Category Archives: خطب الجمعة

الحذر من الإفتاء بغير علم

الحمدُ للهِ الّذِي عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، وَقَيَّضَ لِهَذَا الدِّينِ رِجَالًا يُفْتُونَ بِعِلْمٍ فَإِذا لَمْ يَعْلَمُوا لَمْ يغفلوا لَا أَعْلَمُ، ونَعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهدِ اللهُ فلا مُضلَّ لَه ومَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إِلَهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شريكَ لَهُ وَلَا شَىْءَ مِثْلُهُ وَلا شَىءَ يُعْجِزُهُ، لا تَبْلُغُهُ الأَوْهَامُ وَلَا تُدْرِكُهُ الأَفْهَامُ وَلَا يُشْبِهُ الأَنَام. وأشهدُ أنَّ سيّدَنا محمدًا عبدُ اللهِ الْمُصْطَفَى وَنَبِيُّهُ الـمُجْتَبَى ورسولُهُ الـمُرْتَضَى، وأَنَّهُ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ وَإِمَامُ الأَتْقِيَاءِ، وَسَيِّدُ المرسلينَ وحَبِيبُ رَبِّ العالَمين. فَصَلَّى اللهُ على محمَّدٍ وعلَى ءالِهِ الطَّاهِرِينَ وصحابَتِهِ الـطَّيِّبِينَ وَسَلَّمَ.

أما بعدُ فَأُوصِي نَفْسِي وأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ أَلَا فَاتَّقُوه وَخَافُوه وَأْتَمِرُوا بِأَوَامِرِهِ وَانْتَهُوا عَنْ نَواهِيهِ واثْبُتُوا علَى هَدْيِ النبِيِّ محمدٍ عليهِ أفضَلُ الصَّلاةِ وأَتَمُّ التَّسْلِيم.

اعلَمُوا إِخْوَةَ الإِيمَانِ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وتَعالَى سَائِلٌ عَبْدَه يَوْمَ القِيَامَةِ عَنْ كلامِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَفُؤَادِهِ وَأَنَّ اللهَ سَائِلٌ عَبْدَه عَنْ قَوْلِهِ في الدُّنْيَا هَذَا يَجُوزُ وهذَا لَا يَجُوزُ فقَدْ قالَ رَبُّنا تبارك وتعالى في القُرءانِ الكَريم ﴿وَلَا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِۦ عِلمٌ إِنَّ ٱلسَّمعَ وَٱلبَصَرَ وَٱلفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰئِكَ كَانَ عَنهُ مَس‍ُولا ٣٦﴾[1] أَيْ لَا تقُلْ قَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَالفَتْوَى بغيرِ عِلْمٍ مِنَ الذنوب كبيرة، رَوَى الحَافِظُ ابنُ عَسَاكرَ[2] أنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ مَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ لَعَنَتْهُ ملائكَةُ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ اهـ فَإِذا كانَ الأَمْرُ كذلكَ إِخْوَةَ الإيمانِ فَمَا مَعْنَى أَنْ يُفْتِىَ بِعِلْمٍ، وَاسْمَعُوا مَعِي فَإِنَّ الذِي يُفْتِي إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا في الفُتْيَا لِمُجْتَهِدٍ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَجَرِّئًا علَى الفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ. أَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَهُوَ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الاجتِهَادِ أَيْ مَنْ يَجُوزُ لهُ ذلكَ بِنَاءً عَلَى صِفَاتٍ مُعَيَّنَةٍ وَشُرُوطٍ لَا بُدَّ أَنْ تَجْتَمِعَ فِيهِ، وَهِيَ ليسَتْ موجودَةً في أَغْلَبِ أَهْلِ العَصْرِ. قالَ الإمامُ الشافعيُّ رحمهُ الله ولا يكونُ الشَّخْصُ أَهْلًا لِلاجْتِهَادِ حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِمَا مَضَى قَبْلَهُ مِنَ السُّنَنِ وَأَقْوَالِ السَّلَفِ وَإِجْمَاعِ النَّاسِ وَاخْتِلافِ العُلَمَاءِ حَتَّى لَا يَخْرِقَ الإِجْمَاعَ، وَأَنْ يكُونَ عَالِمًا بِلُغَةِ العَرَبِ وَمَعَانِي مَا وَرَدَ في النُّصُوصِ الشَّرعِيَّةِ علَى وَفْقِ كَلَامِ العَرَبِ. ويُشْتَرَطُ في الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَكُونَ حافِظًا لآياتِ الأحكامِ وأحاديثِ الأحكامِ ومع معرفَةِ أسانيدِها ومعرفةِ أحوالِ رِجالِ الإِسْنَاد وَمَعْرِفَةِ النّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ والعَامِّ والخَاصِّ وَالْـمُطلَقِ وَالْـمُقَيَّدِ مَعَ فِقْهِ النَّفْسِ أَيْ قُوَّةِ الفَهْمِ وَالإِدْرَاكِ وَمَعَ العَدَالَةِ، فَمِثْلُ هَذَا إِنْ أَفْتَى يُفْتِي عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِهِ. وَأَيْنَ يُوجَدُ مَنْ يَجْمَعُ كُلَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ في هَذَا الزَّمَنِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الشَّخْصُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فَيَعْتَمِدُ علَى فَتْوَى إِمَامٍ مُجْتَهِدٍ أَيْ ينقُلُ قَوْلَ الْمُجْتَهِدِ فِي الْمَسْأَلَة. وأَمَّا مَنْ تَسَوَّرَ مَرْتَبَةً لَيْسَ أَهْلًا لَهَا فَصَارَ يُفْتِي النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، صارَ يُفْتِي الناسَ على وَفْقِ هَواهُ فَهُوَ خَائِبٌ خَائِنٌ يَفْضَحُهُ اللهُ تباركَ وتعالى في الدُّنيا قَبْلَ الآخِرَةِ كَمَا قَالَ إِمَامُنَا الشافعيُّ رضيَ اللهُ عنهُ مَنْ سَامَ بِنَفْسِهِ فَوْقَ مَا يُسَاوِي رَدَّهُ اللهُ تعالَى إِلَى قِيمَتِه[3] اهـ

Continue reading الحذر من الإفتاء بغير علم

الحث على طلب العلم وبيان الفرض العيني من علم الدين

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهدِيهِ ونشكرُهُ ونستغفِرُهُ ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لَهُ. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شرِيكَ لهُ ولا مثيلَ لهُ ولا جهةَ لهُ ولا فوْق ولا تحت ولا يمينَ ولا شِمالَ ولا أمامَ ولا خلفَ لهُ، أشهدُ أنَّ اللهَ على كلِّ شىءٍ قديرٌ وأنّهُ قدْ أحاطَ بكلِّ شىءٍ عِلمًا. وأشهدُ أنّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرَّةَ أعيُنِنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفيُّهُ وحبيبُهُ، بلّغَ الرِّسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصحَ الأمّةَ فجزاهُ اللهُ عنّا خيرَ ما جزى نبيًّا من أنبيائهِ. اللهمّ صلِّ على سيِّدنا محمّدٍ صلاةً تقضي بها حاجاتِنا وتفرِّجُ بها كُرُباتِنا وتكفِيْنا بها شرَّ أعدائنا وسلِّمْ عليهِ وعلى ءالِهِ وإخوانِه النّبيِّينَ والمرسلينَ سلامًا كثيرًا.

أما بعدُ، فيقولُ ربُّ العزة في محكمِ التّنْزيلِ ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلتَنظُر نَفس مَّا قَدَّمَت لِغَد وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ ١٨﴾[1]. فاتّقوا اللهَ عبادَ اللهِ، اتّقوا اللهَ العزيزَ الحكيمَ القَوِيَّ الْمَتِينَ وَتَمَسَّكُوا بِكِتَابِ اللهِ العظيمِ الذي جاءَ فيهِ ﴿يَرفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُم وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلعِلمَ دَرَجَٰت وَٱللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ خَبِير ١١﴾ الآية[2].

إخوةَ الإِيمانِ، لَقَدْ رَفَعَ اللهُ تَعَالَى دَرَجَةَ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِفَضْلِ العِلْمِ وَشَرَفِهِ فَعِلْمُ الدِّينِ هُوَ حَيَاةُ الإسلامِ، وعلمُ الدّينِ عَلَى قِسْمَيْنِ، قِسْمٌ يَجِبُ علَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِعَيْنِهِ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ وَقِسْمٌ إذَا قَامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ الإِثْمُ عنِ البَاقِينَ، فَالثَّانِي هُوَ الفَرْضُ الكِفَائِيُّ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ بِحَيْثُ تَحْصُلُ الكِفَايَةُ، أَمَّا القِسْمُ الأَوَّلُ فَهُوَ الفَرْضُ العَيْنِيُّ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم “طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ” أَيْ وَمُسْلِمَةٍ رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ وَحَسَّنَهُ الحَافِظُ المزِّيُّ.

وهذَا القِسْمُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا لِأَقْسَامٍ فَمِنْهُ ضَرُورِيَّاتٌ فِي الاعتِقَادِ أَيْ مَا لَا يَجُوزُ علَى الْمُكَلَّفِ جَهْلُهُ مِنَ الأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالعَقِيدَةِ الإِسْلَامِيَّةِ كَتَنْزِيهِ اللهِ عَنِ الجِسْمِيَّةِ وَالشَّكْلِ وَاللَّونِ وَالْجِهَةِ وَالْمَكَانِ وَغَيرِ ذلكَ مِنْ أَوْصَافِ الْمَخْلُوقينَ وَكَمَعْرِفَةِ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَ الأَنْبِيَاءَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ مَا فِيهِ فَوْزُهُمْ وَسَعَادَتُهُمْ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَنَّهُ أَيَّدَهُمْ بِالْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ علَى نُبُوَّتِهِمْ وَحَفِظَهُمْ مِنَ الكُفْرِ وَالكَبَائِرِ وَكُلِّ الخَسَائِسِ.

Continue reading الحث على طلب العلم وبيان الفرض العيني من علم الدين

المعجزة

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهديهِ ونشكرُه ونعوذُ باللهِ ِمنْ شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهْدِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلـهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه مَنْ بعثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هاديًا ومبشّرًا ونذيرًا بلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونصحَ الأُمَّةَ فجزاهُ اللهُ عنَّا خيرَ ما جَزى نبيًّا مِنْ أنبيائهِ، وصلَّى اللهُ وسلَّم على سيّدِنا محمدٍ الأمينِ وعلى ءالِه وصحبهِ الطيِّبينَ الطَّاهرِين.

أمَّا بعدُ فيَا عبادَ اللهِ أُوصِي نَفْسِي وَإِيَّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظيمِ. يقولُ اللهُ تباركَ وتعالَى في كِتابِه الكَريمِ لِحَبيبهِ المصطفَى ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدعُواْ رَبَّكُم يُخَفِّف عَنَّا يَوما مِّنَ ٱلعَذَابِ ٤٩ قَالُواْ أَوَ لَم تَكُ تَأتِيكُم رُسُلُكُم بِٱلبَيِّنَٰتِ قَالُواْ بَلَىٰ قَالُواْ فَٱدعُواْ وَمَا دُعَٰؤُاْ ٱلكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٍ ٥٠﴾[1].

إخوةَ الإِيمانِ لَقَدْ أَيَّدَ اللهُ كُلَّ نَبِىٍّ مِنْ أَنْبيائِهِ بِالبَيِّناتِ مِنَ الحُجَجِ وَالْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ دِلالَةً قَاطِعَةً علَى نُبُوَّتِهِ وَالشاهِدَةِ شَهَادَةً ظاهِرَةً علَى صِدْقِهِ فَالْمُعْجِزَةُ هِيَ العَلامَةُ وَالدَّليلُ علَى صِدْقِ الأَنبياءِ في دَعْوَاهُمُ النُّبُوَّةَ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلّا وَكانَتْ لَهُ مُعْجِزَةٌ وهِىَ أَمْرٌ خَارِقٌ للعادَةِ أىْ مُخَالِفٌ لِلعادَةِ يأتِي علَى وَفْقِ دَعْوَى مَنِ ادَّعَوُا النبوةَ، سالِمٌ مِنَ الْمُعارَضَةِ بِالْمِثْلِ صَالِحٌ لِلتَّحَدِّى، فَمَا لَمْ يَكُنْ مُوافِقًا لِدَعْوَى النبوةِ لا يُسَمَّى مُعْجِزَةً، كَالَّذِي حَصَلَ لِمُسَيْلِمَةِ الكَذَّابِ الّذِى ادَّعى النبوَّةَ مِنْ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى وَجْهِ رَجُلٍ أَعْوَرَ فَعَمِيَتِ العَيْنُ الأُخْرَى، فَإِنَّ هذَا الذِي حَصَلَ لَهُ مُنَاقِضٌ لِدَعْوَاهُ يَدُلُّ علَى كَذِبِهِ في دَعْوَاهُ وَلَيْسَ مُوافِقًا لَها.

ولَيْسَ مِنَ المعجِزَةِ مَا يُسْتَطاعُ مُعارَضَتُه بِالْمِثْلِ كَالسِّحرِ فَإِنَّهُ يُعارَضُ بِسِحْرٍ مِثْلهِ. وَقَدْ تَحدَّى فِرعونُ سَيِّدَنا موسَى عليهِ السلامُ، فجَمَعَ سبعينَ ساحِرًا مِنْ كِبَارِ السَّحَرَةِ الذِينَ عِندَهُ، فَأَلْقَوُا الحِبَالَ التِي فِي أَيْدِيهِمْ، فَخُيِّلَ لِلنَّاسِ أَنَّهَا حَيَّاتٌ تَسْعَى، فَأَلْقَى سَيِّدُنا موسَى عليهِ السلامُ بِعَصَاهُ، فَانْقَلَبَتِ العَصَا ثُعْبانًا حَقِيقِيًّا كَبِيرًا أَكَلَ تلكَ الحِبالَ التِي رَمَاهَا السَّحرةُ، فَعرفَ السحرةُ أنَّ هذَا ليسَ من قَبِيلِ السِّحرِ وإنما هوَ أمرٌ خارِقٌ لِلْعَادَةِ لا يستطيعونَ مُعارَضَتَهُ بِالمثلِ أظهرَهُ لسيِّدِنا موسى عليه السلام خالِقُ العالَمِ الذِى لا شَريكَ له ولا مَثيلَ تأيِيدًا لسيِّدِنا موسى عليه السلام، فَقَالُوا ءَامنَّا برَبِّ موسى وهارون، فَغَضِبَ فرعونُ لأنَّهم ءامَنُوا قبلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ وتركُوا مَا كانُوا عليهِ فَهَدَّدَهُمْ وَأَضْرَمَ لهم نَارًا كَبيرَةً فَلَمْ يَرْجِعُوا عَنِ الإِيمانِ برَبِّ موسى وهارونَ فَقتَلَهُمْ. ثمَّ ما كانَ مِنَ الأُمورِ عَجِيبًا وَلَمْ يَكُنْ خَارِقًا لِلعادَةِ فَلَيْسَ بِمُعجِزَةٍ، وَكذلكَ مَا كانَ خَارِقًا لكنه لَمْ يَقْتَرِنْ بدَعْوَى النبوَّةِ كالخوَارِقِ التِي تَظْهَرُ علَى أيدِي الأَولياءِ الذِينَ اتَّبَعُوا الأَنبياءَ اتِّباعًا كَامِلا، فَإِنَّهُ لا يُسَمَّى مُعْجِزَةً لهؤلاءِ الأَولياءِ بَلْ يُسَمَّى كرامَةً.

Continue reading المعجزة

الحث على الصلاة وصلاة الجماعة

الحمدُ للهِ مُكَوِّنِ الأَكْوَانِ الموجودِ أزَلًا وأَبَدًا بِلا مَكَانٍ الْمُنَزَّهِ عَنِ الأَيْنِ وَالشَّكْلِ والصورةِ والهيئةِ والأعضاءِ والأركان. الحمدُ للهِ الذي تعبَّدَنا بأداءِ الصلواتِ الخَمْسِ وجعلَ لِمَنْ أَدَّاها علَى ما أمرَ ثَوابَ خَمْسينَ صلاةً فضلًا منهُ وكَرَمًا وَجَعَلَهُنَّ كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهُنَّ رَحْمَةً منهُ وَلُطْفًا وَأَفَاضَ فيهَا علَى قُلوبِ أوليائِه لَذَّةً وَسَكَنًا وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمّدًا رسولُ الله. اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ على سيدِنا محمَّدٍ وعلَى ءالِه وصحبِه وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِصِدْقٍ وَإِحْسَان.

أما بعدُ عبادَ الله، فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ وكَثْرَةِ ذِكْرِهِ، وَأَحُثُّكُمْ علَى طاعَتِهِ وشُكْرِهِ، فقَدْ قالَ رَبُّنَا في مُحْكَمِ كتابه ﴿وَأمُر أَهلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصطَبِر عَلَيهَا لَا نَس‍َلُكَ رِزقا نَّحنُ نَرزُقُكَ وَٱلعَٰقِبَةُ لِلتَّقوَىٰ ١٣٢﴾[1]

إخوةَ الإيمانِ سَنَتَنَاوَلُ في خُطْبَتِنا اليَوْمَ الحديثَ عَنِ الصَّلاةِ التِي جَعَلَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَحَدَ أَعْظَمِ أُمورِ الإِسلامِ الخَمْسَةِ حَيْثُ قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بُنِيَ الإسلامُ علَى خَمْسٍ اهـ[2] وَعَدَّ منها شهادةَ أن لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ ثم إِقَامَ الصّلاةِ فجَاءَتِ الصلاةُ في المرتَبَةِ الثانيةِ بعدَ الشهادَتَيْنِ.

وقال رسولُ اللهِ صلى الله عيه وسلم أيضًا رأسُ الأَمْرِ الإِسلامُ وعَمُودُهُ الصَّلاة اهـ[3] فهِيَ مِنْ أَظْهَرِ مَعالِمِهِ وأَعْظَمِ شعائرِه وأَنْفَعِ ذَخائِرِهِ وَهِيَ بعدَ الشهادتينِ ءَاكَدُ مَفْرُوضٍ وَأَعْظَمُ مَعْرُوضٍ وأَجَلُّ طَاعَةٍ وأَرْجَى بِضَاعَة، خُضوعٌ وخُشوعٌ، وافْتِقَارٌ وَاضْطِرَارٌ، وَدُعَاءٌ وَثَنَاءٌ، وَتَحْمِيدٌ وتَمْجِيدٌ، وَتَذَلُّلٌ للهِ العَلِيِّ الحَمِيد.

عِبَادةٌ تُشْرِقُ بالأملِ في لُجَّةِ الظُّلُماتِ وَتُنْقِذُ الْمُتَرَدِّيَ في دَرْبِ الْمَظْلماتِ وتأخُذُ بِيَدِ البَائِسِ مِنْ قَعْرِ بُؤْسِهِ واليائِسِ مِنْ دَرَكِ يَأْسِهِ إلى طَريقِ النَّجاةِ ولِهذا عُنِيَ الإسلامُ عِنايةً بالغَةً بالصلاةِ فَجاءَ في كتابِ اللهِ تعالى الأَمْرُ بِإِقامَتِها وَالْمُحافظَةِ عليها حيثُ قالَ تعالَى ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلوُسطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ ٢٣٨﴾[4]

فَمِنْ حَفِظَها وحافَظَ عليهَا بِتَعَلُّمِ أحكامِها وأَدَّاها على ما يُوافِقُ شرْعَ اللهِ فقد فازَ ونَجا وَمَنْ ضَيَّعَها فقد خَسِرَ وكانَ لِمَا سِواها أَضْيَعَ، فعَلَيْنَا إخوةَ الإيمانِ أَنْ نُحافِظَ عليهَا في حالِ الصحةِ والمرَضِ والضِّيقِ والسَّعَةِ وحالِ الأَمْنِ وَالخَوْفِ. فالصلاةُ سِرُّ النَّجاحِ وأَصْلُ الفلاحِ وأَوَّلُ مَا يُحاسَبُ عليهِ العبدُ يومَ القيامَةِ مِنْ عَمَلِهِ فَإِنْ صَلَحَتْ فقد أَفْلَحَ وأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ. والمحافظةُ عليها عُنْوَانُ الصِّدْقِ والإيمانِ، والتهاوُنُ بِها علامَةُ الخِزْيِ وَالخُسْرَان. خَمْسُ صَلَواتٍ مَنْ حَافَظَ عليهِنَّ فأحسنَ وُضوءَهُنَّ وصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ فَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَسُجُودَهُنَّ وخُشُوعَهُنَّ كانَ لَهُ عندَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ وكانَتْ لَهُ نُورًا وبُرْهَانًا ونَجاةً يومَ القِيامَةِ وَمَنْ لَمْ يُحافِظْ عليهِنَّ لمْ يَكُنْ لهُ عندَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الجنّةَ ولَمْ يكنْ لهُ يومَ القِيامَةِ نُورٌ وَلا بُرْهَانٌ وحَشَرَهُ اللهُ معَ أهلِ الخَيْبَةِ والخُسْرَان.

عبادَ اللهِ إِنَّ فريضةَ الصلاةِ مِنْ أَهَمِّ فَرائِضِ الدِّينِ التِي أَكَّدَ اللهُ أَمْرَها في جَمِيعِ الشَّرائِعِ وهيَ إِيقاظٌ مُتَكَرِّرٌ لِلْإِنسانِ مِنْ غَفْلَتِهِ عنْ طاعةِ اللهِ، وَتَحْرِيضٌ لهُ على كَثْرَةِ الأَوْبَةِ والإِنَابَةِ إلى اللهِ سبحانَه. وَهِيَ في الوقتِ نَفْسِهِ تَطْهِيرٌ لِلْقَلْبِ وَتَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ وَتَنقِيَةٌ لِلرُّوحِ وَتَنْظِيفٌ لِلْجَوَارِحِ مِنْ لَوثَاتِ الشُّرُورِ وَالآثَام. ونَظَرًا لِأَهَمِّيَّةِ الصلاةِ وأَثَرِها البَالِغِ في عاجِلِ أَمْرِ المؤمِنِ وَءَاجِلِهِ تَوَعَّدَ اللهُ منْ يُؤَخِّرُها عن وقتِها لِغَيْرِ عُذْرٍ فقالَ عزَّ مِنْ قائِلٍ ﴿فَوَيل لِّلمُصَلِّينَ ٤ ٱلَّذِينَ هُم عَن صَلَاتِهِم سَاهُونَ ٥﴾[5]. إنَّ تركَ أَدَاءِ الصَّلَوَاتِ الوَاجِبَةِ كَسَلًا ذَنْبٌ كَبِيرٌ يَسْتَحِقُّ مُقْتَرِفُهُ العِقَابَ الشَّديدَ عليهِ وقَدْ يُوصِلُهُ إلى الكُفْرِ لأَنَّ تَرْكَها يُؤَثِّرُ في القَلبِ فَيَضعُف أمامَ الشياطينِ والْمُيولِ الخَبِيثَةِ وَمَنْ ضعفَ قد يصلُ بهِ ضَعْفُه إلى الكفرِ والعِياذُ باللهِ وأمَّا مَنْ ثَابَرَ عليها وأدَّاها كمَا يَنْبَغِي فَيُؤَثِّرُ فيهِ ذلكَ تَحَسُّنًا في حالِه وبُعْدًا عَنِ الْمَساوِئِ فقد قالَ اللهُ تبارَك وتعالى ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنهَىٰ عَنِ ٱلفَحشَاءِ وَٱلمُنكَرِ ﴾[6].

Continue reading الحث على الصلاة وصلاة الجماعة