Category Archives: خطب الجمعة

علاماتُ الساعةِ الكبرى

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهديهِ ونشكرُه ونتوبُ إليه، ونعوذُ باللهِ ِمنْ شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلـهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ ولا شبيهَ ولا مِثْلَ ولا نِدَّ لَهُ، ولا جُثَّةَ ولا أَعضاءَ له، أَحدٌ صمدٌ لم يلدْ وَلَمْ يُولدْ ولم يكن له كفُوًا أحد، وأشهدُ أنَّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وَقُرَّةَ أَعْيُنِنا مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه مَنْ بعثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هاديًا ومبشّرًا ونذيرًا. اللهم صلِّ على سيدِنا محمدٍ القائلِ بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتينِ وقَرَنَ بينَ السَّبَّابةِ والوُسْطَى مُشِيرًا بذلكَ إلَى اقْتِرَابِ قيامِ الساعةِ، وعلَى ءالِه وصحابَتِه الطيبينَ الطَّاهرين.

أما بعدُ عبادَ اللهِ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ ونَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ فإنَّ القيامَةَ قدِ اقْتَرَبَتْ قالَ ربُّنا تبارك وتعالى ﴿ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ ١[1] والآخرةُ يَنْفَعُ فيهَا تقوَى الله.

واعْلَمُوا إخوةَ الإيمانِ أنَّ الساعةَ لا تقومُ حتى تحصُلَ حَوَادِثُ هِيَ عَلامَاتُ اقْتِرابِ الساعةِ وهيَ كمَا جاءَ عشَرةُ أشراط ويقالُ لها أشراطُ الساعةِ الكبرى وهيَ خروجُ الدَّجّالِ ونُزُولُ عيسى ابنِ مريمَ وخروجُ يَأْجوجَ ومَأْجُوجَ وطُلوعُ الشمسِ مِنْ مَغْرِبِها وخروجُ دَابّةِ الأرضِ والدُّخَانُ وثلاثَةُ خُسُوفٍ ونَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنٍ في بلادِ اليَمَن.

وأما الدجَّالُ إخوةَ الإيمانِ فهوَ إنسانٌ مِنْ بَنِي ءادمَ والظاهرُ أنهُ مِنْ بَنِي إسرائيلَ يَطُوفُ الأرضَ إلى كلِّ الجهاتِ في نحْوِ سنَةٍ ونِصْفٍ بقدرةِ اللهِ تعالى إلّا أنهُ لا يستطيعُ أن يدخُلَ مكَّةَ ولا المدينةَ فإنَّ الملائكةَ تَمْنَعُهُ مِنْهُما، ويكونُ خروجُ الدجالِ في زَمنِ قَحْطٍ وَجُوعٍ فيَدَّعِي الدجالُ أنهُ الإلَهُ فالَّذينَ ءامنوا بهِ يَشْبَعُونَ لأنَّ اللهَ تعالى يَفْتِنُ بهِ بعضَ الخَلقِ وأمّا المؤمنونَ الذينَ يُكَذِّبُونَهُ ولا يتبعونَهُ تحصلُ لهم مجاعةٌ فيُعينُهُمُ اللهُ بالتَّسْبيحِ والتَّقْدِيسِ أي يقومُ هذا التَّسبيحُ مَقامَ الأكلِ فلا يَضُرُّهُمُ الجُوعُ. وقد حذَّرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أُمَّتَهُ منَ الدَّجالِ وَفِتْنَتِهِ ووَصَفَهُ لهم لِيَعْرِفُوهُ وهو أنَّ إِحْدَى عَيْنَيْهِ طَافِيَةٌ كالعِنَبَةِ والأُخْرَى مَمْسُوحَةٌ فلذلكَ يُقالُ له الأَعْوَرُ الدَّجَّالُ، وقد أَخْبَرَ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ أنَّ اللهَ تعالى يُظْهِرُ على يَدِ الدجالِ خَوارِقَ ابْتِلاءً منهُ لِعبادِهِ لِيُظْهِرَ لهم مَنْ يَهْتَدِي وَمَنْ يَضِلُّ، وَمِنْ عجائِبِه أنهُ يَشُقُّ رَجُلًا مِنَ المؤمنينَ يُكَذِّبُهُ في وَجْهِهِ نِصْفَيْنِ ثُمَّ يُحْيِيهِ بِإِذْنِ اللهِ فيقولُ هذا المؤمنُ لم أَزْدَدْ بِهذَا إِلَّا تَكْذِيبًا لَكَ. Continue reading علاماتُ الساعةِ الكبرى

بيان معنى قوله تعالى ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾

الحمدُ للهِ الْمُنَزَّهِ بِذاتِه عن إِشارَةِ الأَوْهَام، الْمُقَدَّسِ بِصفاتِه عن إِدراكِ العُقولِ والأَفْهَام، المتَّصفِ بالأُلوهِيَّةِ قبلَ كُلِّ مَوْجُودٍ، البَاقِي بِالنُّعوتِ الأَبَدِيَّةِ بعدَ كُلِّ مَحمُود، القَدِيمِ الذِي تعالَى عَنْ مُماثَلَةِ الْحَدَثانِ، العَظيمِ الذِي تَنَزَّه عَنْ مُمَاسَّةِ المكان، الْمُتَعالِي عَنْ مُضاهَاةِ الأَجْسامِ ومُشابَهةِ الأَنام، القادِرِ الذِي لا يُشارُ إليهِ بِالتَّكْيِيفِ، القَاهِرِ الذِي لا يُسْئَلُ عَن ما يَفْعَلُ، العَليمِ الذِي نَزَّلَ القُرءانَ شِفَاءً لِلأَرْواحِ والأَبْدَانِ، والصَّلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنا محمَّدٍ الذِي مَدَّتْ عليهِ الفَصَاحَةُ رِواقَها وشَدَّتْ بِهِ البَلاغَةُ نِطاقَها المبعوثِ بِالآياتِ البَاهِرَاتِ والحُجَجِ النَّيِّرات، الْمُنَزَّلِ عليهِ القُرءانُ رَحْمَةً للنَّاسِ وعلَى ءالِه وصحابَتِهِ الطاهِرين.

أما بعد عبادَ اللهِ، فَإِنِّي أُوصيكُمْ ونَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ القَديرِ القَائِلِ في مُحْكَمِ كِتابِه ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجعَل لَّهُۥ مَخرَجا ٢ وَيَرزُقهُ مِن حَيثُ لَا يَحتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسبُهُۥۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمرِهِۦۚ قَد جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيء قَدرا ٣﴾[1]

إخوةَ الإيمانِ روَى أحمدُ في مُسنَدِهِ والحاكِمُ في المستَدْرَكِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ جَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْلُو عَلَيَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجعَل لَّهُۥ مَخرَجا ٢﴾[2] حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَخَذُوا بِهَا لَكَفَتْهُم قَالَ فَجَعَلَ يَتْلُو بِهَا وَيُرَدِّدُهَا اﻫ

والتَّقْوَى مَعْنَاهَا أَدَاءُ الواجِباتِ كُلِّها واجتِنابُ المحرَّماتِ كُلِّها وقَدْ جَاءَ عنِ ابنِ عباسٍ رضىَ اللهُ عنهُما أنهُ قالَ ومَن يَتَّقِ اللهَ يُنْجِهِ في الدُّنيا وَالآخرة[3] ﴿وَيَرزُقهُ مِن حَيثُ لَا يَحتَسِبُ﴾ أي من حيثُ لا يَدْرِي، فَالتَّقْوَى سَبَبٌ لِلْفَرَجِ مِنَ الكُرُباتِ فِي الدنيا والآخرَةِ وَسَبَبٌ لِلرِّزقِ ولِنَيلِ الدَّرجاتِ العُلَى أمَّا المعاصِى فَهِيَ سَبَبٌ لِلْحِرْمَانِ في الدنيا وفي الآخِرَةِ فقد روى الحاكمُ وابنُ حبانَ وغيرُهما عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنه قال إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ[4] اﻫ قالَ بعضُهم فَيُحْرَمُ مِنْ نِعَمٍ فِي الدنيا مِنْ نَحْوِ صحَّةٍ ومَالٍ أو تُمْحَقُ البركةُ مِنْ مَالِهِ أو يَسْتَوْلِي عليهِ أَعْدَاؤُه وَقَدْ يُذْنِبُ الذَّنبَ فَتَسْقُطُ مَنْزِلَتُهُ مِنَ القُلوبِ أَوْ يَنْسَى العِلْمَ حَتَّى قالَ بعضُهم إِنِّي لأَعْرِفُ عُقوبَةَ ذَنْبِي مِنْ تَغَيُّرِ الزَّمانِ وجَفَاءِ الإِخْوَانِ.

Continue reading بيان معنى قوله تعالى ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾

الجنّةُ والنّار

الحمدُ للهِ الْمُبْدِئِ الْمُعيدِ الغنِيِّ الحمِيدِ ذِي العَفْوِ الوَاسِعِ والعِقابِ الشَّديد، من هَداهُ فهوَ السعيدُ السّديدُ وَمَنْ أَضَلَّهُ فَهُوَ الطَّريدُ البَعيدُ ومن أَرشدَهُ إلى سبيلِ النجاةِ ووَفَّقهُ فهو الرَّشيد، يَعْلَمُ ما ظهَرَ وما بطَنَ وما خفِيَ وما عَلَنَ وهو أقرَبُ إلى كلِّ مُريدٍ مِنْ حَبْلِ الوَرِيد، قَسَمَ الخلقَ قِسْمَيْنِ وجَعَلَ لَهُمْ مَنْزِلَتَيْنِ فريقٌ في الجنةِ وفريقٌ في السَّعيرِ ورَغَّبَ في ثَوابِهِ ورَهَّبَ مِنْ عِقَابِه وَللهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِه وَمَنْ أسَاءَ فعلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ للعَبِيدِ، وأُصَلِّي وأُسَلِّمُ على سيِّدِنا محمدٍ البشيرِ النّذيرِ وعلى ءالِه وأصحابِه الطّيّبينَ الطّاهرِين، أما بعدُ عبادَ اللهِ فإنِّي أُوصِيكُمْ ونفسِي بِتَقْوَى اللهِ العلِيِّ العظيمِ القائِلِ في مُحكَمِ كِتابِه ﴿لَا يَستَوِي أَصحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصحَٰبُ ٱلجَنَّةِ أَصحَٰبُ ٱلجَنَّةِ هُمُ ٱلفَائِزُونَ ٢٠﴾[1] إخوةَ الإِيمانِ إِنَّ الذَّكِيَّ الفَطِنَ مَنْ تَزَوَّدَ مِنْ دُنياهُ لآخِرَتِهِ ولَمْ يَبِعْ ءاخِرَتَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيا، فالنَّاسُ يومَ القيامةِ قسمٌ إلى الجنَةِ وقسمٌ إلى النّارِ فهمَا دارَانِ مَا للنّاسِ غيرُهما فَانْظُرْ يا أخِي ماذَا تختارُ لنفسِكَ، فالجنَّةُ أُعِدَّتْ لِلْمُؤْمِنينَ والنّارُ أُعِدّتْ للكافرينَ ولا يَسْتَوِي أصحابُ النّارِ وأَصحابُ الجنّة، طعامُ أهلِ الجنّةِ كمَا قالَ تعالَى ﴿وَفَٰكِهَة مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ٢٠ وَلَحمِ طَير مِّمَّا يَشتَهُونَ ٢١﴾ وَكمَا قالَ عزّ وجلّ {قُطُوفُهَا دَانِيَة ٢٣ كُلُواْ وَٱشرَبُواْ هَنِيا بِمَا أَسلَفتُم فِي ٱلأَيَّامِ ٱلخَالِيَةِ ٢٤﴾[2] أمّا طعامُ أهلِ النارِ فكمَا قالَ تعالى ﴿لَّيسَ لَهُم طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيع ٦ لَّا يُسمِنُ وَلَا يُغنِي مِن جُوع ٧﴾[3] والضّريعُ شجَرٌ كريهُ المنظَرِ كريهُ الرّائحةِ وثَمَرُهُ كريهُ الطّعمِ وكما قالَ تعالى ﴿إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ ٤٣ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ ٤٤ كَٱلمُهلِ يَغلِي فِي ٱلبُطُونِ ٤٥ كَغَليِ ٱلحَمِيمِ ٤٦﴾[4] وكما قالَ تعالى ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِن غِسلِين ٣٦ لَّا يَأكُلُهُۥ إِلَّا ٱلخَٰطِ‍ُونَ ٣٧﴾[5]

إخوةَ الإيمانِ لا يَسْتَوِي أصحابُ النارِ وأصحابُ الجنةِ ولا يستوي شرابُ أهلِ الجنةِ وشرابُ أهلِ النارِ فأمّا أهلُ الجنّةِ فإنّهم يُسْقَوْنَ مِنَ الرّحيقِ وهِيَ عينٌ في الجنّةِ مَشُوبَةٌ بالمسكِ بإِناءٍ مَخْتُومٍ عليهِ بالمسكِ ومَمْزُوجٌ ما فيهِ مِنْ تَسْنِيمٍ وهِيَ عَيْنٌ في الجنةِ رفيعَةُ القَدْرِ قال تعالى ﴿يُسقَونَ مِن رَّحِيق مَّختُومٍ ٢٥ خِتَٰمُهُۥ مِسك وَفِي ذَٰلِكَ فَليَتَنَافَسِ ٱلمُتَنَٰفِسُونَ ٢٦ وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسنِيمٍ ٢٧ عَينا يَشرَبُ بِهَا ٱلمُقَرَّبُونَ ٢٨﴾[6] وأمّا أهلُ النارِ فشرابُهمُ الماءُ المتناهِي في الحرارةِ قالَ تعالَى ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَردا وَلَا شَرَابًا ٢٤ إِلَّا حَمِيما وَغَسَّاقا ٢٥﴾[7] والحميمُ هو الشرابُ الْمُتَنَاهِي فِي الحرَارَةِ والغَسَّاقُ ما يَسيلُ مِنْ جُلودِ أَهْلِ النّارِ تَسقِيهِمْ إيّاهُ ملائكةُ العذابِ فتتَقَطَّعُ أمعاؤُهم قالَ تعالَى ﴿وَإِن يَستَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كَٱلمُهلِ يَشوِي ٱلوُجُوهَ بِئسَ ٱلشَّرَابُ وَسَاءَت مُرتَفَقًا ٢٩﴾[8] إخوةَ الإيمانِ وَلا يَسْتَوِي لباسُ أهلِ الجنةِ ولباسُ أهلِ النّارِ فأمّا أهلُ الجنةِ فثيابُهمُ الحريرُ والسُّنْدُسُ والإِسْتَبْرَقُ قالَ تعالى ﴿عَٰلِيَهُم﴾ أي فوقَهُم ﴿ثِيَابُ سُندُسٍ﴾ أَيِ الثِّيابُ الرَّقيقَةُ مِنَ الدِّيباجِ وَهُوَ الحريرُ ﴿خُضر وَإِستَبرَق﴾ وهُوَ مَا غَلُظَ مِنَ الدِّيباج ﴿وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّة وَسَقَىٰهُم رَبُّهُم شَرَابا طَهُورًا ٢١﴾[9] وَأَمّا أهلُ النّارِ فثيابُهم مِنْ نَارٍ قالَ تعالى ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَت لَهُم ثِيَاب مِّن نَّار يُصَبُّ مِن فَوقِ رُءُوسِهِمُ ٱلحَمِيمُ ١٩﴾[10]

Continue reading الجنّةُ والنّار

الثبات على الطاعة والتوبة ومجالس العلم والفضائل بعد رمضان

الحمدُ للهِ ثم الحمدُ للهِ، الحمدُ للهِ بجميعِ مَحامِده كلِّها ما عَلِمْنا منها وما لم نعلمْ عددَ خلقِه كُلِّهِم ما علمنا منهُمْ ومَا لم نَعلَمْ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ الواحدُ الأحدُ الفردُ الصمدُ الذي لم يلدْ ولم يولدْ ولم يكن له كفُوًا أحَد، تقَدَّسَ ربِّي عنِ الأمثالِ والأكفاءِ وتنزَّه عن الزوالِ والفناءِ ليس كمثله شىءٌ ولا يشبهُهُ شىء، وأشهد أنّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرّةَ أعيُنِنا محمّدًا عبدُه ورسولُه. اللهم صل على سيدنا محمدٍ سيدِ البشرِ وفخرِ ربيعةَ ومضر وعلَى ءالِه وصحبِه ما أقبلَ ليلٌ وأَدْبَرَ وأضاءَ صُبْحٌ وأسفَرَ.

أما بعدُ عبادَ اللهِ فإني أُوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ العليِّ القديرِ القائلِ في مُحكمِ كتابِه {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَة نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّ‍َٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰت تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡء قَدِير ٨}[1]

إخواني، لقد وَدَّعنا منذُ أيامٍ شهر رمضانَ الكريم، شهر الخيرِ والبركاتِ والتوبةِ والطاعاتِ فبعدَ وَداعِ شهرِ التوبةِ اثبُتوا على التوبةِ، بعدَ وداعِ شهرِ الطاعةِ اثبُتوا على الطاعةِ.

فكم هو جميلٌ ثباتُك يَا ثابِت، ثابتٌ البنانيُّ هذا كانَ من أئمةِ التابعينَ وكانَ رأسًا في العلمِ والعملِ جاءَ عنهُ أنهُ كانَ يقرأُ القرءانَ في كلِّ يومٍ وليلةٍ وكانَ يصومُ الدهر، وكانَ يقولُ كابَدتُ الصلاةَ أربعينَ سنةً وتنعَّمتُ بها أربعينَ سنة، هذا ثابتٌ إخوةَ الإيمانِ وردَ عنِ الذِي أَلْحَدَه في قبرِه أي أدخلَه في قبرِه أنهُ قالَ “أنا والذي لا إله إلا هو أدخلتُ ثابتًا البنانيَّ لَحْدَهُ فلمَّا سَوَّيْنَا عليه اللَّبِنَ سَقَطَتْ لَبِنَةٌ يعنِي حجرا فنـزلتُ فأخذتُها من قبرِه فإذَا به يُصلي في قبرِه، قالَ فقلتُ للذي معي ألا ترى ؟ قال اسكتْ، فلمّا سوَّينا عليهِ الترابَ وفرَغْنا أَتَيْنا ابنتَه فقُلنا لَها ما كانَ عملُ ثَابِت، ماذَا كانَ يفعلُ في هذه الدنيا ؟ قالت وما رأيتُم ؟ فأخبَرْناها، فقالت كان يقومُ الليلَ خمسينَ سنةً فإذا كانَ السَّحَرُ قالَ في دُعائهِ اللهم إن كنتَ أعطيتَ أحدًا الصلاةَ في قبرِه فأَعْطِنِيها، فما كانَ اللهُ لِيَرُدَّ ذلكَ الدُّعاء” رواهُ أبو نُعيم في حِليةِ الأولياء.

Continue reading الثبات على الطاعة والتوبة ومجالس العلم والفضائل بعد رمضان