GR-60 AR

 

 

مِنْ حِكَمِ اَلحجِّ وَفوائِدِه

أيها المسلمون لقدِ استَجابَ اللهُ دعوةَ نبيِّهِ إبراهيمَ صلى الله عليه وسلم وجعلَ الكعبةَ البَيْتَ الحرامَ مقصِدَ الملايينِ مِنَ المسلمِينَ يَؤُمُّونَها كُلَّ عامٍ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عمِيقٍ، مِنْ مَشارِقِ الأرضِ وَمغَارِبِها علَى اختِلافِ أجناسِهِم وَلُغاتِهم وألوانِهِم كبارًا وصغارًا فقراءَ وأغنياءَ وعَرَبًا وَعَجَمًا لِأَدَاءِ هذَا النُّسُكِ العَظِيمِ يَقُولُ اللهُ تعالَى ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقنَٰكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَىٰ وَجَعَلنَٰكُم شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ ٱللَّهِ أَتقَىٰكُم إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير ١٣﴾[2].

أَحْبَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إنَّ لأَعمالِ الحجِّ وشَعَائِرِهِ فَوائِدَ وَحِكَمًا عظيمَةً وَمَزايَا جَليلَةً لو أدرَكَ كثيرٌ مِنَ المسلمينَ مَغْزاها لَتَسابَقُوا إِلَيْها، فالحجُّ مؤتَمَرٌ إسلاميٌّ سَنَوِيٌّ هائلٌ يَجْتَمِعُ فيهِ الملايينُ مِنَ المسلمينَ، يجتمعونَ علَى كلمَةِ لا إلهَ إلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ فَيَدْعونَ رَبَّهُم وخالِقَهُم ويتعارَفُونَ وَيَأْتَلِفُون، فَالحُجَّاجُ جميعُهُم قد خَلَعُوا الْمَلَابِسَ والأزياءَ الْمُزَخْرفةَ ولَبِسُوا لباسَ الإِحرامِ الذي هو أَشْبَهُ ما يكونُ بِأَكْفَانِ الموتى وهم مُتّجَرِّدونَ من مباهِجِ الحَياةِ الدنيا الفانيةِ، صغيرُهُم وكبيرُهُم، غَنِيُّهُم وفقيرُهُمْ كلُّهُم سَوَاءٌ لا يَتَفاضَلُونَ إلاَّ بالتَّقوَى كمَا أخبَرَنا الحبِيبُ الأعظَمُ المعلِّمُ الأكبرُ سيدُنا مُحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم فقالَ لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ على أَعْجَمِيٍّ وَلا لِأَعْجَمِيٍّ على عَرَبِيٍّ إلَّا بالتَّقْوَى اهـ …

تنزيه الله سبحانه وتعالى عن المكان

إخوةَ الإيمانِ دلت هذهِ الآيةُ الكريمةُ على أنَّ من أرادَ النجاةَ عليهِ أن يلتزِمَ سبيلَ المؤمنينَ أي مَا أَجْمعَ عليهِ علماءُ المسلمينَ وأنَّ مَنْ أَعْرَضَ عن ذلكَ فجزَاؤُه جهنَّمُ وبئسَ المصير.

ومِنْ أصولِ عقائدِ المؤمنينَ التي دَلَّتْ عليهَا الأَدِلَّةُ والبراهينُ القاطعةُ مِنَ القُرْءَانِ والحدِيثِ والعَقْلِ والإِجماعِ تَنْزِيهُ اللهِ سبحانه وتعالى عنِ التحيزِ في مكانٍ أوِ الانتشارِ في الأَماكِن، فربُّنا سبحانَه وتعالى هو خالِقُ المكان، كانَ قبلَ الأماكِنِ كلِّها مِنْ غيرِ احتياجٍ إليهَا ثم خَلقَ الأماكِنَ وبعدَ خَلْقِهَا ما زالَ كمَا كانَ موجودًا بِلا مكانٍ لأنهُ سبحانَهُ يُغَيِّرُ ولا يَتَغَيَّرُ كما اشتَهَرَ ذلك بينَ عَوامِّ المسلمينَ وخَواصِّهم إِذْ لو جازَ عليهِ التغيُّرُ لاحتاجَ إلَى مَنْ يُغَيِّرُه والمحتاجُ إلى غيرِه لا يكونُ إِلها. …

الإيمانُ باللهِ ورسولِه

أمّا بعدُ عبادَ الله فإنّي أُوصيكُمْ ونفسي بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ القائلِ في مُحكمِ كِتابِه ﴿وَمَن لَّم يُؤمِن بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ فَإِنَّا أَعتَدنَا لِلكَٰفِرِينَ سَعِيرا ١٣﴾[1] إخوةَ الإيمانِ إنَّ مِمّا يجبُ علَى الْمُكَلَّفينَ الإيمانَ باللهِ ورسولِه وهو أَصْلُ الوَاجباتِ وأفضَلُها وأَعلاهَا وأَوْلاهَا فأَمَّا الإيمانُ بِاللهِ فهو الاعتِقادُ الجازِمُ بوجودِه تعالَى علَى ما يليقُ بهِ فهو تعالَى موجودٌ لا شكَّ في وُجودِه موجودٌ بِلا كيفيَّةٍ ولا كَمِّيَّةٍ ولا مَكانٍ وَلا جِهة، وأمّا الإيمانُ برسولِه محمدٍ صلى الله عليه وسلم فهو الاعتقادُ بِأنَّ محمدَ بنَ عبدِ اللهِ هو رسولُ اللهِ إلى الإنسِ والجنِّ وأنهُ صادقٌ في كُلِّ مَا يُبَلِّغُه عنِ الله.

فمعرفةُ اللهِ تعالى معَ إفرادِه بِالعبادةِ أي نهايةِ التّذَلُّلِ هي أعظَمُ حُقوقِ اللهِ تعالى علَى عبادِه فمعرِفَتُنا نحنُ باللهِ ليسَتْ علَى سَبِيلِ الإحاطةِ بل بِمعرفَةِ ما يجبُ للهِ تعالَى كوُجوبِ قِدَمِه تعالَى أي أزَلِيَّتِه ووُجوبِ وَحدانيَّتِه وعلمِه بِكُلِّ شىءٍ ومُخالَفَتِه للمخلوقاتِ وتنْزيهِه عمّا يستحيلُ عليهِ تعالى كاستِحالةِ الشّريكِ لهُ والحدِّ أَي الحجمِ والشكلِ والصورةِ والتحيُّزِ في المكانِ والجهةِ ومعرفةِ ما يجوزُ في حَقِّه تعالَى كخَلْقِ شَىءٍ وَتَرْكِه، فقد قالَ الإِمامُ الرِّفاعيُّ رضيَ اللهُ عنه غايةُ المعرِفَةِ بِاللهِ الإِيقانُ بوُجودِه تعالَى بِلا كَيْفٍ وَلا مَكَان اﻫ أَيْ أَنَّ أَقْصَى مَا يَصِلُ إليهِ العَبْدُ مِنَ المعرفةِ بِاللهِ الاعتِقادُ الجازِمُ الذِي لا شكَّ فيهِ بِوجودِ اللهِ تعالَى بلا كيفٍ ولا مَكان، فقولُه بِلا كيفٍ صَريحٌ في نَفْيِ الجِسمِ والحَيِّزِ والشكلِ وَالحرَكةِ والسُّكونِ والاتِّصالِ والانفِصالِ والقُعودِ عنهُ تعالى فالكيفُ يَشْمَلُ كلَّ ما كانَ من صفاتِ المخلوقينَ فمَنْ أيقَنَ بأنَّ اللهَ موجودٌ بِلا كيفٍ ولا مَكانٍ فقد وصلَ إلى غايةِ ما يبلُغُ الإنسانُ من معرفةِ اللهِ تباركَ وتعالى. ومعرفَةُ رسولِه صلى الله عليه وسلم تكونُ بِمَعْرِفَةِ ما يَجِبُ لِلأَنْبياءِ مِنَ الصِّفاتِ ومَا يستحيلُ عليهِمْ ومَا يجوزُ في حَقِّهِم.

نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِح

عبادَ اللهِ أُوصِي نَفْسِي وإِياكُم بِتَقْوَى اللهِ العَظِيمِ القَائِلِ في كِتَابِه الكَريمِ ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلبَنِينَ وَٱلقَنَٰطِيرِ ٱلمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلفِضَّةِ وَٱلخَيلِ ٱلمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنعَٰمِ وَٱلحَرثِ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسنُ ٱلمَ‍َابِ ١٤﴾[1] فَاتَّقُوا اللهَ عبادَ اللهِ وَلَا تُلْهِيَنَّكُمُ الدُّنْيَا وَشَهَواتُها وَمَتَاعُها وأَمْوَالُها عَمَّا عندَ اللهِ فإِنَّ اللهَ تبارَكَ وتعالى عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَئَاب. قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كمَا في صَحِيحِ مُسْلِمٍ إِنَّ هذَا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ ومَنْ أخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كانَ كالذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ اهـ شبَّهَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المالَ مِنْ حَيْثُ الرغبةُ فيهِ والْمَيْلُ إِلَيْهِ وَحِرْصُ النُّفوسِ عليهِ بِالفَاكِهَةِ الخَضْرَاءِ الْحُلْوَةِ الْمُسْتَلَذَّةِ التِي تَمِيلُ إليهَا النفسُ وَتَشْتَهِيهَا فالذِي يأخُذُ المالَ مِنْ طَرِيقٍ حَلالٍ ويَصْرِفُهُ في طريقِ خيرٍ فَيَصْرِفُهُ علَى زَوْجَتِهِ بِنِيَّةٍ حَسنَةٍ أو علَى أولادِه أو على أَبَوَيْهِ أو علَى أَقْرِبَائِه أو يصرفُهُ في وُجوهِ البِرِّ والخيرِ الأُخْرَى فهو نِعمةٌ عَظيمةٌ منَ اللهِ تعالى على عبدِهِ المؤمنِ فالمالُ الذِي يأخُذُهُ المؤمنُ مِنَ الْمَوْضِعِ الذِي أَحَلَّهُ اللهُ وَيَضَعُهُ فِيمَا يُحِبُّ اللهُ يكونُ عَوْنًا لهُ على ءاخِرَتِهِ لأنَّهُ يكونُ وسيلَةً لِكَسْبِ الأَجْرِ في الآخرةِ فَيَكُونُ نِعْمَ الْمَعُونَةُ علَى مَصالِحِ الآخرَةِ كمَا أنهُ مَعُونَةٌ علَى مَصالِحِ المعيشَة. وأمَّا مَنْ أَخَذَهُ بغيرِ حَقِّهِ فَاكْتَسَبَهُ بِطريقَةٍ مُحَرَّمَةٍ فإنهُ يُحْرَمُ بَرَكَتَهُ فيكونُ كالذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ وإِنْ كانَ ذلكَ المالُ كثيرًا وعلَيْهِ وَبَالُ ذلكَ يومَ القِيامَة. …