ءافاتُ الخمرِ والْمُخَدِّرَات

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أُوصيكُمْ ونفسِي بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ القَائِلِ في مُحْكَمِ كِتابِه ﴿يَٰأَيُّهَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا ٱلخَمرُ وَٱلمَيسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزلَٰمُ
رِجس مِّن عَمَلِ ٱلشَّيطَٰنِ فَٱجتَنِبُوهُ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ ٩٠[1] وقال تبارك وتعالى ﴿وَلَا تَقتُلُواْ أَنفُسَكُم[2] فأَفْهَمَتْنَا الآيةُ الأولَى تحريمَ الخمرِ ومَا ذُكِرَ مَعَهَا وَأَفْهَمَتْنَا الآيةُ الثانيةُ أنَّ كلَّ ما يُؤَدِّي بِالإِنسانِ إلى الهلاكِ فهو حرامٌ أَنْ يَتَعاطَاهُ وفي حديثِ أبي داودَ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِر اهـ فَالْمُخَدِّراتُ تدخُلُ تحتَ كلمةِ مُفتِر وهو مَا يُحْدِثُ في الجِسمِ والعَينِ أَثَرًا ضَارًّا.

إخوةَ الإيمانِ لقد تفشَّى في مجتَمعاتِ المسلمينَ في هذهِ الأيامِ لا سيَّما بينَ الشبابِ ءَافَةٌ مُهْلِكَةٌ ءافَةٌ مُدَمِّرَةٌ أَلا وَهِيَ تعاطِي الْمُخَدِّراتِ والإِدْمانُ على شُرْبِ الخمرِ. إنَّ هذهِ الآفةَ لَوْ تُرِكَتْ يَا إِخْوَةَ الإِيمانِ قَدْ تَصِلُ إلَى بَيْتِ أَيِّ واحِدٍ مِنْكُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَلا يَتَوَقَّع. …

الاعتصام بحبل الله

إخوةَ الإيمانِ، لَقَدْ أخبرَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِقُدُومِ الفِتَنِ لا مَحالَةَ وحثَّ علَى الإسراعِ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قبلَ انْشِغَالِ القَلْبِ بِمَا يكونُ مِنَ الفِتَنِ فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فيمَا رواهُ مسلمٌ بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللّيلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا اﻫ

فَفِي هذَا الحديثِ الحَثُّ علَى الْمُبَادَرَةِ إلَى الأَعمالِ الصَّالحةِ قبلَ تَعَذُّرِهَا وَالاشْتِغَالِ عنهَا بِمَا يَحْدُثُ مِنَ الفِتَنِ الشَّاغِلَةِ الْمُتَكاثِرَةِ المتراكمةِ كتَراكُمِ ظَلامِ اللّيلِ. وَقَدْ وَصَفَ صلّى الله عليه وسلم نوعًا مِنْ شَدائِدِ تلكَ الفِتَنِ وَهُوَ أنَّ الشخصَ يُمْسِي مُؤْمِنًا ثُمَّ يُصْبِحُ كَافِرًا أَوْ عَكْسه، وَما ذاكَ إِخْوَةَ الإيمانِ إِلا لِعِظَمِ الفِتَنِ حتّى يَنْقَلِبَ الإنسانُ في اليَوْمِ الوَاحِدِ هذَا الانقِلاب. أعاذَنا اللهُ مِنْ ذلكَ.

وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَطَبَ الناسَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ فَقَالَ إِنَّ الشيطانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِي مَا سِوَى ذلكَ مِمَّا تُحاقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَاحْذَرُوا. يَا أَيُّهَا النَّاس إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ اهـ وَقَالَ وَلَا تَظْلِمُوا وَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض اهـ …

محمّدٌ صلّى اللهُ عليهِ وسلم

أما بعدُ عبادَ اللهِ فإنِّي أُوصيكُمْ ونفسِي بِتَقْوَى اللهِ العليِّ العظيمِ القائِلِ في مُحكمِ كتابِه ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُول مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوف رَّحِيم ١٢٨﴾[1]

إخوةَ الإيمانِ إنَّ كلامَنا اليومَ عَنْ قَائِدِنا وسيِّدِنا وعظيمِنا وَقُرَّةِ أعيُنِنَا نَبِيِّنا محمّدٍ عليهِ الصلاةُ والسلامُ من قالَ عنهُ ربُّهُ ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَة لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٧﴾[2]

محمّدٌ تَحِنُّ إليهِ القُلوب … محمّدٌ تطيبُ بهِ النُّفُوس … محمّدٌ تَقَرُّ بهِ العُيُون … محمّدٌ دُموعُ العاشِقِينَ تَسِيلُ لِذِكْرِه … كيفَ لا نَشْتَاقُ إلَى مَنْ بَكَى الجمَلُ عندَ رؤيتِه وشكَى إليهِ ثِقَلَ أحمالِه … كيفَ لا نَشتاقُ إلَى مَنْ أنَّ الجِذْعُ أنينَ الصبِيِّ حينَ مسحَ عليهِ صلى الله عليه وسلم فَيَا مَعْشَرَ المسلمينَ الخشَبَةُ تحِنُّ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم شوقًا إلَى لِقائِه فأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إليهِ صلى الله عليه وسلم، ولا تَخْجَلْ أخِي المؤمن يا مُحِبَّ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ دَمُوعٍ بَدَتْ لِذِكْرِهِ صلى الله عليه وسلم شَوْقًا إليه. …

لماذا نحتفلُ بولادةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم

إخوةَ الإيمان، ماذَا عسَانا نقولُ مِنَ القَوْلِ السّديدِ في يَومِ مولدِ الحبيبِ سيدِنا محمد؟ يا رسولَ اللهِ أيّها الفَخْمُ الْمُفَخَّمُ والنبيُّ الْمُعَظَّمُ والحبيبُ الْمُكَرَّم .. يا صاحبَ الفَضْلِ علَى أُمَّتِكَ .. يَا مَنْ ءاثَرْتَ أُمَّتَكَ بِدَعْوَتِكَ التِي أَعْطَاكَ ربُّكَ فَقُلْتَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نبِيٍّ دَعْوَتَه[2] ولكنَّكَ اخْتَبَأْتَها شفَاعَةً لَهم فقلتَ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَة اهـ وذلكَ مِنْ رَحْمَتِكَ بِهِمْ وأنتَ كما وصفَكَ ربُّكَ في كتابِه {بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوف رَّحِيم ١٢٨}[3] ..  وأنتَ الذِي يُقالُ لكَ يومَ القِيامَةِ يَا محمّدُ سَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ وَأَنْتَ الذِي تَقُولُ أَيْ رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي[4] اﻫ .. وأَنْتَ الذِي أَرْشَدتَ لِلْخَيْرِ، فَجَزَاكَ اللهُ عنْ هذِه الأُمَّةِ  خيرَ الجزَاء.

أيُّها القائدُ الْمُعَلِّم، في شَهرِ مَولِدِكَ نَتَذَكَّرُ عَظَمَتَكَ وَفَضْلَكَ وَخُلُقَكَ وَوَصْفَ جَمالِكَ وجَميلَكَ علينَا يا نبِيَّ اللهِ. يا نَبِيَّ اللهِ حينَ يَمْدَحُكَ المادِحُونَ وَيَذْكُرُ اسمَكَ الذَّاكِرونَ تَأْخُذُنا الشُّجونُ حتَّى كأَنَّ لِسانَ الحَالِ يقولُ يا لَيْتَنِي أَحْظَى بِاللقاءِ وَلَوْ بِنَظْرَةٍ مِنْكَ فِي المنَامِ كمَا حَظِيَ بِها سيدُنا بِلالٌ الحبَشِيُّ وقَدْ كانَ لَهُ شرفُ الاجتماعِ بِكَ وَرُؤْيَاكَ يَقَظَةً، ومَعَ ذلكَ لَمّا شاهدَ في المنامِ وَجْهَكَ الأَغَرَّ إِذْ بِهِ يَصْحُو مِنْ نَوْمِهِ في تلكَ الليلَةِ وتَحْدُوهُ الأشواقُ بِوَجْدٍ يَتَأَجَّجُ في البِطَاح، يُعَجِّلُ سَيْرَهُ في لَيْلٍ وَصَبَاح، لِيَصِلَ المدينَةَ الغَرَّاءَ فَيقِفَ علَى الأَعْتَاب .. والعَبَرَاتُ مِنْ عَيْنَيْهِ تَنْسَاب .. علَّهَا تُخَفِّفُ مِنْ حَرْقَةٍ فِي الفُؤَادِ، وَلكن هيهاتَ هيهات .. فَهُوَ الذِي وقبلَ مَماتِه أَطْلَقَ المقالَ فقالَ غَدًا نَلْقَى الأَحِبَّةَ محمَّدًا وصَحْبَه اهـ غَدًا لِقَاءُ محمَّدٍ يَوْمَ الجزَاء. …