GR54-AR

عصمة الأنبياء

أما بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أُوصيكُمْ ونفسِي بِتَقْوَى اللهِ العَزيزِ الحكيمِ القائِلِ في القرءانِ الكريم ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسلِمُونَ ١٠٢﴾[1] ولا يكونُ العبدُ مُتَّقِيًا للهِ إلا بِمَعْرِفَةِ اللهِ تعالى والإيمانِ بهِ ومَعْرِفَةِ رَسولِه صلى الله عليه وسلم والإيمانِ بهِ وَامْتِثَالِ أوامِرِه تعالَى كُلِّها واجْتِنَابِ مَناهِيه كُلِّها، وَلا سبيلَ إلَى مَعْرِفَةِ مَا أمَرَ اللهُ به ومَا نهى اللهُ عنهُ إلّا مِنْ طريقِ الأنبياءِ فهُمُ الْمُبَلِّغونَ عنِ اللهِ تبارك وتعالى خَلْقَهُ بِمَا يُحْيِيهِمْ ويُصْلِحُ أَمْرَ دِينِهم وَدُنْيَاهُم فَحَاجَةُ الخَلْقِ إلَى الأنبياءِ ضروريةٌ إذْ لا سَبِيلَ إلى مَعرفَةِ الطَّيِّبِ والخَبيثِ والصحيحِ والباطلِ ومَا يُنْجِي في الآخرةِ أو يُهْلِكُ إلّا علَى أَيدِي الأنبياءِ صلَواتُ اللهُ وسلامُه عليهِم، وَلَمّا كانَ هذا عملَ الأنبياءِ عليهمُ الصلاةُ والسلامُ وتلكَ وظيفَتَهم كانُوا مِنَ الكَمالِ وَعُلُوِّ المنزِلَةِ وَسُمُوِّ الْمَقَامِ في أَعْلَى مَراتِبِهِ لِيُقْبِلَ الناسُ عليهم ويتَلَقَّوْا منهُمْ أوامرَ اللهِ ويلتَزِمُوا مَا بَيَّنُوا لهم مِنَ الشَّرائِعِ والأَحكامِ والآدَابِ والأَخلاقِ، فَاصْطَفَى اللهُ الحكيمُ لِمَنْصِبِ النُّبُوَّةِ مِنَ البَشَرِ رِجالًا كُمَّلًا مِنْ أَوْسَطِ قومِهم نَسَبًا وأَحْسَنِهِمْ خِلْقَةً وَخُلُقًا فَحَفِظَهُمْ مِمّا يُنفِّرُ الناسَ عَنْ قَبولِ الدعوةِ منهم مِنْ عَاهَاتٍ جَسَدِيّةٍ أو أمراض منَفِّرَةٍ كبَرَصٍ وجُذَامٍ وخروجِ دودٍ مِنَ البَدن. وأمّا مَا يُرْوَى عن نبيِّ اللهِ أيوبَ أنَّ مرضَه كانَ بِحَيْثُ يخرجُ الدودُ مِنْ جَسدِه وأنهُ أَكَلَ جِسْمَهُ فَهُوَ غَيرُ صَحِيحٍ والناسُ يَنْفِرُونَ عَمَّنْ هذا حالُه واللهُ تبارك وتعالى لا يبتلِي نبيًّا مِنْ أَنبيائِه بِمَا يُنَفِّرُ الناسَ عنهُ وقد أَرْسَلَهُ لِيُبَلِّغَهُمْ دِينَه. وكذلكَ إخوةَ الإيمانِ حَفِظَ اللهُ تباركَ وتعالى أنبياءَه عنِ الرَّذالَةِ والسفاهةِ فليسَ بينَ الأنبياءِ مَنْ هُوَ رَذِيلٌ يَخْتَلِسُ النَّظَرَ إلى النساءِ الأجنبياتِ بِشَهْوَةٍ مثَلًا وَلا مَنْ هُوَ سَفِيهٌ يَشْتُمُ يَمِينًا وشِمَالا ومَا يَرْوِيهِ بَعضُ الناسِ عن نبيِّ اللهِ داودَ عليه السلامُ أنهُ نظرَ مَرَّةً فرأَى امرأَةَ قائِدِ جَيشِه تَغْتَسِلُ عارِيَةً فصارَ يَنْظُرُ إليهَا وَقَدْ أَعْجَبَتْهُ فَبَعَثَ زوجَها لِلقتالِ ليَأْخُذَ زوجتَه بَاطِلٌ غيرُ صحيحٍ كيفَ وهذَا مِمّا لا يَرْضَى أراذِلُ الناسِ أَنْ يُنْسَبَ إليهِم فكيفَ تصِحُّ نِسْبَتُهُ إلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنبياءِ اللهِ أَرْسَلَهُ رَبُّهُ عزّ وجلّ لِيُعَلِّمَ الناسَ مَكَارِمَ الأَخْلَاق. …

بيانُ أَقْسَامِ الكُفرِ

أَمَّا بعدُ عِبادَ الله، فإِنِّي أُوصيكُمْ وَنَفْسِي بتَقْوَى اللهِ العليِّ القديرِ القائلِ في مُحكَمِ كِتابِه ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَولا سَدِيدا ٧٠ يُصلِح لَكُم أَعمَٰلَكُم وَيَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَد فَازَ فَوزًا عَظِيمًا ٧١﴾[1].

فيا فَوْزَنا بِدينِ الإِسلامِ العَظِيم، الدِّينِ الذِي رَضِيَهُ اللهُ تعالى لِعبادِهِ وأَمَرَنَا بِاتِّباعِهِ وَبِالثَّباتِ عَليهِ، فَتَمَسَّكُوا إِخْوَةَ الإِيمانِ بِهذَا الدِّينِ العَظيمِ واثْبُتُوا علَيْهِ إلَى الْمَمَاتِ تَكُونُوا مِنَ الفَائِزينَ الغانِمِينَ، واسمَعُوا مَعِي جَيِّدًا إلَى مَا جَاءَ في الحدِيثِ القُدْسِيِّ أَيِ الذِي يَرْويهِ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عنْ رَبِّهِ، قَالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ اللهُ تعالَى يَا عِبادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيرًا فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيرَ ذلكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ اهـ رَواهُ مُسْلِمٌ.

فَحَاسِبْ نَفْسَكَ وَرَاقِبْ نَفْسَكَ وَانْتَبِهْ لِكَلامِكَ وَلِفِعْلِكَ وَاعْتِقَادِكَ وَاعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. قالَ اللهُ تعالَى في القُرءَانِ الكَريمِ ﴿يَحلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَد قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلكُفرِ وَكَفَرُواْ بَعدَ إِسلَٰمِهِم﴾[2] الآيَةَ. …

بيانُ أنَّ اللهَ خالقُ العِبادِ وأعمالِهِم

أيها الأحبةُ إنَّ من أصولِ عقائدِ الإسلامِ اعتقادَ أنَّ اللهَ خالقُنا أي مُخْرِجُنا من العدمِ إلى الوجودِ وخالقُ أعمالِنا أي الذي يُبْرِزُها من العدم إلى الوجود، وقد رُوِيَ عنْ إمامِ الصوفيةِ العارفينَ الْجُنَيْدِ البَغدَاديِّ أنهُ سُئِلَ مَرَّةً عنِ التوحيدِ فقالَ إِنَّهُ لا مُكَوِّنَ لِشَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ مِنَ الأَعْيَانِ والأَعْمَالِ خالقَ لها إلا اللهُ تعالى اهـ والأعيانُ إخوةَ الإيمان هي كلُّ ما لَهُ حجمٌ صغيرًا كانَ أم كبيرًا فيجبُ اعتقادُ أنَّ كلَّ ما دخلَ في الوجودِ مِنَ الأعيانِ أي الأحجامِ والأعمالِ ما كان خيرًا وما كان شرًا وُجِدَ بِخَلْقِ اللهِ سبحانه وتعالى كما قالَ الله عَزَّ وجلَّ في مُحْكَمِ كتابِهِ ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ ٩٦﴾[2] أي أنَّ اللهَ خلقَكُم وخلقَ أعمالَكم فَنَحْنُ أيها الأحبةُ لا نَخْلُقُ شيئًا لا ذواتِنا ولا أعمالَنا إنما نَحْنُ وأعمالُنا بخلقِ اللهِ تعالى ولا فرقَ في ذلك إخوة الإيمانِ بين أعمالِنا الاختياريةِ كالأكلِ والشربِ والصلاةِ وبينَ الأعمالِ الاضطرايةِ كالارتعاشِ مِنَ البردِ بلْ كُلُّ ذلكِ بِخَلْقِهِ سبحانَهُ، قال تعالى ﴿قُل إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا أَوَّلُ ٱلمُسلِمِينَ ١٦٣﴾[3] أَخْبَرَ اللهُ تعالَى بِأَنَّ صَلاةَ العبدِ ونُسُكَهُ أي ما يَذْبَحُهُ تقربًا إلى الله تعالى كالأضحيةِ ومَحْيَاهُ ومماتَهُ مِلكٌ له وخَلْقٌ له لا يُشارِكُهُ فيهِ غَيْرُهُ فأَعْلَمَنا أَنَّهُ لا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الأَعْمَالِ الاختِيَارِيَّةِ كَالصَّلاةِ والنُّسُكِ وبينَ مَا يَتَّصِفُ به العبدُ مما ليس باختيارِهِ كالحياةِ والموتِ، إنما تَتَمَيَّزُ الأعمالُ الاختياريةُ أي التي تقعُ باختيارِ العبادِ ويكتسبُها الناسُ بأنها هي التي عليها يُحَاسَبُ الإنسانُ ويُؤَاخَذُ، فما كانَ منها خيرًا يُثابُ عليهِ وما كان شَرًّا يُؤَاخَذُ عليه كما قال الله تعالى ﴿لَهَا مَا كَسَبَت﴾[4] أي منَ الخيرِ أي تنتفعُ بذلكَ ﴿وَعَلَيهَا مَا ٱكتَسَبَت﴾[5] أَيْ وَعَلَيْهَا وَبَالُ ما اكْتَسَبَتْهُ مِنَ الشَّرِّ أي تَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ علَى ذَلِكَ. والكَسْبُ إخوةَ الإيمانِ هو توجيهُ العبدِ قصدَهُ وإرادتَهُ نَحْوَ العَمَلِ فيخلقُهُ الله عندَ ذلكَ فالعبادُ أيها الأَحِبَّةُ كَاسِبُونَ لأعمالِهِمْ واللهُ خالقٌ لِلْعِبَادِ وخَالقٌ لأعمالِهِمْ وخالقٌ لِنِيَّاتِهِم وقصودِهِمْ لاخالقَ إلا هُوَ سبحانَهُ وتعالى الذي لا شريكَ لَهُ. …

التّوكُّلُ على اللهِ والتّحذيرُ مِنَ الكَهَنَةِ والعَرّافِين

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ، فإني أوصيكُمْ ونفسي بتقوى اللهِ العليِّ القديرِ القائلِ في مُحكَمِ كتابِهِ ﴿ٱللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ ٱلمُؤمِنُونَ ١٣﴾[1]

إخوةَ الإيمانِ، مِنَ الواجباتِ القلبيّةِ التوَكّلُ على اللهِ وهو الاعتمادُ عليه تعالى، فيجبُ على العبدِ أنْ يكونَ اعتمادُهُ على اللهِ لأنهُ خالقُ كلِّ شىءٍ مِنَ المنافعِ والمضارِّ وسائرِ ما يدخلُ في الوجودِ، فلا ضارَّ ولا نافعَ على الحقيقةِ إلا اللهُ، فإذا اعتقدَ العبدُ ذلكَ وَوَطّنَ قلـبَهُ عليهِ كانَ اعتمادُهُ على اللهِ في أمورِ الرّزقِ والسلامةِ من المضارِّ.

فالتوكُّلُ هو ثِقَةُ القلبِ باللهِ. وقالَ الجنَيْدُ البغداديُّ رضي اللهُ عنهُ التوكُّلُ هُوَ تَرْكُ الاعتِمادِ الحقيقِيِّ على غيرِ اللهِ اﻫ

فمَنْ توكّلَ على اللهِ تجنّبَ أنْ يلجأَ إلى ما حرّمَ اللهُ منَ العَمَلِ بالسحرِ وإتيانِ العرّافينَ والمنجِّمينَ، فقد قالَ حبيبُنا محمّدٌ صلواتُ ربِّي وسلامُهُ عليهِ من أتى كاهنًا أو عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يقولُ فقدْ كفرَ بما أُنزِلَ على محمّدٍ اﻫ رواه الحاكم.

فالكاهنُ هو مَنْ يتعاطى الإخبارَ عمّا يقعُ في المستقبلِ كالذين لهم أصحابٌ من الجنِّ يأتونَهم بالأخبارِ فيعتمدونَ على أخبارِهِمْ فيحدّثونَ الناسَ بأنهُ سيحصلُ كذا.

والعرّافُ هو من يتحدّثُ عن الماضي من المسروقِ ونحوِهِ. …