيْهِ تَنْسَاب .. علَّهَا تُخَفِّفُ مِنْ حَرْقَةٍ فِي الفُؤَادِ، وَلكن هيهاتَ هيهات .. فَهُوَ الذِي وقبلَ مَماتِه أَطْلَقَ المقالَ فقالَ غَدًا نَلْقَى الأَحِبَّةَ محمَّدًا وصَحْبَه اهـ غَدًا لِقَاءُ محمَّدٍ يَوْمَ الجزَاء.