Category Archives: تعاليم إسلامية

الجنةُ الإيمان بِها ونعيمها

إنَّ الحمدَ للهِ نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستهدِيهِ ونشكُرُه ونَستغفرُه ونتوبُ إليهِ، ونَعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا ، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلّ لهُ ومَن يُضلِلْ فلا هادِي لهُ. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفِيُّهُ وحبيبُه مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رَحمةً للعالَمينَ هادِيًا ومُبَشِّرًا ونذيرًا بلَّغَ الرِّسالةَ وأدَّى الأمانَةَ ونَصحَ الأُمَّةَ فجزَاهُ اللهُ عنا خيرَ ما جزَى نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيائِه، وصلى اللهُ وسلَّم على سيدِنا محمدٍ الأمينِ وعلى ءالِهِ وصحبِه الطَّيِّبينَ الطَّاهِرينَ.

أَمَّا بعدُ إخوةَ الإِيمانِ، أُوصِي نَفْسِي وإِيَّاكُمْ بتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ

القائِلِ في مُحكمِ التَّنْزِيلِ ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلمُؤمِنِينَ وَٱلمُؤمِنَٰتِ جَنَّٰت تَجرِي مِن تَحتِهَا ٱلأَنهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَة فِي جَنَّٰتِ عَدن وَرِضوَٰن مِّنَ ٱللَّهِ أَكبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلفَوزُ ٱلعَظِيمُ ٧٢﴾[1].

نعم أيُّها الأحبَّةُ ذلكَ هُوَ الفَوْزُ العَظيمُ أَكرَمَنَا اللهُ بذَلِكَ.

إخوةَ الإيمانِ، كلامُنا اليومَ عنِ الجنةِ ومَا أُعِدَّ فيهَا لِلْمُؤْمِنينَ، فالجنَّةُ دارُ السلامِ دارُ النَّعيمِ الْمُقيمِ الدَّائم، وَالإيمانُ بِها أَيِ التصدِيقُ بوُجودِها مِنْ أُصولِ عَقائِدِ المسلمينَ فيجِبُ الإيمانُ بِوُجودِها وأنَّها مَخْلُوقَةٌ الآنَ كمَا دَلَّتْ على ذلكَ النُّصوصُ الشَّرْعِيَّةُ الكَثِيرَةُ وهِيَ باقِيَةٌ بِإِبْقَاءِ اللهِ تعالَى لا تَفْنَى، وأَهْلُهَا خَالِدُونَ فيهَا أبَدًا كمَا أَخْبَرَ اللهُ عزَّ وَجَلَّ في القُرْءَانِ الْكَرِيمِ.

فالجنةُ باقيةٌ ونَعيمُها دَائِمٌ لا يَزُولُ، والنعيمُ فيهَا قِسْمَانِ نَعيمٌ لا يَنَالُهُ إلا الأَتقياءُ ونَعيمٌ يَنالُهُ كُلُّ أهلِ الجنّة.

ومِنَ النعيمِ العامِّ الذِي ينالُه كلُّ أهلِ الجنةِ أنهم كلَّهم شبابٌ لا يَهرَمُونَ أبَدًا وكُلَّهم أَصِحَّاءُ لا يَسقَمُونَ ولا يَمْرَضُونَ أبَدًا وكلَّهم في سرورٍ لا يصيبُهم هَمٌّ وَحَزَنٌ وَنَكَدٌ وَكَرْبٌ أَبَدًا، وَكُلَّهم يَبْقَوْنَ أحياءً في نَعيمٍ دائِمٍ لا يَموتُونَ أَبَدًا كمَا أخبَرَ بذلكَ نَبِيُّنا صلى الله عليه وسلم بقَولِه في الحديثِ الصَّحيحِ الذِي رَوَاهُ مسلمٌ “يُنادِي مُنَادٍ إنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لكم أَنْ تَحْيَوْا فَلا تَمُوتُوا أبَدًا وإِنَّ لكم أَنْ تَشِبُّوا فَلا تَهْرَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلا تَبْأَسُوا أَبَدًا فَذَلِكَ قولُهُ عَزَّ وجلَّ ﴿وَنُودُواْ أَن تِلكُمُ ٱلجَنَّةُ أُورِثتُمُوهَا بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ ٤٣﴾[2]“، واسْمَعُوا معِي مَا جَاءَ في وَصْفِهَا عنِ النبِيِّ الأعظَمِ صَلَوَاتُ اللهِ وسَلامُهُ عليهِ في حديثٍ ءاخَرَ فإِنَّهُ قالَ عنهَا “هِيَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلأْلأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ ونَهَرٌ مُضْطَرِدٌ وقَصْرٌ مَشِيدٌ وَفَاكِهَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ في مُقامٍ أبَدِيٍّ وحُبْرَةٍ وَنَضْرَة”.

فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم يُقْسِمُ بِرَبِّ الكعبَةِ أَنَّ الجنةَ نُورٌ يَتَلأْلأُ لذلكَ لا تَحْتَاجُ الجنةُ إلى شمسٍ ولا قَمَرٍ، كلُّ ما فيهَا يُضِيءُ ليسَ فيها ظَلامٌ بل مِقْدَارُ الليلِ وَالنَّهارِ يُعرفُ بِعَلامَةٍ جَعَلَهَا اللهُ فيهَا.

وفي الجنَّةِ طُوبَى، وَطُوبَى إِخْوَةَ الإيمَانِ هِيَ شجرةٌ يَسِيرُ الرَّاكِبُ في ظِلِّها مائةَ عَامٍ لا يَقْطَعُها تَتَفَتَّقُ بِثِيابِ أَهْلِ الجنَّةِ أي يَخْرُجُ منهَا ثيابٌ لأهلِ الجنَّةِ يَلْبَسُونَها.

Continue reading الجنةُ الإيمان بِها ونعيمها

التحذيرُ مِنْ مَسَبَّةِ الله

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينُه ونَسْتَهْدِيهِ ونَسْتَغْفِرُهُ ونتوبُ إلَيه، ونعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ومن يضلِلْ فلا هادِيَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ولا شَبيهَ ولا مِثْلَ وَلا نِدَّ لَهُ، ولا حَدَّ ولا جُثَّةَ وَلا أعضاءَ لَه، وأشهَدُ أن سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرَّةَ أَعيُنِنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسولُهُ من بعَثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هادِيًا ومبشرًا ونذيرًا اللهمّ صلِّ وسلِّمْ على سيدِنا محمّدٍ الدّاعِي إلَى الخيرِ والرَّشادِ، الذي سَنَّ للأُمّةِ طَريقَ الفَلاح، وبيَّنَ لَها سُبُلَ النّجاح، وعلَى ءالِه وصَفْوَةِ الأَصحَاب.

أما بعدُ عبادَ اللهِ فإِنّي أُوصيكُم ونفسِي بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ القائِلِ في مَعْرِضِ الامتِنَانِ علَى النّاس ﴿أَلَم نَجعَل لَّهُۥ عَينَينِ ٨ وَلِسَانا وَشَفَتَينِ ٩﴾[1] فَذَكَرَ نِعَمَهُ علَى الإِنسانِ بأن جعلَ له عَيْنَيْنِ يُبْصِرُ بِهِمَا المرئِيّاتِ وجَعَلَ لَهُ لِسانًا يُعَبِّرُ بهِ عمّا في ضميرِه وجعَلَ لَهُ شَفَتَيْنِ يَسْتُرُ بِهِمَا ثَغْرَهُ ويَسْتَعِينُ بِهما علَى النُّطقِ والأَكْلِ والشُّرْبِ والنَّفْخِ ﴿وَهَدَينَٰهُ ٱلنَّجدَينِ ١٠﴾[2] أَيْ طَرِيقَيِ الخيرِ والشَرِّ الْمُؤَدِّيَيْنِ إلَى الجنَّةِ وَالنَّار. قيلَ إنَّ هذهِ الآياتِ نَزَلَتْ فِي الوَلِيدِ بنِ المغيرَةِ أحدِ صنادِيدِ قُرَيْشٍ الذِي لَمْ يَرْعَ حقَّ اللهِ تعالَى فيهَا فغَمِطَ نِعَمَهُ فَلَمْ يَشْكُرْهَا وكفَرَ بِالْمُنْعِمِ.

إخوةَ الإيمانِ، إنَّ اللسانَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مُوجِبَةٌ لِشُكْرِ الْمُنْعِمِ .. وشكرُ الْمُنْعِمِ علَى هذهِ النِّعمةِ يكونُ بتركِ اسْتِعْمَالِهَا فيمَا حَرَّمَ اللهُ .. ومِنَ الناسِ مَنْ لا يَشْكُرُ اللهَ على هذهِ النِّعْمَةِ فيُطلِقُونَ ألسِنَتَهُمْ بِما لا يجوزُ لهمُ النُّطقُ بهِ وكثيرٌ مَا هُم .. ومِنْ ذلكَ إخوَةَ الإيمانِ الكَذِبُ وشَتْمُ المسلِمِ بغيرِ حَقٍّ والغيبةُ والنَّمِيمَةُ وإِشْعَالُ الفِتْنَةِ بينَ المسلِمينَ وَأَذِيَّتُهُمْ بِالكَلامِ وغيرُ ذلكَ مِنْ مَعاصِي اللسانِ .. ومِنهم إخوةَ الإيمانِ مَنْ يَصِلُ إلَى أَكْبَرِ الظُّلمِ أَلا وَهُوَ الكُفْرُ والعِياذُ بِاللهِ .. فتَرَى الواحدَ منهم بدَلَ أَنْ يُعَظِّمَ نِعْمَةَ اللهِ عليهِ يَسْتَعْمِلُها في مَسَبَّةِ اللهِ .. في شَتْمِ اللهِ والعياذُ بِالله .. منهم مَنْ إذَا غَضِبَ سَبَّ اللهَ والعياذُ بِاللهِ .. ومنهم مَنْ يُسُبُّ اللهَ في حالِ الغَضَبِ وفِي حالِ الرِّضا ثم يزعُمُ أنّهُ مُسْلم .. هيهات .. مَنْ سَبَّ اللهَ لا يكونُ مُسْلِمًا فإِنَّ المسلمَ هُوَ مَنْ ءامَنَ وصدَّقَ واعْتَقَدَ أَنْ لا أحَدَ يَسْتَحِقُّ العبادةَ أي نِهايةَ التَّذَلُّلِ والخشوعِ والخضُوعِ إِلا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ واجْتَنَبَ مَا يَنْقُضُ الإِسلام .. المسلمُ مَنْ عَقَدَ قلبَهُ علَى تَعظيمِ اللهِ الواحِدِ الأحَدِ التعظِيمَ الوَاجِبَ علَى الدّوامِ وأمَّا مَنْ سَبَّ اللهَ فهذَا لا يَكونُ مُعَظِّمًا لله .. مَنْ سبَّ اللهَ خرَجَ مِنَ الإسلامِ وصارَ مِنَ الكافِرينَ وَلا يُقْبَلُ قولُه بعدَ ذلكَ “أنَا كنتُ غَضْبَانَ وَلَمْ أُرِدْ أَنْ أَكْفُرَ” فَقَدْ بَيَّنَ علماءُ الإسلامِ أَنَّ كَوْنَ الشخصِ غاضِبًا لا يُنْجِيهِ مِنَ الوُقوعِ فِي الكُفرِ إِنْ تَعمَّدَ النُّطْقَ بِالكُفر، أي إِنْ لَمْ يَكُنْ حصولُ ذلكَ منهُ عَنْ سَبْقِ لِسان، فقَدْ نقَلَ الحافظُ النوَوِيُّ عن علماءَ الحنفِيَّةِ وأقرَّهُمْ علَى ذلكَ أنّهُ لَوْ غَضِبَ إنسانٌ علَى وَلَدِهِ أو غُلامِه فضَرَبَهُ ضَرْبًا شَديدًا فقالَ لهُ ءاخَرُ أَلَسْتَ مُسْلِمًا فقالَ لا مُتَعَمِّدًا كفرَ، ومعنَى كلامِ هؤلاءِ العُلماءِ أنَّ المسلمَ إذَا غَضِبَ غضبًا شديدًا علَى ولَدِه فَضرَبَه ضَرْبًا شديدًا بسببِ شدَّةِ غضبِهِ فقالَ لَهُ شَخْصٌ ءاخَرُ كيفَ تضرِبُهُ بهذِهِ القَسْوَةِ ألَسْتَ مُسْلِمًا لأنَّ مِنْ شأنِ المسلمِ أَنْ يكونَ رَحيمًا وَلا يَتَمَادَى في الضَّرْبِ الشَّديدِ للوَلدِ وإِنْ كانَ الشخصُ غاضِبًا فكانَ جَوابُ الضَّارِبِ (لا) أَيْ لَسْتُ مُسلِمًا مِنْ غيرِ سَبْقِ لِسانٍ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْقِدَ وَعْيَهُ فَيُجَنَّ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ ولا يكونُ غضبُه عُذْرًا لَهُ.

Continue reading التحذيرُ مِنْ مَسَبَّةِ الله

احفظ ولدك

الحمدُ للهِ الواحِدِ الأَحَدِ الفَرْدِ الصَّمدِ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ولم يكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. أَحْمَدُهُ تعالَى وأَسْتَهْدِيهِ وأَشْكُرُه وَأَسْتَرْشِدُهُ وَأَتُوبُ إليه وأعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا. مَنْ يهدِ اللهُ فَهو المهتدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَن تجدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا. والصلاةُ والسلامُ علَى سَيِّدِنا وَحَبِيبِنا وَعَظِيمِنا وقَائِدِنا وقُرَّةِ أعيُنِنا محمّدٍ مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ هَاديًا ومُبَشِّرًا ونذيرًا ودَاعِيًا إلَى اللهِ بِإِذْنِهِ سِرَاجًا وَهَّاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا. وأشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَهُ وأشهدُ أنّ سَيِّدَنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفيُّهُ وَخليلُهُ صلَواتُ رَبِّي وسَلَامُهُ علَيْهِ وعلَى ءالِه وصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.

أمَّا بعدُ أَيُّهَا الأَحِبَّةُ المسلمونَ فَأُوصِي نَفْسِي وَإِيَّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَظِيمِ والسَّيْرِ علَى نَهْجِ كِتَابِهِ الكَرِيمِ وَالثَّبَاتِ علَى صِراطِهِ الْمُسْتَقِيمِ فَإِنَّ هذهِ الدنيا زَائِلَةٌ ومَلَذَّاتُها ذَاهِبَةٌ وَالفَائِزُ مَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وقَدْ أَمَرَنَا رَبُّنا بِأَنْ نَقِيَ أَنْفُسَنَا وَأَهْلِينَا النَّارَ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ في سورةِ التَّحْرِيمِ ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم نَارا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلحِجَارَةُ عَلَيهَا مَلَٰئِكَةٌ غِلَاظ شِدَاد لَّا يَعصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ ٦﴾.

هذهِ الدنيا دارُ عَمَلٍ وَالآخِرَةُ دَارُ جَزاءٍ، فَطُوبَى لِمَنْ عَمِلَ لآخِرَتِهِ فَحَفِظَ نَفْسَهُ وَمَنْ هُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ. فَإِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ الخيرَ أَخِي المسلمَ فَإِنَّما لِنَفْسِكَ تَعْمَلُ، وَإِنْ أَنْتَ حَفِظْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ فَإِنَّما نَفْسَكَ تَحْفَظُ، واللهُ تعالى لا يَنْتَفِعُ بِطَاعَةِ الطَّائِعِينَ وَإِيمَانِ الْمُؤْمِنينَ كمَا لَا يَتَضَرَّرُ بِمَعْصِيَةِ العَاصِينَ وَلَا يَتَأَذَّى بِكُفْرِ الكَافِرينَ فَاللهُ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ.

أخي المسلم، إِنْ أَنْتَ اتَّقَيْتَ اللهَ في نَفْسِكَ وَأَوْلادِكَ كَانَ أولادُكَ من بَعْدِكَ يَدْعُونَ لَكَ، وَيَنْطَبِقُ علَيْهِمْ ما قَالَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ[1] اهـ أَمَّا مَا جَرَتْ علَيْهِ عَادَةُ كثيرينَ مِنَ الآبَاءِ والأُمَّهَاتِ في زَمَانِنا أَنْ لَا يَكْتَرِثُوا في أَيِّ مُجْتَمَعٍ انْخَرَطَ أَوْلادُهُمْ أَوْ بِأَيِّ زُمْرَةٍ مِنَ الشُّبَانِ والشَّابَّاتِ اخْتَلَطُوا، لَا يَكْتَرِثُونَ وَلَا يَسْأَلونَ بَلْ لَا يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ أَنْ يَسْأَلُوهُمْ عَنِ الطَّاعَةِ أَوْ أَنْ يُحَذِّرُوهُمْ مِنَ الْمَعْصِيَةِ.

وَقَدْ قَالَ مُفْتِي بَيْروتَ الأَسْبَقُ الشيخُ مُصطَفَى نَجَا رَحِمَهُ اللهُ والوَلَدُ قَبْلَ البُلُوغِ يَكُونُ على الفِطْرَةِ وَقَلْبُهُ يَكُونُ خَالِيًا مِنَ الشَّواغِلِ فَمَهْمَا شَغَلْتَهُ بِهِ يَتَمَكَّنُ مِنْهُ وَلَا يَعُودُ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مُتَّسَعٌ لِقَبُولِ غَيْرِهِ كَالْإِنَاءِ إِذَا مُلِئَ بِشَىءٍ لا يَعُودُ لِشَىءٍ ءَاخَرَ مَحَلٌّ فِيهِ اهـ

Continue reading احفظ ولدك

معجزةُ الإسراء

الحمدُ للهِ ثمّ الحمدُ للهِ، الحمدُ للهِ وسلامٌ علَى عبادِه الذينَ اصْطَفَى، الحمدُ للهِ الواحِدِ الأَحَدِ الفَرْدِ الصَّمَدِ الذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد، نحمدُه تعالى ونستهديهِ ونسترشِدُه ونعوذُ بِاللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنا وسيئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ المهتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا. والصَّلاةُ والسّلامُ الأَتَمَّانِ الأَكْمَلانِ على سيدِنا محمدٍ سيِّدِ ولدِ عدنانَ مَنْ أَيَّدَهُ اللهُ بالبُرْهانِ وأظهرَ شَرَفَهُ علَى سَائِرِ الأنبياءِ ليلةَ الإِسراءِ. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ أَرْسَلَ رسولَه بالهُدَى ودِينِ الحقِّ لِيُظْهِرَهُ علَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ وأشهَدُ أنَّ سيدَنا محمّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وخليلُه صلّى اللهُ عليهِ وسلّم وعلى جميعِ إِخوانِه مِنَ النبيّينَ والمرسلِين.

أما بعدُ معشرَ المسلِمينَ، فَإِنِّي أوصي نفسي وأوصيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظيمِ فَاتّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِه وَلا تَموتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ واعلَمُوا أنَّ اللهَ معَ الذينَ يَتَّقون. إخوةَ الإيمانِ تُطِلُّ علينَا مُنَاسَبَةٌ عَظِيمَةٌ أَلَا وَهِي ذِكرَى الإِسراءِ والمعراجِ. وَكلامُنا اليَوْمَ إِنْ شَاءَ اللهُ تعالَى علَى مُعجِزَةِ الإِسراءِ. قالَ اللهُ تبارَك وتعالَى في القُرْءَانِ الكَرِيم ﴿سُبحَٰنَ ٱلَّذِي أَسرَىٰ بِعَبدِهِۦ لَيلا مِّنَ ٱلمَسجِدِ ٱلحَرَامِ إِلَى ٱلمَسجِدِ ٱلأَقصَا ٱلَّذِي بَٰرَكنَا حَولَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِن ءَايَٰتِنَا إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ ١﴾[1] إخوَةَ الإيمانِ لَقَدْ ثَبَتَ الإِسراءُ بِنَصِّ القُرْءَانِ والأحَادِيثِ الصَّحيحَةِ وإِجْمَاعِ المسلِمينَ فَيَجِبُ الإِيمانُ بهِ. وقَدْ كانَ إسراؤُه صلى الله عليه وسلم في اليَقَظَةِ بِالرُّوحِ والجَسدِ وما هذَا علَى اللهِ بِعَزِيزٍ فَإِنَّهُ تبارَكَ وتعالَى علَى كُلِّ شىءٍ قَدِيرٌ لِذَا قالَ عُلماءُ الإسلامِ إِنَّ مَنْ أَنْكَرَ مُعجِزَةَ الإِسراءِ فَقَدْ كَذَّبَ القُرْءَانَ وَمُكَذِّبُ القُرْءَانِ لا يَكُونُ مِنَ المسلِمين.

كانَ بَدْءُ هذهِ المعجزَةِ فِي بيتِ أُمِّ هانئ بنتِ أبِي طالبٍ كمَا رَوَى مسلمٌ عن أنسِ بنِ مالكٍ رضيَ الله عنه قالَ كانَ أبو ذَرٍّ يُحدِّثُ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صدرِي ثُمَّ غسَلَهُ مِنْ ماءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمانًا فَأَفْرَغَها فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَه اﻫ وَتبدَأُ رِحلةُ الإسراءِ حيثُ أتَى جبريلُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بِدابَّةٍ قيلَ هِيَ البُرَاقُ كُلُّ خُطْوَةٍ لَهُ مُنْتَهى أَقْصَى بَصَرِهِ لِيَرْكَبَهُ رَسولُ اللهِ فَاسْتَصْعَبَ عليهِ فقالَ جِبريلُ أَبِمُحَمَّدٍ تَفعلُ هذَا فمَا رَكِبَكَ أحدٌ أَكْرَمُ على اللهِ مِنْ مُحمَّد .. فَارْفَضَّ (أي سال) البُرَاقُ عَرَقًا. رواهُ التِّرمِذِيُّ في سُنَنِهِ. وباتَ النّبيُّ يَنْتَقِلُ مِنْ أَرْضٍ إلى أرضٍ علَى البُراقِ ومعَهُ جِبريلُ عليهِ السلامُ فصلَّى بِطَيْبَةَ ثُمَّ بِطُورِ سَيْنَاءَ حيثُ كَلَّمَ اللهُ عزَّ وجلَّ موسَى عليهِ السَّلام، ثُمَّ بِبَيْتِ لَحْمٍ حيثُ وُلِدَ المسيحُ عيسَى ابنُ مريمَ عليهِ السَّلامُ.

Continue reading معجزةُ الإسراء