GR52-AR

النهيُ عَنِ التَّسَرُّعِ في التَّكْفِيرِ

ودَعُونَا إخوةَ الإيمانِ نَتَحَدَّثُ قليلًا عن نعمةٍ عظيمةٍ مِنْ تِلْكَ النِعَمِ التي شَرَّفَ اللهُ بها الإنسانَ وَامْتَنَّ بِها عليهِ أَلَا وَهِيَ نِعْمَةُ اللسانِ وقَدْ ذَكَرَها اللهُ في القُرءانِ مُعَدِدًا نِعَمَهُ عَلَى عِبَادِهِ حَيْثُ قالَ اللهُ تباركَ وتعالَى في سورةِ البَلد ﴿أَلَم نَجعَل لَّهُۥ عَينَينِ ٨ وَلِسَانا وَشَفَتَينِ ٩﴾ فهوَ نِعْمَةٌ بَالِغَةٌ غَزُرَ نَفْعُهُ وعَظُمَ خَطَرُهُ حتى قيلَ فيهِ جِرْمُهُ صَغِيرٌ وَجُرْمُهُ كَبِيرٌ أَيْ حَجْمُهُ صغيرٌ وما يحصُلُ بهِ منَ الذّنْبِ كَبِيرٌ، وأَوْصَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِحِفْظِ اللسانِ وَأَكَّدَهُ بقولِه مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ اهـ فَالْمُرادُ أنَّ الشخصَ إذا أرادَ أن يتكلمَ فَلْيَنْظُرْ قبلَ أَنْ يتكلمَ هل فِي هذَا الكلامِ خَيْرٌ أَوْ شَرٌّ فَإِنْ عَلِمَ فيهِ خيرًا تَكَلَّمَ وَإِلّا سَكَتَ، والعملُ بهذَا الحديثِ فيهِ حِفْظُ الدِينِ فإنَّ الإنسانَ إذَا تكَلَّمَ بِما يَخْطُرُ لهُ دونَ تَفْكِيرٍ فِي عواقِبِ هذَا الكَلامِ فَقَدْ يَهْلِكُ في الوُقوعِ في كُفْرٍ أو مَعْصِيَةٍ وَقَدْ يَضِيعُ وَقْتُه في مَا لا فائدةَ فيهِ لا سيَّما أَنَّ أكثرَ المعاصِي هِيَ مَعَاصِي اللسانِ وذلكَ لأنَّ النُّطْقَ أَسْهَلُ شَىءٍ علَى الإنسانِ وَمِنْ ذلكَ أنّ بعضَ الناسِ يُسْأَلُ عن مسئلةٍ فَيَتَسَرَّعُ في الإِجابةِ فيهَا وإعطاءِ حُكْمٍ يَزْعُمُه حُكْمَ الشرعِ بغيرِ عِلْمٍ وَمِنْ غَيرِ أَنْ يَعْتَمِدَ في الجوابِ علَى مَا سَمِعَهُ مِنَ العلماءِ وهذا مِنَ الْمُهْلِكاتِ بَلْ إنَّ البعضَ قد يُجيبُ السائلَ عن قولٍ صدَرَ منهُ بأنَّكَ وَقَعْتَ في الكُفْرِ والعياذُ باللهِ مِنْ غَيْرِ تَرَوٍّ وكانَ عليهِ قبلَ أن يقولَ له كفَرْتَ أن يَعْرِضَ الكلامَ على قواعِدِ الشرعِ أي أَنْ يَتَعَلَّمَ القواعِدَ الشرعيةَ التي تُبْنَى عليهَا الْمُكَفِرَاتُ اللفظيةُ حتى يَعْمَلَ علَى وَفْقِ مَا قَرَّرَهُ الفُقَهَاءُ، …

من أخلاق الرسولِ صلى الله عليه وسلم كظمُ الغَيظِ وصِلَةُ الرَّحم

قالَ اللهُ تعالَى في حَقِّ سيّدِنا محمّدٍ صلى الله عليه وسلّم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيم ٤﴾[1] وَروَى البخاريُّ مِنْ حديثِ عائشةَ في وَصفِ الرّسولِ الأعظَمِ صلَّى اللهُ عليه وسلّم “كانَ خُلُقُهُ القُرءَان” فمَنْ أرَادَ أَنْ يَعْرِفَ خُلُقَ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلَّمَ فَلْيَقْرَإِ القُرءَانَ وليَفْهَمْهُ فَكُلُّ خَصْلَةِ خَيْرٍ أَمَرَ اللهُ في القُرْءَانِ بِالتَّخَلُّقِ بِها فَهِيَ مِنْ خُلُقِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم.

مِنَ الأخلاقِ التي جاءَ بها القرءانُ الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عنِ المنكَرِ والصَّبرُ على الأَذى وكَفُّ الأَذَى عَنِ الغَير.

وروَى البخاريُّ مِنْ حَديثِ أَنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ في صفةِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلّم “كانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خَلْقًا وَخُلُقًا” اﻫ.

وأَخرَجَ أبو بكرٍ اللآل في كتابِه “مكارمُ الأَخلاقِ” أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قالَ “كُنتُ بينَ شَرِّ جَارَيْنِ عُقْبَةَ بنِ أبِي مُعَيْطٍ وأبِي لَهَبٍ كانَا يَرْمِيَانِ بِمَا يخرُجُ منَ النَّاسِ على بابِي” اﻫ أَيْ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلّم كانَ يتحمَّلُ أذاهُما معَ أنَّهُ كانَ أشجعَ خَلْقِ اللهِ علَى الإطلاقِ وقد أُوتِيَ مِنَ القوّةِ البدنيّةِ قُوَّةَ أربعينَ رَجُلًا ومعَ ذلكَ كانَ العَفْوُ خُلُقَهُ والصَّبْرُ شِيمتَه وتَحَمُّلُ الأَذَى مِنَ الغَيْرِ حالَهُ وَدَأْبَهُ وقد قالَ الحبِيبُ المصطَفَى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ “مَا شىءٌ أَثْقَلُ في مِيزانِ الْمُؤْمِنِ يومَ القِيامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ فَإِنَّ اللهَ تعالى يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ” اﻫ قال الترمذيُّ حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ.

وحُسْنُ الخُلُقِ إخوَةَ الإيمانِ عِبارَةٌ عَنْ تَحمُّلِ أَذَى الغَيرِ وكفِّ الأذَى عَنِ الغَيرِ وبَذْلِ المعروفِ.

الْمُبَشِّرَاتُ وَرُؤْيَةُ النبِيِّ في المنَام

إخوةَ الإِيمان، لَقَدْ صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ وَبِالحقِّ أَنْطَقَ نَبِيَّهُ وَعَبْدَهُ.

فَكُلُّ مَا أَتَى بِهِ الرَّسولُ فَحَقُّهُ التَّسْلِيمُ وَالقَبُولُ

وَمِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِ بِمَا جاءَ بِهِ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَكُونَ تَوَّاقًا لِدُخولِ الجنّةِ خَائِفًا مِنْ عَذابِ اللهِ فَيَدْفَعُهُ الشَّوقُ والخوفُ والقَلَقُ للاستِعْدَادِ لِيَومِ المعادِ وَلِلرَّحيلِ عَنِ الدنيا لِلآخِرَةِ بِخَيْرِ الزَّادِ. وَقَدْ بَشَّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أُناسًا بالعُمُومِ كمَا في قولِه “مَنْ قَالَ إذَا أَصْبَحَ رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا وَبِالإِسلامِ دِينًا وَبِمحمَّدٍ نبيًّا فأنَا الزَّعيمُ لآخُذَنَّ بِيَدِهِ حتَّى أُدْخِلَهُ الجنَّةَ” فيا فَوْزَ مَنْ دَاوَمَ علَى قولِ هذهِ الكَلِمَةِ بعدَ الصُّبحِ كُلَّ يَومٍ.

كَمَا بَشَّرَ بعضَ الناسِ بِخُصوصِهِمْ فَأَخْبَرَ صلى الله عليه وسلم أَنَّ أبَا بَكْرٍ في الجنَّةِ وأَنَّ عُمَرَ في الجنةِ وأنَّ عثمانَ في الجنَّةِ وأنَّ عليًّا فِي الجنَّةِ وأنَّ طَلْحَةَ في الجنَّةِ وأَنَّ الزُّبَيْرَ في الجنةِ وأَنَّ سَعْدًا فِي الجنَّةِ وأنَّ سَعِيدًا في الجنةِ وأنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ في الجنةِ وأنَّ أبا عبيدَةَ في الجنة.

فَإِنْ قالَ قائِلٌ أُولئكَ قَومٌ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ ورَضُوا عنهُ وَلَقُوا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وسَمِعُوا كلامَهُ وبشَّرَهُم بلِسانِه فَسَعِدُوا بِمَا بَشَّرَهُم بهِ فهَلْ مِنْ بُشْرَى لنَا وبينَنا وبينَ الرَّسولِ مِئاتُ السِّنين؟ …

في محبةِ سيدِنا محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلم

أما بعدُ عبادَ الله فإِنِّي أُوصيكُمْ وَنَفْسِي بتقوَى اللهِ العظيمِ القائِلِ في كتابِهِ الكريمِ ﴿قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ ٱللَّهُ وَيَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَٱللَّهُ غَفُور رَّحِيم ٣١ قُل أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلكَٰفِرِينَ ٣٢[1]

كلامُنا اليومَ بإِذْنِ اللهِ تعالى عَنْ أمرٍ عظيمٍ، عن محبَّةِ خاتَمِ المرسلينَ محمدٍ، عن محبَّةِ أفضَلِ المرسلينَ محمد، عن محبةِ سيّدِ وَلَدِ ءَادَمَ أَجْمَعينَ مُحَمَّد، عنْ محبةِ أفضَلِ العالَمين محمد، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على سيدِنا محمدٍ صلاةً يَزْدَادُ بِها سُرورُه ويتَضاعَفُ بِها حُبورُهُ وَيُشْرِقُ بِها علينَا نُورُهُ وعلى ءالِه وصحبِه وسلم.

إخوةَ الإيمانِ اعلَمُوا أنَّنا نُعَظِّمُ ونُحبُّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ غيرِ مُخالَفَةٍ لِشرعِ اللهِ إِنَّما كَمَا أمَرَ اللهُ تعالى، وَكَمَا جَاءَ في شرعِ اللهِ تعالَى فَإِنَّ محبَّةَ سيدِنا محمدٍ فرضٌ علَى الْمُكَلَّفينَ فَقَدْ قالَ اللهُ العليُّ العظيمُ في القُرءَانِ الكَريمِ ﴿قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ ٱللَّهُ وَيَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَٱللَّهُ غَفُور رَّحِيم ٣١﴾[2] وَقالَ سبحانَهُ في ءَايَةٍ أخرى عن حبيبِه وَصَفِيِّهِ ﴿إِنَّا أَرسَلنَٰكَ شَٰهِدا وَمُبَشِّرا وَنَذِيرا ٨ لِّتُؤمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ
وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾
[3] الآيةَ وَمَعْنَى تُعَزِّرُوهُ هُنا أيّها الأحبةُ تُعَظِّمُوهُ. وقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لا يُؤْمِنُ أَحدُكُمْ - أَيْ لا يَكْمُلُ إِيمانُهُ - حَتَّى أَكونَ أَحَبَّ إليهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ رواه البخاري. …