عاشوراء

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنّي أُوصِيكُمْ ونَفْسِي بتَقْوَى اللهِ العَلِيِ العَظيمِ والاقتداءِ بالأَنبياءِ والمرسلينَ والسَّعيِ إلى نَيْلِ رِضَا اللهِ رَبِ العالمين. يقولُ اللهُ العليُّ العظيمُ في مُحكمِ كتابِه الكَريم ﴿وَلَقَد أَرسَلنَا نُوحًا إِلَىٰ قَومِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِم أَلفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمسِينَ عَاما فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُم ظَٰلِمُونَ ١٤ فَأَنجَينَٰهُ وَأَصحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلنَٰهَا ءَايَة لِّلعَٰلَمِينَ ١٥[1]

وقال تعالى ﴿فَأَوحَينَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضرِب بِّعَصَاكَ ٱلبَحرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرق كَٱلطَّودِ ٱلعَظِيمِ ٦٣ وَأَزلَفنَا ثَمَّ ٱلأخَرِينَ ٦٤ وَأَنجَينَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجمَعِينَ ٦٥ ثُمَّ أَغرَقنَا ٱلأخَرِينَ ٦٦ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأيَة وَمَا كَانَ أَكثَرُهُم مُّؤمِنِينَ ٦٧ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦٨﴾[2]

الهجرة النبوية

أما بعدُ عبادَ اللهِ فإني أوصي نفسي وإياكم بتقوى اللهِ العظيمِ والسّيرِ على خُطا رسولِه الكَريمِ، قالَ اللهُ تبارك وتعالى في القرءانِ الكَريم ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذ أَخرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثنَينِ إِذ هُمَا فِي ٱلغَارِ إِذ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحزَن إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُود لَّم تَرَوهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلعُليَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠﴾[1].

إخوةَ الإيمان، عندَما بُعِثَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُمِرَ بِالتَّبليغِ وَالإِنذارِ فكانَ يدعُو إلى اللهِ جَهْرًا ويمرُّ بينَ العربِ المشركينَ حينَ كانُوا يجتمعونَ في الموسِمِ من نَواحٍ مختلفةٍ ويقولُ أيُّها الناسُ قُولُوا لا إله إلا اللهُ تُفْلِحُوا اﻫ[2] وَدعا عليهِ الصلاةُ والسلامُ إلى العَدلِ والإحسانِ ومَكارمِ الأخلاقِ ونَهى عنِ المنكَرِ والبَغيِ فآمنَ به بعضُ الناسِ كأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ وبلالٍ وغيرِهم وبقِيَ علَى الكفْرِ أكثرُ الناسِ وصارُوا يؤذونَه وأصحابَه فلَمَّا اشتدَّ عليهِمُ الأذَى أَمَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعضَ أصحابِه بالهِجرةِ إلَى الحبَشةِ. وكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قَدْ لَقِيَ في الْمَوْسِمِ نَفَرًا من أهلِ يثرب مِنَ الخزرجِ فدَعاهُم إلَى الإسلام فأَسْلمُوا، ثُمَّ ازدَادَ عددُهم في العَامِ التَّالِي فلمَّا انصرَفوا بعَثَ معَهُمْ بعضَ أصحابِه صلى الله عليه وسلم لتعليمِ مَنْ أسلمَ مِنْ أهلِ يثربَ القُرءانَ ودعوةِ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ منهُمْ بَعْدُ إلَى الإسلام، فلمَّا كَثُرَ أنصارُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بيثرب أمرَ اللهُ المسلمينَ بِالهجرةِ إليهَا فهاجَرُوا إليها أَرْسَالا جماعةً بعدَ جماعة. ثم جاءَ إخوةَ الإيمانِ أمرُ اللهِ تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلم بِالهجرَةِ إلى يثرب، أمرَه بتَرْكِ مَكَّةَ مَحَلِّ وِلادتِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ التِي كانَتْ أحبَّ البلادِ إليهِ فَامْتَثَلَ أَمْرَ اللهِ تعالى وهاجرَ مُتَحَمِّلًا المشاقَّ في سفرِه طاعَةً للهِ تعالَى لا خوفًا منَ المشركينَ وجُبْنًا فإنه صلى الله عليه وسلم كانَ أشجعَ الناسِ، ولا يَأْسًا مِنْ واقِعِ الحالِ ولا حُبًّا في الشُّهرةِ والجَاهِ وَالسُّلطانِ فقد ذهبَ إليهِ أشرافُ مكةَ وساداتُها وقالُوا لهُ إِنْ كنتَ تريدُ مُلْكًا مَلَّكْناكَ علينا ولكن كُفَّ عن ذِكرِ ءالهتِنا بِالسُّوء، ولكنَّ النبيَّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أَشْرَفُ من أَنْ يكونَ مقصودُه الدنيا والجاهَ والسُّلطانَ فقالَ لِعَمِّهِ أبي طالبٍ الذِي نقلَ إليهِ عرضَهُمْ واللهِ يا عَمّ لَوْ وضعُوا الشمسَ في يَمِينِي والقمرَ في يَسارِي على أن أَترُكَ الأَمْرَ ما تركتُه حتى يُظْهِرَهُ اللهُ سبحانَهُ وتعالى أو أهلِكَ دُونَه اﻫ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليكَ يا سيدِي يا رسولَ الله. …

بعضُ ما يَجْلبُهُ الحجّاجُ معهُم – والتحذيرُ من الكتبِ التي شحنت بعبارات التكفير والتضليل للمسلمين

أما بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِي أُوصيكُمْ ونفسِي بتقوى اللهِ العَلِيِ العظيمِ القائِلِ في مُحكمِ التّنْـزيلِ ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلتَنظُر نَفس مَّا قَدَّمَت لِغَد وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُ بِمَا تَعمَلُونَ ١٨﴾[1] فهنيئًا لِمَنِ اتّقَى ربَّه والتزمَ بشرعِ سيّدِنا محمّدٍ صلى الله عليه وسلم وهنيئًا لمن حَجَّ واعتَمَرَ وزَارَ قبرَ النبيِ محمّدٍ صلى الله عليه وسلم وهَنِيئًا لِمَنْ تَمسَّكَ بِنَهْجِ سَيّدِ المرسلينَ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم واهتَدَى بِهَدْيِه. وقَدْ علَّمَ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ أُمَّتَهُ كثيرًا مِنَ الأمُورِ التِي تنفعُهم في دينِهم ودُنْياهُمْ وحَضَّهُمْ علَى العَملِ بِها.

إخوةَ الإيمانِ خُطبتُنا اليومَ بِإِذنِ اللهِ رَبِ العالمينَ تَتَركَّزُ علَى أشياء يَجْلِبُها الحجّاجُ عَادةً معهم كالسّواكِ وماءِ زمزمَ وَتَمْرِ المدينةِ المنوّرةِ والسُّبْحَةِ وغيرِ ذلكَ مِنْ تلكَ الدّيارِ العَظيمَةِ مِنْ مكّةَ أُمِ القُرَى وَمِنْ طَيْبَةَ التِي طَابَتْ برسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم. …

زيارةُ الحبيبِ محمَّدٍ قُرْبَةٌ وَشَرَفٌ عَظِيْمٌ

إخوةَ الإيمانِ إنَّ سيدَنا محمدًا صلى الله عليه وسلم هو إِمامُ المرسلينَ وخاتمُ النبيينَ وحبِيبُ ربِّ العالمينَ وسيدُ ولدِ ءادمَ أجمعينَ وإنَّ زيارةَ قبرِه صلّى الله عليه وسلّم مِنْ أَعظمِ القُرَبِ إلى اللهِ تعالَى وَلا يُنْكِرُ ذلكَ إِلّا مَحرومٌ بَعيدٌ عنِ الخَيرِ فقَدْ قالَ صلّى الله عليه وسلّم مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفاعَتِي اﻫ

لطَيبةَ عَرِّجْ إِنَّ بَينَ حَبِيبـًا لأَدْوَاءِ القُلوبِ طَبِيبُ ِبــَـابِها

إِذَا لَمْ تَطِبْ في طَيبةٍ عندَ طَيِّبٍ بهِ طَابتِ الدُّنيا فأَيْنَ تَطِيـبُ

أيها الأحبةُ رسولُ اللهِ محمدٌ حبيبُنا محمدٌ نبيُّ اللهِ محمدٌ حَيٌّ في قبرِه وينفَعُ بعدَ موتِه فقد قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ حَياتِي خَيْرٌ لَكُم ومَمَاتي خَيرٌ لَكُم تُحْدِثُونَ ويُحْدَثُ لَكُم وَوفَاتي خَيرٌ لَكُم تُعْرَضُ عَليَّ أعْمالُكُم فَما رَأيتُ مِنْ خَيْرٍ حَمِدْتُ الله علَيهِ وما رأيتُ مِنْ شَرّ استَغْفَرْتُ لَكُم اﻫ وَرَوَى البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن مالكِ الدّارِ وكانَ خازنَ عمرَ قالَ أصابَ الناسَ قحطٌ في زَمانِ عُمَرَ فجاءَ رجلٌ إلى قبرِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فقالَ يا رسولَ اللهِ اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ فَإِنّهم قد هلَكوا فرَأى رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم في منامِه فقالَ لَهُ أَقْرِئْ عُمَرَ السَّلامَ وأَخْبِرْه أنّهم يُسْقَوْنَ وقُل لَهُ عَلَيْكَ الكَيْسَ الكيسَ أَيِ اجْتَهِدْ في أَمْرِ الأمّةِ فَأَتَى الرجلُ عُمرَ فأَخْبَرَه، وهنا انتبهوا جيدًا إخوةَ الإيمانِ هذا الرَّجلُ فُسِّرَ بِبلالِ بنِ الحارِثِ الْمُزَنِيِّ وهو مِنَ الصحابةِ، يُخْبِرُ مَنْ؟ يخبِرُ الفَاروقَ عمرَ الذِي كانَ معروفًا عنهُ أنَّهُ شَدِيدُ الإِنكارِ للباطِلِ أَخبَرَهُ أنّهُ ذهبَ إلى قبرِ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم وقالَ يا رسولَ اللهِ اسْتَسْقِ لأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قدْ هلَكوا وأَخْبَرَهُ أي أخبرَ عمرَ أنّه رأى رسولَ اللهِ في المنامِ وقالَ لَهُ أَقرِئْ عُمَرَ السلامَ وأخبِرْه أنَّهم يُسْقَوْنَ وقُلْ لَهُ عليكَ الكيسَ الكيسَ. فبَكى عمَرُ ولَمْ يُنْكِرْ عليهِ وقالَ “يَا رَبُّ ما ءَالُو إِلّا مَا عَجَزْتُ” اﻫ أي لا أُقَصِّرُ معَ الاستِطَاعَة. …