Category Archives: خطب الجمعة

الآية الكريمة {وأَمَّا مَنْ خَافَ مَقامَ رَبِّهِ}

الحمدُ للهِ ثُمَّ الحمدُ للهِ، الحمدُ للهِ وسَلامٌ على عِبادِه الذينَ اصطَفَى،  الحمدُ للهِ الواحدِ الأَحَدِ الفَرْدِ الصَّمَدِ الذِي لَمْ يَلِدْ ولم يُولدْ ولم يكن له كُفُوًا أَحَد. أحمدُه تعالَى وأستهديهِ وأَسْتَرْشِدُهُ وأَتوبُ إليهِ وأَسْتَغْفِرُه وأعوذُ بِاللهِ مِنْ شُرورِ أنفُسِنا وسيئاتِ أعمالِنا. مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا. والصلاةُ والسلامُ الأَتَمّانِ الأَكْمَلانِ علَى سيدِنا محمدٍ سيدِ ولَدِ عدنانَ مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هاديًا ومُبَشِّرًا ونذيرًا وداعيًا إلى اللهِ بإذنِه سراجًا وَهَّاجًا وقَمَرًا مُنِيرا. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وخليلُه أرسلَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ إِمامًا لِلْمُتَّقِين.

أمّا بعدُ أيُّها الأحبَّةُ المسلِمون، أُوصِي نفسِي وإيّاكُم بِتَقْوَى اللهِ العظيم. هذه الدنيا هي دارُ مَمَرٍّ ولَيسَتْ دارَ مُسْتَقَرٍّ. هذه الدنيا هي مزرعةُ الآخرةِ والقبرُ صُندوقُ العَمَل. فَهنِيئًا لِمَنْ بَرَّ واتَّقى وخُتِمَ لهُ بالعملِ الصَّالح.

يقولُ اللهُ تعالَى في القُرءانِ الكَريم {وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٤٠}[1]

أيْ خافَ سُؤالَ الحسابِ واستعدَّ لِما بعدَ الموتِ خِلافًا لِأُولئكَ الذينَ يَخافونَ الفضيحةَ في الدنيا ولا يستعِدُّونَ لِما بعدَ الموتِ ولا يُعِدُّونَ لِيَوْمِ السُّؤالِ ليومِ الحسابِ بِتَجَنُّبِ الْمَنْهِيّاتِ وأَداءِ الواجباتِ التِي فَرضَها اللهُ تبارك وتعالى {وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٤٠} الهوى المذمومُ هو ما تَمِيلُ إليهِ النفسُ الأَمّارَةُ بِالسُّوءِ مِمّا فيهِ مُخالَفةٌ لشرعِ اللهِ تبارك وتعالى، كَحُبِّ الاستعلاءِ على الرِّقابِ كأنْ يكونَ الإنسانُ أخًا أكبرَ لِأَشِقَّائِه فيأكلَ أموالَهم بدعوى رعايةِ مَصالِحهم بعدَ موتِ أَبِيهِم، يكونُ عندَهُ هَوَى الاستِعْلاءِ. ومِنْ هوى النفسِ الخَفِيِّ أيضا أنَّ بعضًا منَ الناسِ عندهم شهوةُ حبِّ الظُّهورِ والاستِعلاءِ ودَعْوَى الْمَشْيَخَةِ الصُّوفيّةِ وهُمْ فارِغونَ ليكونَ لهم على غيرِهم جَاهٌ، لِيَنْكَبَّ الناسُ على تقبيلِ أيدِيهم ولِيَأْتِيَهُمُ النّاسُ بِالهدايا والعطايا فَتَجِدُ الواحِدَ منهم يدّعِي الوِلايةَ والكرامةَ وهو بعدُ لَمْ يُؤَدِّ الواجباتِ ولمْ يجتنِب المحرمات، ومِنْ هؤلاءِ الأَدْعِياءِ مَنْ تجدُهم عندَ حلقاتٍ بِاسْمِ الذِّكرِ بدَلًا مِنْ أنْ يَقُولوا الله الله الله، تجدُهم يهتَمُّونَ بِالأَنْغامِ والتَّمايُلِ والتَّراقُصِ فَيُحَرِّفونَ اسمَ اللهِ تبارك وتعالى. شهوةُ حبِّ الظُّهورِ جعلَتْهُمْ ترتَبِطُ قلوبُهم بِحُبِّ النَّغَمِ بدَلًا مِنْ أن يلتَزِمُوا بِصِحَّةِ اللفظِ يحرفونَ لفظَ الجلالةِ فيقولونَ سبحانَ (اللا) والحمدُ (للا) ينقصونَ أحرفًا منَ اسمِ الله، ومنهم مَنْ يُلحِدُ في أسماءِ اللهِ كمَنْ يُسَمِّي اللهَ القُوَّةَ الخالِقةَ واللهُ تعالى وصفَ نفسَه في القُرءانِ بِقولِه {ذُو ٱلۡقُوَّةِ}[2] أيِ الموصوفُ بالقوَّةِ وهيَ القُدرةُ فلا يجوزُ أن يُقالَ عنِ اللهِ قُوَّةٌ ولا يجوزُ أن يُقالَ عنِ اللهِ مَحَبَّةٌ ولا يجوزُ أن يقالَ عنِ اللهِ عِلْمٌ أو قدرةٌ أو إرادةٌ بلِ اللهُ موصوفٌ بِالقدرةِ والإِرادةِ والسمعِ والبصرِ والكلامِ والعِلْمِ والحياةِ والبَقاءِ. فَلا يقالُ اللهُ قوةٌ ولا يقالُ اللهُ محبةٌ فأسماءُ اللهِ تَوْقِيفِيَّةٌ فلا يجوزُ أن يُسَمَّى اللهُ بِما لَمْ يَرِدْ بهِ الإِذْنُ شَرْعًا قالَ اللهُ تعالى {وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ}[3]

Continue reading الآية الكريمة {وأَمَّا مَنْ خَافَ مَقامَ رَبِّهِ}

الإيمان بالله ورسوله أفضل الأعمال

إنّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهدِيهِ ونشكرُهُ ونستغْفِرُهُ ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضلِلْ فلا هاديَ لهُ. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ ولا مثيلَ لهُ ولا شَكْلَ ولا صورةَ ولا أعضاءَ لهُ، هوَ الإلهُ العفُوُّ الغفورُ المستغني عنْ كلِّ ما سِواهُ والْمُفتقِرُ إليهِ كلُّ ما عَداهُ. وأشهدُ أنّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرّةَ أعيُنِنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفِيّهُ وحبيبُهُ، بلّغَ الرِّسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصَحَ الأمّةَ، صلّى اللهُ عليهِ صلاةً يقضي بِها حاجاتِنا ويفرِّجُ بِها كُرباتِنا ويكفينا بِها شرَّ أعدائِنا وسلَّمَ عليهِ وعلى صحبِهِ الطيبينَ وءالِهِ الأطهارِ ومَنْ والاهُ.

أما بعدُ عِبَادَ اللهِ يقولُ ربُّنا عَزَّ وجلَّ في كِتابِهِ العَزيزِ ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩ فأُوصِي نفسِي وَإِيَّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ فَاتَّقوهُ امْتَثِلُوا أَوامِرَهُ وَاجْتَنِبُوا نَوَاهِيَهُ واعْلَمُوا إخوَةَ الإيمانِ أَنَّ أساسَ التَّقْوَى هُوَ العِلْمُ بِاللهِ سبحانَهُ وتعالَى والإيمانُ بهِ ومعرفةُ رسولِهِ صلى الله عليه وسلم على ما يَلِيقُ به فإِنَّ ذَلكَ هُوَ أَوَّلُ الواجِباتِ وأَصْلُها وأَهَمُّها وأفضَلُها، فقد روى البُخاريُّ في صَحيحِهِ عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ اهـ فأفضَلُ الأعمالِ على الإِطلاقِ هو الإِيمانُ باللهِ ورسولِهِ وهوَ الأصلُ الذِي لا تَصِحُّ الأعمالُ بِدونِه.

ومَعنَى الإيمانِ بِاللهِ أَنْ يَعْتَقِدَ الإنسانُ اعْتِقَادًا جازمًا بأنَّ اللهَ تعالى موجودٌ لا شَكَّ في وُجودِه، مَوْجُودٌ لا يُشبهُ شَيْئًا مِنَ الموجودَاتِ، ليسَ جِسمًا ولا يُشْبِهُ الأَجْسَامَ، وليسَ حَجْمًا ولا يُشبِهُ الأحجَامَ، ليسَ جِسْمًا كثيفًا كالإِنسانِ والحجَرِ والشَّجَرِ، ولا جِسْمًا لَطِيفًا كالهوَاءِ والجِنِّ والملائِكَةِ، فَاللهُ سبحانَهُ لا يُشبِهُ الإِنسانَ ولا النَّباتَ وَلا الجمَاداتِ، وَلا يُشْبِهُ الهواءَ وَلا الرُّوحَ ولا الضَّوءَ ولا الملائِكةَ ولا الجنَّ فهوَ تعالَى موجودٌ لا يُشبهُ شَيْئًا مِنْ هذَا العالَمِ بل هُو كمَا أَخْبَرَ عن نَفْسِهِ في مُحكَمِ كِتابِهِ ﴿لَيسَ كَمِثلِهِۦ شَيء وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ ١١﴾[1] وَمَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبالِكَ فَاللهُ سبحانَهَ وتعالَى بِخِلافِ ذلكَ أَيْ لا يُشْبِهُ ذَلك، لا يتصورُ فِي الوَهْمِ وَلا يَتَمَثَّلُ فى النفسِ، غايةُ المعرفةِ باللهِ الإيقانُ بوُجُودِهِ تعالَى بلا كيفٍ وَلا مكانٍ أى أَقْصَى مَا تَصِلُ إليهِ مَعْرِفَةُ الإنسانِ باللهِ تعالَى هو أن يعتقِدَ أنهُ سبحانه وتعالى موجودٌ لا كالموجودَاتِ مُتَّصِفٌ بِصِفاتِ الكمالِ التى تَليقُ بهِ والتِى لا تُشبِهُ صِفاتِ المخلوقينَ مِنْ غيرِ أن يكونَ سبحانه وتعالى فى جهةٍ منَ الجهاتِ السِّتِّ ومِنْ غَيرِ أَنْ يكونَ سبحانَهُ وتعالَى فى مكانٍ مِنَ الأماكِنِ. هذَا معنَى الإِيمانِ بِاللهِ.

Continue reading الإيمان بالله ورسوله أفضل الأعمال

عاشوراء

إنّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهدِيهِ ونشكرُهُ ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضلِلْ فلا هاديَ لهُ. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ ولا مثيلَ لهُ، ولا ضدَّ ولا نِدَّ لهُ، وأشهدُ أنّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرّةَ أعيُنِنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفِيّهُ وحبيبُهُ، بلّغَ الرِسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصَحَ الأمّةَ فجزَاهُ اللهُ عنَّا خيرَ ما جزَى نبيًّا مِنْ أنبيائِه. اللهمَّ صلّ على سيّدِنا محمّدٍ خيرِ الكائناتِ وعلى سائرِ إخوانِه منَ النبيينَ الْمُؤَيَّدِينَ بِالمعجزاتِ البَاهرَاتِ وَسَلِمْ تَسْلِيمًا كَثيرًا.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنّي أُوصِيكُمْ ونَفْسِي بتَقْوَى اللهِ العَلِيِ العَظيمِ والاقتداءِ بالأَنبياءِ والمرسلينَ والسَّعيِ إلى نَيْلِ رِضَا اللهِ رَبِ العالمين. يقولُ اللهُ العليُّ العظيمُ في مُحكمِ كتابِه الكَريم ﴿وَلَقَد أَرسَلنَا نُوحًا إِلَىٰ قَومِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِم أَلفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمسِينَ عَاما فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُم ظَٰلِمُونَ ١٤﴾[1]

وقال تعالى ﴿فَأَوحَينَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضرِب بِّعَصَاكَ ٱلبَحرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرق كَٱلطَّودِ ٱلعَظِيمِ ٦٣﴾[2]

أيها الأَحِبَّةُ، أيامٌ قليلةٌ تفصِلُنا عن ذِكْرَى عَاشُورَاءَ العاشرِ مِنْ شَهْرِ الْمُحَرَّم، ذِكْرَى اليَوْمِ الذِي نَجَّى اللهُ فيهِ سيّدَنا نُوحًا وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الطُّوفانِ وأَنْزَلَهُمْ من السفينةِ سَالِمِينَ وذِكْرَى اليَوْمِ الذِي نَجَّى اللهُ فيهِ سَيِدَنا مُوسَى وأَتْبَاعَهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ فِرْعَوْنَ الظالِمِ الكافرِ الأَثيمِ فَقَدْ مرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأناسٍ وَقَدْ صَامُوا يومَ عاشُوراءَ فقالَ مَا هذَا مِنَ الصَّومِ قالُوا هذا اليومُ الذِي نَجَّى اللهُ فيهِ مُوسى وبَنِي إسرائيلَ مِنَ الغَرَقِ وغَرِقَ فيهِ فِرْعَوْنُ وهذا اليومُ اسْتَوَتْ فيهِ السفينَةُ أي سفينَةُ نُوحٍ على الجُودِيِّ فصامَهُ نُوحٌ ومُوسَى شُكْرًا للهِ عَزَّ وَجَلَّ فقالَ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلمَ أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى وأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا اليَوْم فأمَرَ أَصحابَه بِالصَوْمِ اﻫ

إخوةَ الإيمانِ سيدُنا نُوحٌ عليهِ السلامُ أرسلَهُ اللهُ إلى قومٍ كفارٍ فصارَ يدعُوهم ليلًا ونهارًا سِرًّا وجِهارًا بالتّرغيبِ تَارَةً والتَّرْهِيبِ تَارَةً أُخْرَى وظَلَّ هَكذَا أَلْفًا إِلا خَمسينَ سنةً لكنَّ أكثَرَهُمْ لَمْ يُؤْمِنْ بَلِ اسْتَمَرُّوا علَى الضّلالِ وَالطُّغْيَانِ وَنَصَبُوا لَهُ العَدَاوَةَ وءَاذَوْهُ بِالاسْتِهْزَاءِ وَالضَّرْبِ بَلْ كانُوا لا يَتْرُكونَهُ حتَّى يُغْشَى عليهِ مِنْ شِدَّةِ الضَّرْبِ فَيَظُنُّونَ أنَّهُ مَاتَ ثمّ يُعافِيهِ اللهُ ولا يُثْنِيهِ ذلكَ أيها الأحبةُ عنِ الدعوةِ إلى اللهِ بل كان يعودُ إليهم ليدعوَهم إلى الإيمانِ مرّةً بعدَ أُخْرَى مِنْ غَيرِ كَلَلٍ وَمِنْ غَيرِ مَلَلٍ إلى أَنْ أَوْحَى اللهُ إليهِ أَنَّهُ لن يُؤمنَ بهِ مِنْ قومِه إلا مَنْ قد ءامنَ فدَعا سيّدُنا نوحٌ على القومِ الكَافِرينَ فقالَ ﴿رَبِّ لَا تَذَر عَلَى ٱلأَرضِ مِنَ ٱلكَٰفِرِينَ دَيَّارًا٢٦﴾[3] أي لا تَتْرُكْ يَا رَبّي أحدًا منَ الكفارِ حيًّا علَى وجهِ الأرضِ فسلَّطَ اللهُ عليهِمْ عِقابَه، سلطَ اللهُ عليهمُ الطُّوفانَ ولَمْ يُبْقِ منَ الكافرينَ أحدًا ونَجَّى اللهُ نَبِيَّهُ ومَنْ ءامَنَ بهِ مِنْ قَومِهِ بالسفينَةِ التِي صَنَعَهَا سيِدُنا نُوحٌ بأَمْرِ اللهِ وَحَفِظَهَا اللهُ بِحِفْظِهِ وعِنايَتِه.

Continue reading عاشوراء

الهجرةُ النبويةُ الشريفَةُ

إنّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستهديه ونشكرُه ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفُسِنا وسيّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له، وأشهدُ أن لا إلـه إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، ولا مثيلَ له ولا ضدَّ ولا ندَّ له. وأشهدُ أنّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائِدَنا وقرّةَ أعينِنا محمّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه، بلغَ الرسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصحَ الأمةَ فجزاهُ اللهُ عنّا خيرَ مَا جزَى نبيًّا مِنْ أنبيائِه. اللهمَّ صلِ علَى سيدِنا محمدٍ صلاةً تَقْضِي بِها حَاجاتِنا وَتُفَرِجُ بها كُرباتِنا وتَكفِينَا بِهَا شَرَّ أَعدائِنا وَسَلِمْ عليهِ وعلَى ءالِه سَلَامًا كَثيرًا.

أما بعدُ عبادَ اللهِ، فإنِي أوصيكُمْ ونفسِي بتَقْوَى اللهِ العَلِيِ العَظِيم، والسَّيْرِ علَى خُطَى رَسُولِه الكريمِ، يقولُ اللهُ تعالى في مُحكَمِ كِتابِه ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَد نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذ أَخرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثنَينِ إِذ هُمَا فِي ٱلغَارِ إِذ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحزَن إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُود لَّم تَرَوهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلعُليَا وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠﴾[1]

إخوةَ الإيمان، إنَّ كلامَنا اليَوْمَ عَنْ مُنَاسَبَةٍ مُهِمَّةٍ كَلامُنا عَنْ شَىْءٍ مِنْ سِيرَةِ الْمُصْطَفَى صَلَوَاتُ رَبِي وَسَلَامُهُ عليهِ كلامُنا عنِ الهجرةِ النبويةِ المباركةِ وإنَّ الدروسَ الْمُسْتَفَادَةَ مِنْ سِيرتِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ كَثيرَة، كيفَ لَا وَالكلامُ عَنْ سِيرَةِ أَفْضَلِ الناسِ وخيرِ النَّاسِ سيدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فسيدُنا محمدٌ إخوةَ الإيمانِ اصْطَفَاهُ اللهُ بالرِسالةِ وأمرَهُ بالتبليغِ والإِنْذَارِ فدعَا الناسَ إلَى دِينِ الإسلامِ دِينِ جَميعِ الأنبياءِ عليهِمُ السلامُ دِينِ التَّوحِيدِ، دعَا الناسَ إلَى عبادةِ اللهِ الوَاحِدِ الأحَدِ الذِي لا شريكَ له ولا شبيهَ له ولا مثيلَ ولا صاحبةَ له ولا وَلدَ ودعا الناسَ إلى العَدلِ إلى الإِحسانِ إلى مكارِمِ الأخلاقِ، دَعَا قومَه بِصَبْرٍ وَثَبَاتٍ مَعَ إيذائِهِمْ لَهُ وكَيْدِهِمْ لَه، رَمَوْا علَى ظَهْرِه سَلَى جَزُور[2] أَيْ كِيسَ وَلَدِ النَّاقَةِ وَصَبَرَ ولَمْ يَتَخَلَّ عنِ الدَّعْوَةِ إلَى اللهِ، ضُرِبَ بِالحجارَةِ وَصَبَرَ وَلَمْ يَتَخَلَّ عنِ الدعوةِ إلَى اللهِ، عُرِضَ عليهِ المالُ والجاهُ وَلَمْ يَتَخَلَّ عن دينِ اللهِ، هُدّدَ بالقَتْلِ فَلَمْ يَتَخَلَّ عَنِ الدَّعْوَة.

أيها الأحبةُ لقد ثبتَ حبيبُ اللهِ ثَبَاتًا يَتَضَاءَلُ أمامَه ثَبَاتُ الِجبالِ الرَّاسِياتِ، فَاتَّفَقَ المشركونَ على قَتْلِه وَجَمَعُوا مِنْ كُلِ قَبِيلَةٍ رَجُلًا جَلْدًا قَوِيًّا لِيَضْرِبُوهُ ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَتَفَرَّقَ دَمُهُ بينَ القَبَائِل، فأتَى جِبْرِيلُ عليهِ السلامُ وأَخْبَرَهُ بِكَيْدِ الْمُشْرِكِينَ وَأَمَرَهُ بِأَنْ لَا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ الذِي كانَ يَبِيتُ فِيهِ، فَدَعَا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي اللهُ عنه وأَمَرَهُ أن يَبيتَ على فِراشِه ويتَسَجَّى بِبُرْدٍ لَهُ أَخْضَرَ، ففعلَ، وأَمَرَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى كُلِّ ذِي حَقٍ حَقَّهُ، ثمَّ خرجَ صلّى الله عليه وسلّم مُتَوَكِّلًا على اللهِ والكفارُ على بابِه وهـو يقرأُ ﴿يس ١ وَٱلقُرءَانِ ٱلحَكِيمِ ٢﴾ إلَى قولِه تعالَى ﴿وَجَعَلنَا مِن بَينِ أَيدِيهِم سَدّا وَمِن خَلفِهِم سَدّا فَأَغشَينَٰهُم فَهُم لَا يُبصِرُونَ ٩﴾[3] فأَخَذَ اللهُ بأبصارِهم عن نَبِيِّهِ وجعلَ يَذُرُّ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ كانَتْ بِيَدِهِ عَلى رُؤُوسِهِم فَلَمْ يَرَوْا خُروجَهُ صلَّى الله عليه وسلم.

Continue reading الهجرةُ النبويةُ الشريفَةُ