التحذيرُ مِنْ مَسَبَّةِ الخَالِق

أَمَّا بعدُ إخوةَ الإِيمان، فَإِنِّي أُوصيكُمْ ونفسِي بتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ القَديرِ أَلا فَاتَّقوهُ وخافُوهُ. يَقولُ اللهُ تعالى في القُرءانِ العَظيمِ ﴿وَلتَكُن مِّنكُم أُمَّة يَدعُونَ إِلَى ٱلخَيرِ وَيَأمُرُونَ بِٱلمَعرُوفِ وَيَنهَونَ عَنِ ٱلمُنكَرِ وَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلمُفلِحُونَ ١٠٤﴾[1]

إخوةَ الإيمانِ والإسلامِ، إنَّ موضوعَ خُطبَتِنا اليومَ ينبغِي أَنْ نَخْرُجَ بهِ إلَى الناسِ لنتكَلَّمَ بهِ في البُيُوتِ، لِنَتَكَلَّمَ بهِ في الشوارعِ والطُّرقاتِ بينَ الكَبيرِ والصَّغيرِ، بينَ الرِّجَالِ والشبابِ والنساءِ وهوَ التحذِيرُ مِنْ كُفرٍ صريحِ وكَبيرٍ جِدًّا شَاعَ وَلِلْأَسَفِ عَلَى أَلْسِنَةِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَلَا وَهُوَ مَسَبَّةُ اللهِ عزَّ وجلَّ والعياذُ باللهِ تعالَى، فهذَا الأمرُ الذِي فيهِ ذَمٌّ وافتِرَاءٌ ونقصٌ وَازْدِرَاءٌ وإساءَةٌ للهِ تَقْشَعِرُّ منهُ الأَبْدانُ وتَرْتَجِفُ منهُ القلوبُ وتذرِفُ منهُ العيونُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ الوَاحِدِ القَهَّار.

أيهَا الأحبَّةُ الكرامُ، مَنْ مِنَّا لا يَعْصِرُ قَلْبُهُ إذَا سَمِعَ إِنْسَانًا يَسُبُّ أمَّهُ أوْ أباهُ وهذَا مِنَ الكبائرِ والعياذُ باللهِ فكيفَ بمسبَّةِ الخالقِ ؟ كيفَ بمسبَّةِ اللهِ سبحانَهُ وتعَالى ؟

فهذِه الأمُّ أنتَ لا تسبُّها فكيفَ بمَنْ يسبُّ خالقَ الأُمِّ والطفلِ وهوَ الذِي مَنَّ عَلينا وأنعمَ عَلينا بِنِعَمٍ لا تُحصى ؟ أنعَمَ عَلينا بالصحّةِ، بِالْبَصَرِ وَالسَّمْعِ واللِّسانِ، بالطعامِ وَالشَّرابِ، بالنباتِ والثمارِ والفواكهِ، بالأنعَامِ، بالتذوقِ والشَمِّ واللمْسِ، بالأنهارِ وَالْبِحَارِ، بِعِلْمِ الدِّينِ، بِالْإِسْلامِ، فَكَيْفَ بَعْضُ الناسِ يسبّونَ اللهَ الذِي أنعمَ علينَا بنِعَمٍ لا تحصَى؟ لِيتكلَّمْ كلُّ واحدٍ مِنَّا بهذَا الموضوعِ أيِ بالتحذيرِ مِنْ مسبَّةِ اللهِ بينَ زملائِه في العمَلِ في الجامعةِ في المدرسةِ بينَ أهلِ بيتِه وجيرانِه عمَلًا بقولِه تعَالى ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِٱلمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ ٱلمُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِٱللَّهِ[2]

الصّلاة

فالصلاةُ شأنُها عَظِيمٌ إخوةَ الإيمانِ فإِنّها أفضَلُ الأَعمالِ بعدَ الإيمانِ باللهِ ورسولِه فانظُرُوا وفَّقنِي اللهُ وإِيَّاكُمْ كَمْ قُرِنَ ذِكْرُ الصلاةِ بالإيمانِ باللهِ ورسولِه في القرءانِ {وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعبُدُواْ ٱللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ
حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ ٥}
[4] {ٱلَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِٱلغَيبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقنَٰهُم يُنفِقُونَ ٣}[5] {قَد أَفلَحَ ٱلمُؤمِنُونَ ١ ٱلَّذِينَ هُم فِي صَلَاتِهِم خَٰشِعُونَ ٢}[6]

وَانْظُروا كَمْ قُرِنَ ذِكْرُ تَرْكِ الصَّلاةِ بِالكُفْرِ والعياذُ باللهِ قالَ تعالَى إِخْبَارًا عن أَهْلِ النارِ حين يسألونَ توبيخًا لَهُمْ {مَا سَلَكَكُم فِي سَقَرَ ٤٢ قَالُواْ لَم نَكُ مِنَ ٱلمُصَلِّينَ ٤٣ وَلَم نَكُ نُطعِمُ ٱلمِسكِينَ ٤٤ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلخَائِضِينَ ٤٥ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَومِ ٱلدِّينِ ٤٦}[7] وقال تعالى {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ٣١ وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٣٢}[8] فإذَا تركَ العبدُ الصلاةَ فإِنْ كانَ تَرَكَها مُنْكِرًا لِفَرْضِيَّتِها أَوْ مُسْتَخِفًّا بِها فقد كفرَ والعياذُ بِالله، قالَ تعالى {وَإِذَا نَادَيتُم إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوا وَلَعِبا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُم قَوم لَّا يَعقِلُونَ ٥٨}[9] وأمَّا إِنْ تَرَكَهَا كَسَلا فإنّهُ لا يكفُرُ ولكنهُ يفسُقُ ويقَعُ في الذّنْبِ العَظِيمِ. …

الوضوءُ

أَخِي الْمُؤْمِن، هَلْ سَأَلْتَ نَفْسَكَ إذَا مَا قُمْتَ لِلْوُضُوءِ، كَيْفَ كَانَ يَتَوَضَّأُ خَيْرُ الخَلْقِ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم وكَيْفَ كانَ الحَبِيبُ الْمُصْطَفَى يُؤَدِّي عِبَادَةَ الوُضُوءِ. فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضيَ اللهُ عنهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَالْمُدُّ مِلْءُ الكَفَّيْنِ الْمُعْتَدِلَتَيْنِ، فَلَمْ يَكُنْ نَبِيُّنَا عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ مُسْرِفًا إِنَّما كانَ يَسْتَعْمِلُ مِنَ الْمَاءِ مَا يَحْتَاجُهُ فَقَطْ لِوُضُوئِه صلى الله عليه وسلم بَلْ نَهَانَا عَنِ الإِسْرَافِ فِي الوُضُوءِ وَلَوْ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ كَمَا رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ.

أَمَّا عَنْ كَيْفِيَّةِ وُضُوءِ الْمُصْطَفَى صلى الله عليه وسلم فَهُوَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ حُمْرَانَ أنَّ عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، والوَضوءُ بِفَتْحِ الوَاوِ هُوَ الْمَاءُ الّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ، فَغَسَل عُثمانُ كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ، وَالاسْتِنْثَارُ هُوَ إِخْرَاجُ مَا فِي الأَنْفِ مِنْ مُخَاطٍ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ غَسَلَ سَيِّدُنَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وحدُّ الوجهِ أَحْبَابَنَا طُولًا مِنْ مَنَابِتِ شَعرِ الرَّأسِ غَالِبًا إلَى الذَّقَنِ وَهُوَ مُلْتَقَى اللَّحْيَيْنِ وَحَدُّهُ عَرْضًا مِنَ الأُذُنِ إلَى الأُذُنِ، وَالغَسْلُ لَا بُدَّ أَنْ يَعُمَّ الشَّعرَ والبَشَرَةَ في حَدِّ الوَجْهِ وَيَكْفِي لِصِحَّتِهِ غَسْلُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلكنَّ السُّنَّةَ التَّثْلِيثُ، ثُمَّ غَسَلَ عُثمانُ يَدَهُ اليُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ أَيْ مَعَ الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ لأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُقَدِّمَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى يُسْرَاهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ لِأَنَّ مَسْحَ بَعْضِ الرَّأْسِ مِنْ أَرْكَانِ الوُضُوءِ وَلَوْ شَعرةً في حَدِّ الرَّأْسِ أَمَّا السُّنَّةُ فَهُوَ أَنْ يَمْسَحَ كُلَّ رَأْسِهِ كَمَا وَرَدَ عَنِ الرسولِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وَبَعْدَ مَسْحِ الرَّأْسِ يُسَنُّ أَنْ يَمْسَحَ أُذُنَيْهِ كَمَا مَسَحَ الرَّسُولُ أُذُنَيْهِ بِمَاءٍ غَيْرِ الْمَاءِ الذِي مَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ عثمان رِجْلَهُ اليُمْنَى إِلَى الكَعْبَيْنِ أَيْ مَعَ غَسْلِ الكَعْبَيْنِ وَهُمَا العَظْمَانِ النَّاتِئَانِ مِنْ جَانِبَيِ القَدَمَيْنِ، وَيَغْسِلُ بَيْنَ الأَصَابِعِ وَمَا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ شَعرٍ أَوْ قِطْعَةِ لَحْمٍ زَائِدَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ وإنَّما قَدَّمَ اليُمْنَى علَى اليُسْرَى لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم “إِذا تَوَضَّأْتُمْ فَابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ”، أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَسَلَ ثَلَاثًا لِأَجْلِ السُّنَّةِ وإِلَّا فَمَرَّةٌ وَاحِدَةٌ تَكْفِي، ثُمَّ قَالَ سَيِّدُنا عثمانُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِيْ هَذَا. فهكذا كانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَهَنِيئًا لِمَنِ اقْتَدَى بِرَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلم.

عاشوراء

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنّي أُوصِيكُمْ ونَفْسِي بتَقْوَى اللهِ العَلِيِ العَظيمِ والاقتداءِ بالأَنبياءِ والمرسلينَ والسَّعيِ إلى نَيْلِ رِضَا اللهِ رَبِ العالمين. يقولُ اللهُ العليُّ العظيمُ في مُحكمِ كتابِه الكَريم ﴿وَلَقَد أَرسَلنَا نُوحًا إِلَىٰ قَومِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِم أَلفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمسِينَ عَاما فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُم ظَٰلِمُونَ ١٤ فَأَنجَينَٰهُ وَأَصحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلنَٰهَا ءَايَة لِّلعَٰلَمِينَ ١٥[1]

وقال تعالى ﴿فَأَوحَينَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضرِب بِّعَصَاكَ ٱلبَحرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرق كَٱلطَّودِ ٱلعَظِيمِ ٦٣ وَأَزلَفنَا ثَمَّ ٱلأخَرِينَ ٦٤ وَأَنجَينَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجمَعِينَ ٦٥ ثُمَّ أَغرَقنَا ٱلأخَرِينَ ٦٦ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأيَة وَمَا كَانَ أَكثَرُهُم مُّؤمِنِينَ ٦٧ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦٨﴾[2]