الملائكة عباد الله المكرمون

اعلموا عبادَ اللهِ أنهُ يجبُ الإيمانُ بوجودِ الملائكةِ وهم أجسامٌ نُورانِيّهٌ لَطِيفَةٌ ذَوُو أَرْوَاحٍ مُشَرَّفَهٍ فَهُمْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ عندَ الله ليسُوا ذُكورًا ولا إِناثًا لَا يأْكلونَ ولا يشربونَ ولا ينامونَ ولا يتعبونَ ولا يتوالدُونَ وَهُمْ عبادٌ مُكَلَّفُونَ لَا يَعْصُونَ اللهَ تعالَى ما أَمرَهُمْ ويفعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون.

وهُمْ عبادٌ مُكَلَّفُونَ مُوَكَّلُونَ بأَعمالٍ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَنْ هم موكلونَ بالمطرِ والنَّبات، ومنهم مُوَكَّلونَ بكتابةِ أَعمالِ بنِي ءادمَ، وبعضهم موكلونَ بِتَوَفّي الأرواحِ، وبعضُهم موكلونَ بحفظِ بني ءادمَ، يحفَظونَهم من تلاعُبِ الجن بِهم إِلّا أَنّهم لَا يَمْنَعُونَ وُقوعَ الْمُقَدَّرِ، فمَا شاءَ اللهُ تعالَى كانَ ومَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يكُنْ، وَمِنْهُمْ مُوَكَّلونَ بتبليغِ السلامِ إلى الرّسولِ الأَعظمِ صلى الله عليه وسلم من أُمَّتِه، وَمِنْهمْ موكلونَ بكتابةِ ما يَسْقُطُ مِنْ أوْرَاقِ الشَّجَر.

والملائكةُ الكِرَامُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ تعالى، وأَصلُ خِلْقَتِهِمْ ليسَتْ كَخِلْقَةِ البَشَرِ بَلْ هِيَ خِلْقَةٌ خَاصّةٌ، فَأَصْلُ الملائِكَةِ نُورٌ، خلقَهُمُ اللهُ تباركَ وتعالَى مِنْ نُورٍ كما قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خُلِقَتِ الملائِكَةُ مِنْ نُورٍ وخُلِقَ الجَانُّ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ ءادمُ مِمّا وُصِفَ لَكُمْ[4] اهـ وقد خلقَ اللهُ تباركَ وتعالَى ملائِكَتَهُ ذَوِي أَجنِحَةٍ فهذَا لَهُ جناحَانِ وهذَا لهُ أربعةٌ وهذَا لَهُ سِتَّةٌ وهذَا لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذلكَ مِنَ العددِ، يَزِيدُ اللهُ تباركَ وتعالَى بعضَهم على بعضٍ في ذلكَ، فقَدْ وردَ في الحديثِ الشريفِ عن نبيِنا صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّ جبريلَ عليهِ السلامُ الذِي هُوَ رئيسُ الملائكةِ خُلِقَ علَى ستِمائةِ جَناح. فسبحانَ الخَلّاقِ العظيمِ الذِي يخلُقُ ما يشاءُ ويفعَلُ في ملكِهِ مَا يُرِيد، قالَ اللهُ تباركَ وتعالَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِ شَىْءٍ قَدِيرٌ 1[5] وقد ثبتَ أَنَّ ملائكةَ الرحمنِ عليهِمُ السلامُ يتَشَكَّلُونَ أحيانًا بغيرِ صُوَرِهِمُ الأَصليَّةِ التِي خلقَهُمُ اللهُ تعالَى عليهَا فقد ثبتَ في الحديثِ الشريفِ الثابتِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مَجِيءُ جبريلَ أَمينِ الوَحْيِ إلى النبيِ الأعظمِ صلى الله عليه وسلم بصورةِ رَجُلٍ شديدِ بياضِ الثيابِ شديدِ سوادِ الشعرِ ولكنِ اعلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ أَنَّ الملائكةَ إِذَا مَا تَصوَّرُوا بصورةِ رجلٍ لا يكونُ لهُ ءالةُ الذُّكورِيَّةِ كما أنهم لا يتصوَّرونَ بشكلِ أنثَى كما يزعُمُ بعضُ أصحابِ الْمِلَلِ مِنْ غيرِ المسلمينَ حتّى إنّهم يصنَعونَ لهم تماثيلَ نِسائية ذاتَ جناحَيْنِ وهو خِلافُ عَقيدةِ المسلمينَ قالَ تعالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى 27[6] فَلْيُحْذَرْ مِنَ اعتقادِ ذلكَ.

وقد يتَشَكَّلُ الْمَلَكُ أيضًا بِصُورَةِ طَيْر، وَأما الأَفْعَى والعَقْرَبُ والكَلْبُ والخِنْزِيرُ ونحوُها فالملائكةُ المكرمونَ لَا يَتَشَكَّلونَ بِصُوَرِهَا . …

خطبة الجمعة في عظيم حرمة دم المسلم

وذكرَ اللهُ تعالى في هذهِ الآيةِ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وفيهِ بَيانُ عَظيمِ جُرْمِ قَتْلِ النَّفسِ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالحقِّ الذِي بَيَّنُه الشرعُ فَقَتْلُ النَّفسِ التِي حرّمَ اللهُ إلا بالحقِّ هو أكبرُ الذنوبِ بعدَ الإِشْراكِ باللهِ وقَدْ شبَّهَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَنْبَ قَتْلِ المسلمِ بِغَيْرِ حَقٍّ بِالكفرِ فقالَ سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ اﻫ وليسَ معنَى قولِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ (وقِتالُه كُفر) الكفرَ باللهِ عز وجل حتَّى يصيرَ بهِ مُرْتَدًّا وإنَّما الْمُرادُ أنهُ ذَنْبٌ كبيرٌ شَبِيهٌ بالكفرِ فإنَّ المسلمَ لَمَّا عرَفَ حَقَّ المسلمِ على المسلمِ وعَرَفَ حُرْمَتَهُ عندَ اللهِ ثُمَّ قتلَهُ فَكَأَنَّما غَطَّى هذا الحقَّ كأَنْ لَمْ يَكُنْ. إنَّ حُرْمَةَ المسلمِ عندَ اللهِ إخوةَ الإيمانِ عَظِيمَةٌ عظيمةٌ عظيمةٌ. اسمَعوا معي قولَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حيثُ سَأَلَ الصّحابةَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ أَلا أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَشَدَّ حُرْمَةً قالُوا أَلا شَهْرُنا هذَا، قالَ أَلا أَيُّ بَلَدٍ تَعلمونَه أَعْظَمَ حُرْمَةً، قالُوا أَلا بَلَدُنا هذَا، قالَ أَلا أيُّ يومٍ تعلمونَه أَعْظَمَ حُرْمَةً، قالُوا ألا يَومُنا هذَا، قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فَإِنَّ اللهَ تباركَ وتعالَى قَدْ حَرَّمَ عليكُمْ دِماءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْراضَكُمْ إِلا بِحَقِّها كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذَا في بَلَدِكُمْ هذَا في شَهْرِكُمْ هذَا اﻫ .. اللهُ أكبر .. الله أكبر … كلُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ ومَالُهُ وعِرْضُه اﻫ هكذا يقولُ رسولُ اللهِ فمَا بَالُ بَعْضِ النَّاسِ اليَوْم .. يقتُلُ أَحدُهُمُ المسلمَ وكأنَّهُ أمرٌ لا بَأْسَ بهِ .. ويَغْصِبُ مَالَهُ وكأنَّهُ مُباحٌ لَه.. ويَنْتَهِكُ عِرْضَهُ وكأنّه لا حُرْمَةَ له .. انْتَبِهْ يا أخِي المسلمَ فقد قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيمَا رواهُ مُسْلِمٌ لزوالُ الدنيا أَهْوَنُ عندَ اللهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِم اﻫ واللهُ تعالى يَقُولُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا 93﴾[2] .. وغضبَ اللهُ عليهِ ولَعنَهُ وأَعدَّ لَهُ عذابًا عَظِيمًا .. وَلِعِظَمِ ذنبِه يكونُ عذابُه في جهنمَ عظيمًا طَوِيلا هذَا مَا لَمْ يكنْ مُسْتَحِلا لِقَتْلِه وَلا قَتَلَهُ لإِيمانِه وَإِلا فإِنَّهُ يكونُ كافِرًا والعياذُ باللهِ فيخلدُ في نارِ جهنَّمَ لا يخرُجُ منها أبدًا. عَصَمَنا اللهُ مِنْ مُوجِبَاتِ السَّخَطِ. ….

في بيانِ أَقْسَامِ الكُفرِ

أَمَّا بعدُ عِبادَ الله، فإِنِّي أُوصيكُمْ وَنَفْسِيَ بتَقْوَى اللهِ العليِّ القديرِ القائلِ في مُحكَمِ كِتابِه ﴿يَا أَيُّها الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَولا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ ورسولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوزًا عَظِيمًاسورة الأحزاب/70-71.

فيا فَوْزَنا بِدينِ الإِسلامِ العَظِيم، الدِّينِ الذِي رَضِيَهُ اللهُ تعالى لِعبادِهِ وأَمَرَنَا بِاتِّباعِهِ وَبِالثَّباتِ عَليهِ، فَتَمَسَّكُوا إِخْوَةَ الإِيمانِ بِهذَا الدِّينِ العَظيمِ واثْبُتُوا علَيْهِ إلَى الْمَمَاتِ تَكُونُوا مِنَ الفَائِزينَ الغانِمِينَ، واسمَعُوا مَعِي جَيِّدًا إلَى مَا جَاءَ في الحدِيثِ القُدْسِيِّ أَيِ الذِي يَرْويهِ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّمَ عنْ رَبِّهِ، قَالَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ “قَالَ اللهُ تعالَى يَا عِبادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوفيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيرَ ذلكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ” رَواهُ مُسْلِمٌ.

فَحَاسِبْ نَفْسَكَ وَرَاقِبْ نَفْسَكَ وَانْتَبِهْ لِكَلامِكَ وَلِفِعْلِكَ وَاعْتِقَادِكَ وَاعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قالَ اللهُ تعالَى في القُرءَانِ الكَريمِ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْالآيَةَ. سورة التوبة/74. …

الإيمان بالله ورسوله أفضل الأعمال

أما بعدُ عِبَادَ اللهِ يقولُ ربُّنا عَزَّ وجلَّ في كِتابِهِ العَزيزِ ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩﴾[1]، فأُوصِي نفسِي وَإِيَّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ فَاتَّقوهُ امْتَثِلُوا أَوامِرَهُ وَاجْتَنِبُوا نَوَاهِيَهُ واعْلَمُوا إخوَةَ الإيمانِ أَنَّ أساسَ التَّقْوَى هُوَ العِلْمُ بِاللهِ سبحانَهُ وتعالَى والإيمانُ بهِ ومعرفةُ رسولِهِ صلى الله عليه وسلم على ما يَلِيقُ به فإِنَّ ذَلكَ هُوَ أَوَّلُ الواجِباتِ وأَصْلُها وأَهَمُّها وأفضَلُها، فقد روى البُخاريُّ في صَحيحِهِ عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ اهـ فأفضَلُ الأعمالِ على الإِطلاقِ هو الإِيمانُ باللهِ ورسولِهِ وهوَ الأصلُ الذِي لا تَصِحُّ الأعمالُ بِدونِه….