Category Archives: تعاليم إسلامية

الصفاتُ الثلاثَ عَشْرَة

إنّ الحمدَ للهِ نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستهدِيهِ ونشكُرُه ونَستغفرُه ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا ، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلّ لهُ ومَن يُضلِلْ فلا هادِي لهُ. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ صَلَوَاتُ رَبِّي وسَلامُه عليهِ وَعَلَى كُلِّ رسولٍ أَرْسَلَهُ أَمَّا بعدُ إخوةَ الإِيمانِ أُوصِي نَفْسِيَ وإِيَّاكُمْ بتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ وأُحِبُّ أَنْ أُذَكِّرَكُمُ اليَوْمَ بِبِشَارَةٍ نَبَوِيَّةٍ بَشَّرَ بِهَا الرسولُ صلى الله عليه وسلم المؤمنينَ الصَّادِقينَ فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ في صَحيحِهِ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: “فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ على النَّارِ ـ أَيِ الدَّوامَ فيهَا لِلأَبَدِ ـ مَنْ قَالَ لا إلهَ إِلا اللهُ يَبْتَغِي بذلكَ وَجْهَ اللهِ” أي مُعْتَقِدًا في قَلْبِهِ يَبْتَغِي بذَلِكَ القُرْبَ إلَى اللهِ تعالَى لا مُنافِقًا ومُذْعِنًا بِمَعْنَاهُمَا ومَاتَ علَى ذلكَ فَإِنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يدخُلَ الجنَّةَ وإِنْ عُذِّبَ قبلَ ذَلكَ بِمعاصِيهِ إِنْ لَمْ يَعْفُ اللهُ عنهُ وَهَذَا مِنْ كَرَمِ اللهِ عَلَى عِبادِهِ وفَضْلِهِ وفِيهِ بَيانُ أَنَّ أَعْظَمَ حُقُوقِ اللهِ على عبادِهِ هو تَوحِيدُهُ تعالَى أَيْ تَرْكُ الإشْرَاكِ بهِ شيئًا وتَصْدِيقُ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وقد قالَ عليهِ السلامُ: “يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إلهَ إِلا اللهُ وفي قلبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمان” رواهُ البُخَارِيُّ، أَيْ أقلُّ الإِيمانِ فَمَا أعظَمَهَا مِنْ نِعْمَةٍ نِعْمَةُ الإيمانِ ومَا أهمَّها مِنْ كلمةٍ كلمةُ التوحيدِ فَهِيَ الكَلِمَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الكَافِرِ أَنْ يَقُولَها للدُّخولِ في الإيمانِ أي مَعَ اعتِقَادِ معنَاهَا فَمَا معنَى هذهِ الكلمَةِ إخوةَ الإيمان؟ ما معنَى شهادَةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ مِنْ حَيثُ الإجمالُ، معناها الاعتِرَافُ بِاللسانِ وَالاعتِقَادُ والإذْعانُ بالقَلْبِ أنْ لا مَعبودَ بحقٍّ إِلا اللهُ أَيْ لا أَحَدَ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ أَيْ أَنْ يُتَذَلَّلَ لَهُ نِهايَةُ التَّذَلُّلِ إلا اللهُ تعالَى هذَا معنَى هذهِ الكلمةِ الطيِّبَةِ التِي قالَ عنها النبيُّ صلى الله عليه وسلم: “أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لا إِله إِلا اللهُ” رواهُ الإمامُ مَالك في الموطَّإِ.

إخوةَ الإيمانِ هذهِ الكلمةُ كلمةُ التوحيدِ وإِنْ كانَتْ كلمَةً مُوجَزَةً من حيثُ اللفظُ إلا أَنَّها تتضَمَّنُ أُمورًا مُهِمَّةً لا بدَّ لكلِّ مُكَلَّفٍ أيِ البالِغِ العَاقِلِ الذِي بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الإسلامِ أَنْ يَتَعَلَّمَهَا مِنْهَا إِثْبَاتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ صِفَةً للهِ تعالَى تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا في القُرْءَانِ كَثِيرًا إِمَّا لَفْظًا أو معنًى وَذَكَرَهَا النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلم لأَصْحَابِهِ كثيرًا وَهِيَ شَرْطٌ لِلأُلُوهِيَّة، مَنْ أَنْكَرَ صِفَةً مِنْهَا لا يَكونُ مُسْلِمًا وَلا مُؤْمِنًا لِذَلِكَ قَالَ العُلماءُ في كُتبِهم بِوُجوبِ مَعْرِفَتِها وُجُوبًا عَيْنِيًّا علَى كُلِّ مكلفٍ فمَا هِيَ هَذِهِ الصِّفاتُ؟ قالَ الشيخُ أبو محمدِ بنُ عَاشِرٍ في كتابِهِ الْمُرْشِدِ الْمُعِينِ علَى الضَّرورِيِّ مِنْ عُلُومِ الدِّينِ:

Continue reading الصفاتُ الثلاثَ عَشْرَة

مجردُ الاستِغَاثةِ بغيرِ اللهِ ليسَ شِرْكًا

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونشكرُه ونستغفرُه ونتوبُ إليه، ونعوذُ باللهِ ِمنْ شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلـهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ ولا مِثْلَ وَلا نِدَّ لَهُ، ولا حَدَّ ولا جُثَّةَ وَلا أَعضاءَ لَه، أَحَدٌ صمدٌ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد، وأشهدُ أنَّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وَقُرَّةَ أَعْيُنِنا مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه مَنْ بعثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هاديًا ومبشّرًا. اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ على سيِّدِنا محمدٍ الدَّاعِي إلَى الخيرِ وَالرَّشاد، الذِي سَنَّ لِلأُمَّةِ طريقَ الفَلاح، وبيَّنَ لَهَا سُبُلَ النَّجاح، وعلَى ءَالِهِ وَصَفْوَةِ الأَصْحَابِ.

أما بعدُ عبادَ اللهِ فَإِنِّي أُوصيكُمْ ونفسِي بِتَقْوَى اللهِ فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ بِاتِّباعِ شَرْعِ نَبِيِّهِ بِالعَمَلِ بِمَا جَاءَ بهِ صلى الله عليه وسلم وسارِعُوا في الطَّاعاتِ قبلَ انْقِضَاءِ الأَجَلِ لِنَيْلِ الحسَنَاتِ لِتَثْقُلَ مَوازِينُكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ فقد قالَ ربُّنا تبارك وتعالى {فَأَمَّا مَن ثَقُلَت مَوَٰزِينُهُۥ ٦ فَهُوَ فِي عِيشَة رَّاضِيَة ٧ وَأَمَّا مَن خَفَّت مَوَٰزِينُهُۥ ٨ فَأُمُّهُۥ هَاوِيَة ٩}[1].

وروى الترمذيُّ في سُنَنِه عن أبِي هُريرَةَ رضي الله عنه عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إِذَا ماتَ ابْنُ ءادَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ وعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بهِ وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ اﻫ ومعنَى قولِه صلى الله عليه وسلم انْقَطَعَ عمَلُهُ أنَّ العَمَلَ التَّكليفِيَّ الذِي يَتَرَتَّبُ عليهِ الثَّوابُ انْقَطَعَ بِموتِ ابْنِ ءادَمَ إلا مِنْ هذهِ الثَّلاثِ التِي هِيَ بِسَبَبِه. فَمَنْ تَرَكَ عِلْمًا يُنْتَفَعُ بهِ يتَجَدَّدُ لِهذَا الميِتِ الثَّوابُ بِقَدْرِ الانْتِفَاعِ بِهذَا العِلْمِ الذِي خَلَّفَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لأنهُ كانَ سَبَبًا في هذَا النَّفْعِ. وَإِنْ تَرَكَ صَدَقَةً جَارِيَةً كأَنْ بَنَى مَسْجِدًا أَوْ مَدْرَسَةً لِيُتَعَلَّمَ فيهَا العُلومُ النَّافِعَةُ أو نحوَ ذلك فإنهُ يتجدَّدُ لهذَا الميّتِ الثَّوابُ كلَّمَا انْتُفِعَ بِمَا فَعَلَهُ لِكَوْنِهِ بِسَبَبِه. وَإِنْ دَعَا لَهُ وَلَدُه الصَّالِحُ بِدُعَاءٍ أَوْ بِإِهْدَاءِ ثَوَابِ قِراءَتِهِ لِلْقُرْءَانِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَتَجَدَّدُ لِهذَا الميّتِ ثَوابٌ لَمّا كانَ صلاحُ وَلَدِهِ بِسَبَبِ تَأْدِيبِه لَهُ وتَعْلِيمِهِ لِيَكونَ صَالِحًا. فَنَبَّهَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُمَّتَهُ بأَنَّ العَمَلَ الذِي يَحْصُلُ لَهُمْ بهِ الثَّوَابُ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِمْ فَلْيُبَادِرُوا إلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قبلَ الموت. وليسَ في هَذَا الحديثِ مَا ادَّعَاهُ البعضُ مِنْ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ ماتَ فَلا عَمَلَ لَهُ بعدَ مَوْتِهِ وَلا يَنْفَعُ غَيْرَهُ فَلا يَجوزُ أَنْ يُنَادَى بَعْدَ مَوْتِهِ بِقَوْلِ يَا محمدُ أَوْ يَا َرسولَ اللهِ بَلِ ادَّعَوْا أَنَّ ذلكَ شِرْكٌ يُخْرِجُ مِنَ الإِسلامِ وقولُهُمْ هذَا خِلَافا لِمَا عليه المسلمونَ من سلفٍ وخلفٍ ويستدلون لدعواهُمْ هَذِهِ بِحَدِيثِ “إِذَا ماتَ ابْنُ ءادَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ” وليس في الحديثِ دَليلٌ علَى مَا زَعَمُوا بَلْ مَعْنَى الحديثِ كمَا بَيَّنَّا أنَّ العملَ التَّكليفِيَّ أيِ العَمَلَ الذِي يُثابُ عليهِ الشخصُ هو الذِي يَنْقَطِعُ لا أَنَّ الميّتَ يكونُ كَالخشَبَةِ بعدَ الدَّفْنِ لا يُحِسُّ شيئًا ولا يَسْمَعُ شيئًا وَلا يَقُولُ شَيئًا، كيفَ وقَدْ ثَبَتَ عندَ ابنِ مَاجَهْ وغيرِهِ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حيٌّ في قَبْرِه وأنَّهُ تُعْرَضُ عليهِ أَعْمَالُ أُمَّتِهِ فَإِنْ رَأَى خَيْرًا حَمِدَ اللهَ عليهِ وَإِنْ رأَى غيرَ ذلكَ اسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وثَبَتَ أيضًا أَنَّه يَرُدُّ السلامَ على مَنْ سَلَّمَ عليهِ عندَ قبرِه وَيُبَلَّغُ سَلامَ مِنْ سَلَّمَ عليهِ نَائِيًا عَنْ بُعد. وقَدْ نَفَعَ سيدُنا موسى عليه السلامُ أُمَّةَ محمدٍ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بِأَنْ أَرْشَدَ سيّدَنا محمدًا ليلةَ المِعْرَاجِ إلى سُؤالِ اللهِ تَخْفِيفَ الصَّلواتِ المفروضَةِ مِنْ خَمْسِينَ صَلاةً حتّى صارَتْ خَمْسًا في كُلّ يَوْمٍ وليلَة، وفي هذَا دَلِيلٌ واضِحٌ على أنَّ الميّتَ يَنْفَعُ بعدَ الموتِ بِإِذْنِ اللهِ تبَارَكَ وتعالَى.

Continue reading مجردُ الاستِغَاثةِ بغيرِ اللهِ ليسَ شِرْكًا

الحث على طلب العلم وبيان الفرض العيني من علم الدين

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهدِيهِ ونشكرُهُ ونستغفِرُهُ ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لَهُ. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شرِيكَ لهُ ولا مثيلَ لهُ ولا جهةَ لهُ ولا فوْق ولا تحت ولا يمينَ ولا شِمالَ ولا أمامَ ولا خلفَ لهُ، أشهدُ أنَّ اللهَ على كلِّ شىءٍ قديرٌ وأنّهُ قدْ أحاطَ بكلِّ شىءٍ عِلمًا. وأشهدُ أنّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرَّةَ أعيُنِنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفيُّهُ وحبيبُهُ، بلّغَ الرِّسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصحَ الأمّةَ فجزاهُ اللهُ عنّا خيرَ ما جزى نبيًّا من أنبيائهِ. اللهمّ صلِّ على سيِّدنا محمّدٍ صلاةً تقضي بها حاجاتِنا وتفرِّجُ بها كُرُباتِنا وتكفِيْنا بها شرَّ أعدائنا وسلِّمْ عليهِ وعلى ءالِهِ وإخوانِه النّبيِّينَ والمرسلينَ سلامًا كثيرًا.

أما بعدُ، فيقولُ ربُّ العزة في محكمِ التّنْزيلِ ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلتَنظُر نَفس مَّا قَدَّمَت لِغَد وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُ بِمَا تَعمَلُونَ ١٨﴾[1]. فاتّقوا اللهَ عبادَ اللهِ، اتّقوا اللهَ العزيزَ الحكيمَ القَوِيَّ الْمَتِينَ وَتَمَسَّكُوا بِكِتَابِ اللهِ العظيمِ الذي جاءَ فيهِ ﴿يَرفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُم وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلعِلمَ دَرَجَٰت وَٱللَّهُ بِمَا تَعمَلُونَ خَبِير ١١﴾ الآية[2].

إخوةَ الإِيمانِ، لَقَدْ رَفَعَ اللهُ تَعَالَى دَرَجَةَ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِفَضْلِ العِلْمِ وَشَرَفِهِ فَعِلْمُ الدِّينِ هُوَ حَيَاةُ الإسلامِ، وعلمُ الدّينِ عَلَى قِسْمَيْنِ، قِسْمٌ يَجِبُ علَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِعَيْنِهِ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ وَقِسْمٌ إذَا قَامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ الإِثْمُ عنِ البَاقِينَ، فَالثَّانِي هُوَ الفَرْضُ الكِفَائِيُّ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ بِحَيْثُ تَحْصُلُ الكِفَايَةُ، أَمَّا القِسْمُ الأَوَّلُ فَهُوَ الفَرْضُ العَيْنِيُّ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم “طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ” أَيْ وَمُسْلِمَةٍ رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ وَحَسَّنَهُ الحَافِظُ المزِّيُّ.

وهذَا القِسْمُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا لِأَقْسَامٍ فَمِنْهُ ضَرُورِيَّاتٌ فِي الاعتِقَادِ أَيْ مَا لَا يَجُوزُ علَى الْمُكَلَّفِ جَهْلُهُ مِنَ الأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالعَقِيدَةِ الإِسْلَامِيَّةِ كَتَنْزِيهِ اللهِ عَنِ الجِسْمِيَّةِ وَالشَّكْلِ وَاللَّونِ وَالْجِهَةِ وَالْمَكَانِ وَغَيرِ ذلكَ مِنْ أَوْصَافِ الْمَخْلُوقينَ وَكَمَعْرِفَةِ أَنَّ اللهَ أَرْسَلَ الأَنْبِيَاءَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ مَا فِيهِ فَوْزُهُمْ وَسَعَادَتُهُمْ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَنَّهُ أَيَّدَهُمْ بِالْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ علَى نُبُوَّتِهِمْ وَحَفِظَهُمْ مِنَ الكُفْرِ وَالكَبَائِرِ وَكُلِّ الخَسَائِسِ.

Continue reading الحث على طلب العلم وبيان الفرض العيني من علم الدين

قبضُ الرُّوحِ وسُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٍ وَنَكِير

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهديهِ ونشكرُه ونعوذُ باللهِ ِمنْ شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهْدِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ. وأشهدُ أن لا إلـهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ ولا مَثِيلَ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ لَهُ. وأشهدُ أنَّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وَقُرَّةَ أَعْيُنِنا مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه مَنْ بعثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هاديًا ومبشّرًا ونذيرًا بلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونصحَ الأُمَّةَ فجزاهُ اللهُ عنَّا خيرَ ما جَزى نبيًّا مِنْ أنبيائهِ. اللهُمَّ صَلِّ على سَيِّدِنا مَحمَّدٍ وعلَى جميعِ إِخْوَانِهِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ.

عبادَ اللهِ أُوصِي نَفْسِي وأُوصيكُم بتقوى الله العليِّ القديرِ القَائلِ في مُحكمِ كتابِه ﴿كُلُّ نَفس ذَائِقَةُ ٱلمَوتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّونَ أُجُورَكُم يَومَ ٱلقِيَٰمَةِ فَمَن زُحزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدخِلَ ٱلجَنَّةَ فَقَد فَازَ وَمَا ٱلحَيَوٰةُ ٱلدُّنيَا إِلَّا مَتَٰعُ ٱلغُرُورِ ١٨٥﴾[1].

إِخْوانِي تَفَكَّروا فِي الْحَشْرِ وَالْمَعَادِ، وَتَذَكَّرُوا حِينَ يَقُومُ الأَشْهَادُ فَإِنَّ فِي القِيامَةِ لَحَسَرَات، وَإِنَّ فِي الْحَشْرِ لَزَفَرَات وَإِنَّ عندَ الصِّراطِ لَعَثَرَات وإِنَّ عندَ الميزَانِ لَعَبَرَات وَإِنَّ الظُّلمَ يَومَئِذٍ ظُلُمَاتٌ والكُتبُ تَحوِي حَتَّى النَّظَرَات وَإِنَّ الحسرَةَ والنَّدَمَ علَى السَّيِّئاتِ والفَرحةَ والسُّرورَ علَى الحسنَات، فَريقٌ فِي الجنَّةِ يَرْتَقُونَ الدَّرجات، وفريقٌ فِي السَّعيرِ يَهْبِطُونَ الدَّرَكَات، ومَا بَيْنَكَ وبينَ هَذَا إِلا أَنْ يُقالَ فُلانٌ مَات، نَعَمْ أَيُّها الأحبَّة، فُلان مات كلمةٌ يُرَدِّدُها كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ وَيَسْمَعُهَا كَثِيرٌ لَكنَّ السؤالَ لِمَنْ سَمِعَهَا هَلْ فَكَّرَ وَاعْتَبَر وَلِنَفْسِهِ حَاسَبَ وَلِتَقْصِيرِهِ جَبَر وسَأَلَ نفسَهُ مَاذا حَضَّر إذا قيلَ يومًا عنهُ فُلان مات.

أَيُّها الأَحِبَّةُ قالَ اللهُ عزَّ وَجَلَّ ﴿قُل يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلمَوتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُم ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم تُرجَعُونَ ١١﴾[2] مَلَكُ الْمَوْتِ بِإِجْمَاعِ الأُمَّةِ هُو سيِّدُنا عَزْرَائِيلُ عليهِ السلامُ وَهُوَ ملَكٌ كَرِيمٌ علَى اللهِ كَسَائِرِ الملائكةِ مُوَكَّلٌ بِقَبْضِ الأَرْوَاحِ فَإِذَا قَبَضَ نَفْسَ المؤمِنِ دَفَعَهَا إلَى ملائِكَةِ الرَّحْمَةِ فَيُبَشِّرونَها بِالثَّوابِ وَبِرَحْمَةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ وَإذَا قَبَضَ نَفْسَ الكَافِرِ دفَعَها إلَى مَلائِكَةِ العَذَابِ فَيُبَشِّرونَها بِالْعذَابِ وَبِسَخَطِ اللهِ وَعِقَابِه، فَلا يَتْرُكونَ الرُّوحَ فِي يَدِ سيدِنا عزرائيلَ بعدَمَا يَقْبِضُهَا طَرْفَهَ عَيْنٍ، بَلْ يَذْهَبُونَ بِهَا إلَى السماءِ إِنْ كانَتِ الرُّوحُ لِمُؤْمِنٍ تَقِيٍّ، وَإِلَى الأَرْضِ السابِعَةِ إِنْ كَانَتْ لِكَافِرٍ شَقِىٍّ.

فإِذَا وُضِعَ الميِّتُ علَى النَّعْشِ وحَمَلَهُ الناسُ إلَى القَبْرِ رَجَعَتِ الملائكَةُ بالرُّوحِ تَحْمِلُهَا وتَمْشِي بِها مَعَ الجِنَازَةِ فإِنْ كانَتْ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ قالَ كمَا وَرَدَ في الحدِيثِ[3] قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي وإِنْ كَانَتْ للرجلِ السُّوءِ وفِي روايةٍ الكَافِرِ قَالَ يَا وَيْلِي أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي لكن لا يَسْمَعُ ذَلكَ الإِنسانُ وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ اهـ كَما روَى النَّسائِيُّ وغيرُه.

ثم يُوضَعُ الميِّتُ إخوَةَ الإيمانِ في قَبْرِهِ ويَتْرُكُهُ الوَلَدُ والمالُ والأَهْلُ وَالخِلّان ولا يَبْقَى مَعَهُ إلا العَمَلُ.

Continue reading قبضُ الرُّوحِ وسُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٍ وَنَكِير