Category Archives: تعاليم إسلامية

عثمانُ بنُ عَفَّانَ رضي الله عنه ثالثُ الخلفاءِ الرَّاشِدين

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكُرُهُ ونستغفِرُهُ ونتوبُ إليهِ ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنْفُسِنا ومِنْ سَيّئاتِ أعمالِنا مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِىَ لهُ وأشهدُ أن لا إله إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ولا شبيه   ولا مثيل ولا ضد ولا ند له وأشهدُ أنّ سَيّدَنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمّدًا عبدُه ورسولُهُ وصفيُّهُ وحبيبُهُ مَنْ بعثَهُ اللهُ رحمةً للعالمين هادِيًا ومُبشرًا ونذيرًا. اللهم صلّ وسلّمْ على سيدنا محمدٍ وعلَى ءالِه الطيبينَ وأصحابِهِ الميامِين حُماةِ الحقّ والدّين.

أما بعد عبادَ اللهِ فَإِنِّي أوصيكم ونَفْسِيَ بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ القائلِ في مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَال صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلا ٢٣﴾[1] وقالَ رسولُ صلى الله عليه وسلم فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذ[2] اهـ

إِنَّ الخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ كانوا مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ العِلْمِ الذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ. وَأَفْضَلُهُمْ الخُلَفَاءُ الأَرْبَعَةُ أَبُو بكرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ. وَمُدَّةُ خِلافَتِهِمْ كَانَتْ نَحْوًا مِنْ ثَلاثِينَ سَنَة. وحَدِيثُنا اليَوْمَ عَنْ أميرِ المؤمنينَ عثمانَ بنِ عَفَّانَ رضي الله عنه. هو أبو عبدِ اللهِ عثمانُ بنُ عفانَ بنِ أَبِي العَاصِ بنِ أُمَيَّةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ منافِ بنِ قُصَيٍّ القُرَشِيُّ وَأُمُّهُ أَرْوَىَ بِنْتُ كُرَيْز. لُقِّبَ رضي الله عنه بِذِي النُّورَيْنِ لِأَنَّهُ تزوجَ بِنْتَيْ سَيِّدِ الكَوْنَيْنِ رُقَيَّةَ ثُمَّ أُمَّ كُلثوم بعدَ وفاةِ أُخْتِهَا وكان رضيَ الله عنه رَبْعَةً لَيْسَ بِالقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ حَسَنَ الوَجْهِ أَبْيَضَ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍكَثَّ اللحْيَةِ طَوِيلَ الذِّرَاعَيْنِ شَعَرُهُ كَسَا ذِرَاعَيْهِ قَدْ شَدَّ أَسْنَانَهُ بِالذَّهَبِ.

وُلدَ في السنةِ السادسةِ منَ الفيلِ وَقَدْ أَسْلَمَ قديمًا على يدِ أبي بكرِ رضي الله فهو مِنَ السابقينَ الأولينَ هاجرَ الهجرتينِ الأولى مِنْ مَكَّةَ إلى الحَبَشَةِ والثانِيَة مِنْ مَكَّةَ إلَى المدِينَةِ. وشَهِدَ المشاهِدَ كُلَّهَا معَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلَّا بَدْرًا لأنَّ زَوْجَتَهُ رُقَيَّةَ كانَتْ مَرِيضَةً فأَمَرَهُ صلى الله عليه وسلم أن يُقِيمَ بِالْمَدِينَةِ لِيُمَرِّضَهَا وَقَدْ عَدَّهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ. بُويِعَ لَهُ بِالخِلافَةِ بعدَ دَفْنِ عمرَ بنِ الخطابِ رضيَ اللهُ عنه بثلاثِ لَيَال. وفي عَهْدِه دَخَلَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي الإِسْلامِ وَللهِ الحَمْد.

وأما فضائلهُ ومَآثِرُه رضيَ الله عنه فهيَ كثيرةٌ جِدًّا وَمِنْهَا أَنهُ سنةَ ثَلاثِينَ خَافَ أَنْ يَقَعَ اخْتِلَافٌ في القُرْءَانِ فَجَمَعَ الصَّحابةَ وَنَسَخُوا أَرْبَعَةَ مَصَاحِفَ أَوْ خَمْسَةً مِنَ الْمُصْحَفِ الذِي كانَ قَدْ جَمَعَهُ أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه ثم بَعَثَ إلى كُلِّ أفُقِ مِنَ الآفاقِ بِمُصْحَفٍ يَكُونُ مَرْجِعًا وَعُمْدَةً يعتمدونَ عليهِ فَلَمْ يَقَعْ وَللهِ الحمدُ خِلَافٌ فِي القُرْءَانِ أبدا.

وأما زهدُه في الدنيا وإنفاقُهُ المالَ في سبيلِ اللهِ فَقَدْ رَوَى الترمذيُّ في سُنَنِهِ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم خَطَبَ النَّاسَ فحثَّ على الإِنْفَاقِ في سَبِيلِ اللهِ فَقَالَ عُثْمَانُ عَلَيَّ مِائَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلاَسِهَا وَأَقْتَابِهَا أي ما يوضع على ظُهُورها مِنْ كِسَاءٍ وَرَحْلٍ للركوبِ في سبيلِ اللهِ ثُمَّ حَثَّ أي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عُثْمَانُ عَلَيَّ مِائَتَا بَعِيرٍ بِأَحْلاَسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ حَثَّ عَلَيه الصلاةُ والسلامُ فَقَالَ عُثْمَانُ عَلَيَّ ثَلاَثُمِائَةِ بَعِيرٍ بِأَحْلاَسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللهِ قال الرَّاوِي فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْزِلُ عَنِ الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ اهـ وقالَ شُرَحْبِيلُ بنُ مُسلمٍ كانَ عُثْمَان ُرضي اللهُ عنهُ يُطْعِمُ النَّاسَ طَعامَ الإِمَارَةِ وَيَدْخُلُ بَيْتَهُ فَيَأْكُلُ الخَلَّ وَالزَّيْتَ.[3]

Continue reading عثمانُ بنُ عَفَّانَ رضي الله عنه ثالثُ الخلفاءِ الرَّاشِدين

عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضِي الله عنْه ثَاني الخلفَاءِ الرَّاشِدِين

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ الحمدُ للهِ الذي قَيَّضَ للخلق رجالًا حفظوا عليهم الدين، وأظهر مناقبَهم نُصرةً لهذا الدين، وأشهدُ أن لا إله إلّا اللهُ وحده لا شريكَ له وأشهدُ أن سيدَنا ونَبِيَّنَا مُحمَّدًا عبدُه ورَسُولُهُ إلى جميعِ الخلق رَحْمَةً لِلْعَالَمِين. اللهمَّ صلِّ وسَلِّمْ على سيدِنا محمدٍ الأمينِ وعلى ءالِهِ وصَحْبِهِ والتَّابِعِينَ لهم بِإِحْسَانٍ إلى يومِ الدين.
أما بعدُ عِبَادَ اللهِ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ العظيمِ والثَّبَاتِ على هَدْيِ نَبِيِّهِ الكريمِ. يقولُ اللهُ تعالى ﴿مِّنَ ٱلمُؤمِنِينَ رِجَال صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَّن قَضَىٰ نَحبَهُۥ وَمِنهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبدِيلا ٢٣﴾[1].
إِنَّ أفضَلَ هذهِ الأُمَّةِ بعدَ نَبِيِّها الخُلفَاءُ الرَّاشِدُونَ الأربعةُ أبو بَكرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ. وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِمْ نَحْوًا مِنْ ثَلاثِينَ سَنَةً. وحدِيثُنا اليومَ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه ثاني الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ وأفْضَلِ هذِهِ الأُمَّةِ بعدَ نَبِيِّها صلى الله عليه وسلم وَبعْدَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنه. ومُدَّةُ خِلافَتِهِ عَشْرُ سِنِينَ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ تَقْرِيبًا فَقَدْ وَلِيَ الخِلَافَةَ بعدَ وفاةِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه سنةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ مِنَ الهِجْرَةِ.
هو أميرُ المؤمنينَ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بنُ الخطابِ بنِ نُفَيْلِ بنِ عَبْدِ العُزَّى ابنِ رِيَاحٍ القُرَشِيُّ وَأُمُّهُ حَنْتَمَةُ بِنْتُ هَاشِمٍ، لَقَّبَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالفاروقِ لأَنَّهُ يَفْرُقُ بَيْنَ الحَقِّ والبَاطِلِ فَقَدْ قَالَ صلَّى الله عليه وسلم إِنَّ اللهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِه[2] اهـ وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللهَ أَجْرَى الحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ. وُلِدَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بعدَ عَامِ الفِيلِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وأَسْلَمَ بعدَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَإِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً. كانَ طَوِيلًا كَأَنَّهُ عَلَى دَابَّةٍ أَصْلَعَ الرَّأْسِ أَبْيَضَ اللونِ تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ كَثَّ اللحيةِ أَيْ كَثِيفَها خَفِيفَ شَعَرِ العَارِضَيْنِ مُتَواضِعًا زَاهِدًا وَرِعًا مُتَقَشِّفًا.

وَلِيَ عُمَرُ الخِلَافَةَ بِعَهْدٍ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وَقَامَ بِأَمْرِ الخِلَافَةِ بِالصِّدْقِ والعَدْلِ وَحُسْنِ التَّدْبِيرِ والسِّياسَةِ لا يَخَافُ في اللهِ لوْمَةَ لَائِمٍ. وَهُوَ مَعَ حَزْمِهِ كَانَ مُتَواضِعًا فَيُرْوَى أَنَّهُ حَمَلَ الدَّقِيقَ وَالطَّعَامَ عَلَىَ ظَهْرِهِ إلَى الأَيْتَامِ الذِينَ عَلِمَ بِحالِهِمْ مِنَ الفَاقَةِ وَالشِّدَّةِ. وَرَاجَعَتْهُ امْرَأَةٌ فِي مَنْعِهِ الزِّيادَةَ في مُهورِ النِّساءِ عمَّا سَاقَهُ النَّبِيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أَوْ سِيقَ إِلَيْهِ فِي بَنَاتِه فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِعُمَرَ لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللهَ تعالَى يَقُولُ ﴿وَءَاتَيتُم إِحدَىٰهُنَّ قِنطَارا فَلَا تَأخُذُواْ مِنهُ شَي‍ًا﴾[3] فَرَجَعَ سيدُنَا عُمَرُ إلَى الْمِنْبَرِ وَبَيَّنَ لِلنَّاسِ خَطَأَهُ وَتَرَاجُعَهُ عَمَّا قَالَ فَقَالَ أَصَابَتِ امْرَأَةٌ وَأَخْطَأَ عُمَر. رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وفي سنةِ سَبْعَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ تَوَجَّهَ أَمِيرُ المؤمنينَ مُعْتَمِرًا وَأَقَامَ بِمَكَّةَ عِشْرِينَ يَوْمًا وَفِيهَا وَسَّعَ الْمَسْجِدَ الحَرَامَ جَزَاهُ اللهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا. وَفِي هذهِ السنةِ تَزَوَّجَ أميرُ المؤمنينَ عمرُ بنُ الخطابِ بِأُمِّ كُلثومٍ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالبٍ وكانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَدْ أَرْسَلَ إليهِ بِابْنَتِه أُمِّ كُلثومٍ في حَاجَةٍ إلَى عُمَرَ ثم سَأَلَهُ إِنْ أَعْجَبَتْهُ لِيُزَوِّجَهَا إِيَّاهُ فَقَبِلَ عُمَرُ وهذا يَدُلُّ علَى شِدَّةِ حُبِّ عليٍّ لعُمَرَ وَتَوْقِيرِه وَحِرْصِ عُمَرَ علَى التَّشَرُّفِ بِأَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَمُصَاهَرَةِ عَلِيٍّ فَرَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا مَا كانَ أَخْلَصَ حُبَّهُمَا فِي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

Continue reading عُمرُ بنُ الخطَّابِ رضِي الله عنْه ثَاني الخلفَاءِ الرَّاشِدِين

أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيق رَضِي الله عَنهُ أَولُ الخلَفَاءِ الرَّاشِدِين (مختصرة)

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ الحمدُ للهِ الذي خَلَقَنَا وأمرَنَا بعِبَادَتِهِ وطَاعَتِهِ. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له وأشهدُ أن سيدَنا ونَبِيَّنَا وعظيمَنا مُحمَّدًا عبدُه ورَسُولُهُ وصَفِيُّهُ وخليلُهُ، مَنْ أَرْسَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين. اللهمَّ صلِّ وسَلِّمْ على سيدِنا محمدٍ الأمينِ وعلى ءالِهِ وصَحْبِهِ والتَّابِعِينَ لهم بِإِحْسَانٍ إلى يومِ الدين.
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسِي بِتَقْوَى اللهِ العَظِيمِ وَالثَّبَاتِ على هَدْيِ نَبِيِّهِ الكريمِ.
يقول اللهُ تعالى ﴿مِّنَ ٱلمُؤمِنِينَ رِجَال صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَّن قَضَىٰ نَحبَهُۥ وَمِنهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبدِيلا ٢٣﴾[1].
أما بعدُ عبادَ اللهِ فَاعْلَمُوا أَنَّ الخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ العِلْمِ الذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَأَفْضَلُهُمْ الخُلَفَاءُ الأَرْبَعَةُ أَبُو بكرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ. وَمُدَّةُ خِلافَتِهِمْ كَانَتْ نَحْوًا مِنْ ثَلاثِينَ سَنَة. وحَدِيثُنا اليَوْمَ عَنْ أَبِي بكرٍ الصِّديقِ رضي اللهُ عنه أَوَّلِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَأَفْضَلِ هذهِ الأمَّةِ بعدَ نَبِيِّها صلى الله عليه وسلم.

هُوَ أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه مَعْدِنُ الهُدَى وَالتَّصْدِيقِ واسمُهُ عَبْدُ اللهِ ابنُ عُثْمَانَ مِنْ قَبِيلَةِ قُرَيْش. وُلِدَ بعدَ الفِيلِ بِنَحْوِ ثَلاثِ سِنينَ كَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ مُحَبَّبًا فِيهِمْ مَأْلَفًا لَهُم. كَانَ أَبْيَضَ اللونِ نَحِيفَ الجِسْمِ خَفِيفَ العَارِضَيْنِ نَاتِئَ الجَبْهَةِ أَجْوَدَ الصَّحَابَةِ. وَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ سَبَقَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ وَكانَ عُمُرُه سَبْعًا وَثَلاثِينَ سَنَةً وَعَاشَ فِي الإِسلَامِ سِتًّا وَعِشْريِنَ سَنَةً. وَهُوَ أَوَّلُ خَلِيفَةٍ كانَ فِي الإِسلامِ وَأَوَّلُ مَنْ حَجَّ أَمِيرًا فِي الإِسلامِ فَإِنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فتَحَ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَيَّرَ أَبَا بَكْرٍ يَحُجُّ بِالنَّاسِ أَمِيرًا سَنَةَ تِسْعٍ.

وهاجَرَ أَبُو بَكْرٍ الصديقُ معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وصَحِبَهُ في الغَارِ وَءَانَسَهُ فِيهِ وَوَقَاهُ بِنَفْسِه. فعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ لأَبِي بَكْرٍ أَنْتَ أَخِي وَصَاحِبِي فِي الغَار[2] اهـ وَقَدْ كَانَ أبُو بكرٍ يَسْتَأْذِنُهُ في الخُروجِ فَيَقُولُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لا تَعْجَلْ لَعَلَّ اللهَ يَجْعَلُ لَكَ صَاحِبًا فَلَمَّا كانَتِ الهجرةُ جاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى أَبِي بَكرٍ وهو نائمٌ فَأَيْقَظَهُ فقالَ لَهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُذِنَ لي فِي الخُرُوجِ قالَتْ عائِشَةُ رضي الله عنها فَلَقَدْ رَأَيْتُ أبَا بَكْرٍ يَبْكِي فرَحًا[3] اهـ

Continue reading أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيق رَضِي الله عَنهُ أَولُ الخلَفَاءِ الرَّاشِدِين (مختصرة)

التّوكُّلُ على اللهِ والتّحذيرُ مِنَ الكَهَنَةِ والعَرّافِين

إنَّ الحمدَ للهِ نَحْمَدُهُ ونَستعينُهُ ونَستَهْدِيهِ ونستغفِرُهُ ونَشْكُرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومِنْ سَيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ولا مثيلَ لهُ ولا شبيهَ لهُ ولا صورةَ ولا أعضاءَ ولا جُثّةَ ولا جسمَ ولا مكانَ لهُ، خلقَ العالَمَ وهو غنيٌّ عنِ العالمينَ، خلقَ العرشَ إظهارًا لقدرتِهِ ولَمْ يَتّخِذْهُ مَكانًا لذاتِهِ، جَلّ ربِّي فهو الواحدُ القهّارُ. وأشهدُ أنّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرّةَ أعينِنا محمّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه اللهم صلّ على سيدِنا محمدٍ صلاةً تقضي بها حاجَاتنا وتفرِّج بها كُرُباتِنا وسلِّمْ عليه وعلى ءالِهِ وأصحابِهِ تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ، فإني أوصيكُمْ ونفسي بتقوى اللهِ العليِّ القديرِ القائلِ في مُحكَمِ كتابِهِ ﴿ٱللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ ٱلمُؤمِنُونَ ١٣﴾[1]

إخوةَ الإيمانِ، مِنَ الواجباتِ القلبيّةِ التوَكّلُ على اللهِ وهو الاعتمادُ عليه تعالى، فيجبُ على العبدِ أنْ يكونَ اعتمادُهُ على اللهِ لأنهُ خالقُ كلِّ شىءٍ مِنَ المنافعِ والمضارِّ وسائرِ ما يدخلُ في الوجودِ، فلا ضارَّ ولا نافعَ على الحقيقةِ إلا اللهُ، فإذا اعتقدَ العبدُ ذلكَ وَوَطّنَ قلـبَهُ عليهِ كانَ اعتمادُهُ على اللهِ في أمورِ الرّزقِ والسلامةِ من المضارِّ.

فالتوكُّلُ هو ثِقَةُ القلبِ باللهِ. وقالَ الجنَيْدُ البغداديُّ رضي اللهُ عنهُ التوكُّلُ هُوَ تَرْكُ الاعتِمادِ الحقيقِيِّ على غيرِ اللهِ اﻫ

فمَنْ توكّلَ على اللهِ تجنّبَ أنْ يلجأَ إلى ما حرّمَ اللهُ منَ العَمَلِ بالسحرِ وإتيانِ العرّافينَ والمنجِّمينَ، فقد قالَ حبيبُنا محمّدٌ صلواتُ ربِّي وسلامُهُ عليهِ من أتى كاهنًا أو عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يقولُ فقدْ كفرَ بما أُنزِلَ على محمّدٍ اﻫ رواه الحاكم.

فالكاهنُ هو مَنْ يتعاطى الإخبارَ عمّا يقعُ في المستقبلِ كالذين لهم أصحابٌ من الجنِّ يأتونَهم بالأخبارِ فيعتمدونَ على أخبارِهِمْ فيحدّثونَ الناسَ بأنهُ سيحصلُ كذا.

والعرّافُ هو من يتحدّثُ عن الماضي من المسروقِ ونحوِهِ.

فمنْ ذهبَ إلى عرّافٍ أو كاهِنٍ واعتقدَ أنهُ يَطَّلِعُ على الغَيْبِ فقدْ كَفَرَ باللهِ ورسولِهِ لأنه لا يعلمُ الغيبَ أحدٌ إلا اللهُ، قال تعالى ﴿قُل لَّا يَعلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِ ٱلغَيبَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾[2] وليسَ الْمُرَادُ مَنْ يَظُنُّ أنّه قَدْ يُوافِقُ الواقِعَ وقد لا يوافقُ الواقِعَ فإنّه لا يَكْفُرُ بل يكونُ عَاصِيًا بسُؤَالِه إيّاهم.

وليُعلَمْ أنّ مِنَ الجنِّ أحيانًا مَن يسْترِقونَ السّمْعَ مِنَ الملائكةِ الموكّلينَ بإنزالِ المطرِ وهم في الغَمامِ يصعدُ الجنُّ إلى مكانٍ قريبٍ منْ هذا الغَمامِ والملائكةُ يتحدّثونَ فيما بينَهم بما يصيرُ هذا العامَ في أرضِ كذا ومِنَ الحوادثِ كذا وكذا كموتِ شخصٍ أو ولادةِ مولودٍ أو أنْ يتولّى شخصٌ الرئاسةَ أو أن يُعزَلَ عنِ الرئاسةِ ونحوِ ذلك مِمّا أطْلَعَ اللهُ الملائكةَ عليه لأنّ اللهَ يُطلِعُ الملائكةَ والأنبياءَ والأولياءَ على شىءٍ من الغيبِ ولا يُطلِعُهُمْ على الغيبِ كُلِّهِ. فبعدَ أنْ يسترِقَ هؤلاءِ الجنُّ السمعَ مِنَ الملائكةِ ينْزِلونَ على الأرضِ ويُخبِرونَ هؤلاءِ الذينَ لَهُمْ معَهمْ صُحبَةٌ مِنَ البشرِ.

Continue reading التّوكُّلُ على اللهِ والتّحذيرُ مِنَ الكَهَنَةِ والعَرّافِين