الحمدُ للهِ الذي أَنْزَلَ علَى عبدِهِ الكِتَابَ لِيَكونَ لِلْعَالَمِينَ نَذيرًا، وعَلَّمَ نَبِيَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ فَصَارَ لِأُمّتِهِ مُعَلِّمًا وَبَشِيرَا وَنَذِيرًا، وأَوْحَى اللهُ إليهِ فقالَ ﴿وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ﴾[1] فَحَذَّرَ أُمَّتَهُ لِئَلَّا يَرْتَكِبُوا إِثْمًا كَبِيرًا، وَلِئَلَّا يَكونُوا مَعَ الذينَ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ سَعِيرًا. وأشهدُ أن لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ لَهُ وَلا زَوْجَةَ وَلَا وَلَدَ لَهُ.
وأشهدُ أنَّ سيدَنا وحبِيبَنا ومَلاذَنا ومُعَلِّمَنَا وَقُرَّةَ أَعْيُنِنَا مُحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ وَنَبِيُّهُ وخَلِيلُه بَلَّغَ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونَصَحَ الأُمَّةَ وَجَاهَدَ في اللهِ حَقَّ الجِهَاد، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ وأَكْرِمْ وأَنْعِمْ علَى سَيِّدِنا محمدٍ وعلَى جَميعِ إِخوانِه النَّبِيِّين.
أما بعدُ فَأُوصِى نَفْسِى وأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العليِّ العظيمِ القَائِلِ في كِتابِه العَزِيزِ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡس مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨﴾[2]
إخوةَ الإيمانِ، اعْلَمُوا أنَّ مِنْ أَكْبَرِ مَا تَجْنِيهِ اليَدَانِ قَتْلَ النَّفْسِ التِى حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بالحقِّ، قالَ صلّى الله عليه وسلم في الحديثِ الذِى فيهِ بَيَانُ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ وَقَتْلُ النَّفْسِ التِى حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ[3] اهـ قَتْلُ المسلمِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَكْبَرُ الكَبَائِرِ بعدَ الكُفْرِ فقدْ ثَبَتَ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ أَىُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ قالَ أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قالَ السَّائِلُ ثُمَّ أَىّ قالَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قالَ ثُمَّ أَىّ قالَ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ[4] اهـ وَحُرْمَةُ هذا القَتْلِ مَعْلُومَةٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرورَةِ ظَاهِرَةٌ بينَ المسلمينَ وَمِمَّا يَدُلُّ عليهَا قولُ اللهِ تعالى ﴿وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ﴾[5] وحديثُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ في النَّار، يقولُ الرَّاوِى فَقُلْتُ يَا رسولَ اللهِ هذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُول قالَ إِنَّهُ كانَ حَرِيصًا علَى قَتْلِ صَاحِبِهِ[6] اهـ فقد بيَّنَ لنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ أَنَّهُ إذَا اقْتَتَلَ الْمُسْلِمَانِ أَىْ إذَا قَصَدَ هذَا أن يَقْتُلَ هذَا وقصَدَ هذا أن يَقْتُلَ هذا وكانَ ذلكَ لأجلِ الدنيا أَىْ كُلٌّ منهُمَا كانَ طَالِبًا حَظًّا دُنْيَوِيًّا فَكِلَا الفَرِيقَيْنِ يَسْتَحِقَّانِ النَّار، فالقَاتِلُ في ذلكَ أَمْرُهُ ظَاهِرٌ لأنَّهُ قتلَ نفسًا مُسْلِمَةً ظُلْمًا أمَّا المقتولُ فَسَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ لِعَذَابِ اللهِ في الآخِرَةِ هُوَ أَنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلَى أَنْ يَقْتُلَ صَاحِبَهُ لِأَجْلِ الدُّنْيَا، حَمَلَ السِّلاحَ وقاتَلَ المسلمَ الآخَرَ على هَذِهِ النِّيَّةِ فَاسْتَحَقَّ عَذابَ اللهِ علَى مَعْصِيَتِهِ هَذِهِ. أمَّا إذَا كانَ أحَدُ الْمُسْلِمَيْنِ طَالبَ دُنْيَا والآخَرُ ليسَ مُقَاتِلًا لِأَجْلِ الدُّنْيَا بَلْ هُوَ مَظْلُومٌ قُصِدَ قَتْلُهُ ظُلْمًا وَلَمْ يَجِدْ مَخْلَصًا فَقَاتَلَ فَقُتِلَ أَوْ سَلِمَ وَقَتَلَ الْمُعْتَدِىَ الْمُهَاجِمَ فَلَا مَعْصِيَةَ عليهِ ولا يكونُ مِنَ الذينَ قالَ عنهُمْ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّهُمْ في النَّار، فالرسولُ صلّى الله عليه وسلم إنَّما قَصَدَ بِقَوْلِهِ إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا أَىْ لِأَجْلِ الدُّنْيا فَالقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّار، أَىْ أن يكونَ كِلَا الفَرِيقَيْنِ قِتَالُه لَا لِلدِّينِ بَلْ لِلدُّنْيَا كَحَالِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَخَاصِمِينَ الْمُتَقَاتِلِين.
Continue reading قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق