تعظيمُ اللهِ والشكرُ لله

إخوةَ الإيمانِ وَالإسلامِ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ الذِي خَلَقَنَا وَرَزَقَنَا النِّعَمَ الكَثِيرَةَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ فَلا يُجْحَدَ وَأَنْ يُطَاعَ فَلا يُعْصَى وَأَنْ يُشْكَرَ فَلا يُكْفَرَ.

وَتَعْلَمُونَ أَيُّها الأَحِبَّةُ أنَّ الذَّنْبَ الوَحِيدَ الذي لا يَغْفِرُه اللهُ بِالْمَرَّةِ لِمَنْ مَاتَ عليهِ هو الكُفْرُ وَلِذلِكَ فَإِنَّنا كُنَّا وَمَا زِلْنَا وَلا نَزَالُ مَا عِشْنَا إِنْ شَاءَ اللهُ نُحَذِّرُ مِنَ الكُفْرِ لَيْلَ نَهارَ شَفَقَةً علَى النَّاسِ، وَمَنْ عَابَ عَلَيْنَا ذلكَ فَالعَيْبُ فِيهِ فَنَحْنُ نُحَذِّرُ مِنَ الكُفْرِ نَلْتَمِسُ بذلكَ الأَجْرَ مِنَ اللهِ وَنَرْجُو أَنْ نَكُونَ مِنَ الفَائِزِينَ.

فَكَمْ مِنْ نِعْمَةٍ أَنْتَ فِيهَا في نَفْسِكَ وَأَهْلِكَ ومَالِكَ، إذًا أَفَلا يَجْدُرُ بِكَ أَنْ تَشْكُرَ للهِ وَتَخْشَاهُ وَتَسْتَعِدَّ لِيَوْمٍ تُؤَاخَذُ فِيهِ على نُقْطَةِ الحِبْرِ إِنْ كَتَبْتَ بِها مَا يُسْخِطُ اللهَ فَكَيْفَ بِنِعَمٍ جَمَّةٍ عَصَيْتَ بِهَا اللهَ. فَالعَاقِلُ مَنْ أَطَاعَ اللهَ وَاجْتَنَبَ مَعَاصِيَهُ وَأَكْبَرُ تلكَ المعَاصِي الكُفْرُ والعِياذُ باللهِ تعالى، وَكَمْ وَكَمْ مِنَ النَّاسِ يزعُمُونَ مَحَبَّةَ اللهِ وَتَعْظِيمَهُ وَهُمْ في الوَاقِعِ كافِرونَ باللهِ وَهُمْ لا يَشْعُرونَ فَيَخْرُجُونَ منَ الإيمانِ إلى الكُفْرِ ومنَ النُّورِ إلى الظُّلُمَاتِ كمَنْ يَسُبُّ اللهَ كأَنْ يقولَ يلعن ربك أو خَوَت ربي أو يَنْسُبَ للهِ الوَلَدَ أَوِ الزَّوْجَةَ كأَن يقولَ أخت ربك أو ابن الله أو يَعْتَرِضُ علَى اللهِ. …

الحث على الإكثار من الطاعة في النصف من شعبان

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ فَإِنِّى أُوصِى نَفْسِى وَأُوْصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَظِيم القائلِ في سورةِ الحجِّ  ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ۩ ٧٧ فَأَمَرَ رَبُّنا عزَّ وَجَلَّ المؤمنينَ بِأَفْضَلِ الأَعْمَالِ بعدَ الإيمانِ وَهِىَ الصَّلاةُ الْمُشْتَمِلَةُ علَى الرُّكوعِ والسُّجودِ وَحَثَّهُمْ علَى التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِسَائِرِ العِبَادَاتِ وَأَمَرَهُمْ بِفِعْلِ الخَيْرِ لِيَكُونَ بِذَلِكَ فَلاحُهُمْ فِي الآخِرَةِ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تباركَ وتعالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْقَاتًا مُبَارَكَةً لِيَتَزَوَّدَ الْمُسْلِمُ فِيهَا لِآخِرَتِه وَإِنَّنَا علَى مَقْرُبَةٍ مِنْ لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ وليلَةٍ كريمةٍ هِىَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ. فَقَدْ رَوَى ابنُ ماجَهْ والبيهقىُّ وغيرُهما عَنِ النبىِّ صلّى الله عليه وسلم إذَا كانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهارَهَا[1] اهـ أى قُومُوا أَغْلَبَ الليلِ بِصَلاةٍ أَوْ تِلَاوَةِ قُرْءَانٍ أَوْ دُعَاءٍ فَإِنَّ الدُّعاءَ في جَوْفِ الليلِ قُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ وَأَرْجَى فِى الاسْتِجَابَةِ وَقَدْ وَرَدَ فِى الدُّعاءِ في تِلْكَ الليلةِ مَا رَوَاهُ البيهقىُّ أنَّ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلم قالَ فَإِنَّ اللهَ تعالَى يَقُولُ أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ أَلَا مِنْ مُسْتَرْزِقٍ فَأَرْزُقَهُ أَلَا مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ أَلَا كَذَا أَلَا كَذَا حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ[2] اهـ والْمَعْنَى أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَأْمُرُ الْمَلَكَ فَيُنَادِى مُخْبِرًا عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كمَا فُسِّرَ ذلكَ بِرِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِىِّ إذَا كانَ لَيْلَةُ النِّصْفِ منْ شَعبانَ نَادَى مُنَادٍ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَه[3] اهـ فَإِنَّ رَبَّنا عَزَّ وجلَّ مُتَّصِفٌ بِالكَلَامِ الأزَلىِّ الأَبَدِىِّ الّذِى ليسَ حَرْفًا وَلَا صَوْتًا وَلَا لُغَةً فَإِنَّ الحروفَ والأَصْوَاتَ واللغاتِ مَخْلُوقَةٌ للهِ تعالَى وَلَا يَتَّصِفُ اللهُ تباركَ وتعالى بِصِفَاتِ المخلوقاتِ ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ[4]. وكذلكَ سائِرُ صفاتِ اللهِ تعالَى مِنَ الحيَاةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ والمشيئَةِ وغَيْرِها مِنْ صِفَاتِ ذَاتِه أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لا تَحْدُثُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ أَىْ لا تُوجَدُ بعدَ أَنْ لَمْ تكنْ موجودةً ولا تتَغَيَّرُ فَلا تتغيَّرُ مشيئَةُ اللهِ لِدُعاءِ دَاعٍ وَلا لِصَدَقَةٍ يَتَصَدَّقُها الشخصُ. وَإِنَّمَا أُمِرْنَا بِالدُّعاءِ إِظْهَارًا لِلْعُبودِيَّةِ فَمَنْ وَافَقَ دُعاؤُه مَا قَدَّرَ اللهُ حُصولَهُ حَصَلَ مَطْلُوبُ العَبْدِ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ دُعاءُ الشخصِ مَا قدَّرَ اللهُ لهُ لَمْ يَحْصُلْ مَطْلُوبُهُ لكنَّهُ اسْتَفَادَ الثَّوابَ. …

التحذيرُ مِنْ مَسَبَّةِ الله

إخوةَ الإيمانِ، إنَّ اللسانَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مُوجِبَةٌ لِشُكْرِ الْمُنْعِمِ .. وشكرُ الْمُنْعِمِ علَى هذهِ النِّعمةِ يكونُ بتركِ اسْتِعْمَالِهَا فيمَا حَرَّمَ اللهُ .. ومِنَ الناسِ مَنْ لا يَشْكُرُ اللهَ على هذهِ النِّعْمَةِ فيُطلِقُونَ ألسِنَتَهُمْ بِما لا يجوزُ لهمُ النُّطقُ بهِ وكثيرٌ مَا هُم .. ومِنْ ذلكَ إخوَةَ الإيمانِ الكَذِبُ وشَتْمُ المسلِمِ بغيرِ حَقٍّ والغِيبَةُ والنَّمِيمَةُ وإِشْعَالُ الفِتْنَةِ بينَ المسلِمينَ وَأَذِيَّتُهُمْ بِالكَلامِ وغيرُ ذلكَ مِنْ مَعاصِي اللِّسانِ .. ومِنهم إخوةَ الإيمانِ مَنْ يَصِلُ إلَى أَكْبَرِ الظُّلمِ أَلا وَهُوَ الكُفْرُ والعِياذُ بِاللهِ .. فتَرَى الواحدَ منهم بدَلَ أَنْ يُعَظِّمَ نِعْمَةَ اللهِ عليهِ يَسْتَعْمِلُها في مَسَبَّةِ اللهِ .. في شَتْمِ اللهِ والعياذُ بِالله .. منهم مَنْ إذَا غَضِبَ سَبَّ اللهَ والعياذُ بِاللهِ .. ومنهم مَنْ يَسُبُّ اللهَ في حالِ الغَضَبِ وفِي حالِ الرِّضا ثم يزعُمُ أنّهُ مُسْلم .. هيهات .. مَنْ سَبَّ اللهَ لا يكونُ مُسْلِمًا فإِنَّ المسلمَ هُوَ مَنْ ءامَنَ وصدَّقَ واعْتَقَدَ أَنْ لا أحَدَ يَسْتَحِقُّ العبادةَ أي نِهايةَ التَّذَلُّلِ والخشوعِ والخضُوعِ إِلا الله وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ واجْتَنَبَ مَا يَنْقُضُ الإِسلامَ .. المسلمُ مَنْ عَقَدَ قلبَهُ علَى تَعظيمِ اللهِ الواحِدِ الأحَدِ التعظِيمَ الوَاجِبَ علَى الدّوامِ وأمَّا مَنْ سَبَّ اللهَ فهذَا لا يَكونُ مُعَظِّمًا لله .. مَنْ سبَّ اللهَ خرَجَ مِنَ الإسلامِ وصارَ مِنَ الكافِرينَ وَلا يُقْبَلُ قولُه بعدَ ذلكَ “أنَا كنتُ غَضْبَانَ وَلَمْ أُرِدْ أَنْ أَكْفُرَ” فَقَدْ بَيَّنَ علماءُ الإسلامِ أَنَّ كَوْنَ الشخصِ غاضِبًا لا يُنْجِيهِ مِنَ الوُقوعِ فِي الكُفرِ إِنْ تَعمَّدَ النُّطْقَ بِالكُفر، أي إِنْ لَمْ يَكُنْ حصولُ ذلكَ منهُ عَنْ سَبْقِ لِسان، فقَدْ نقَلَ الحافظُ النوَوِيُّ عن علماءَ الحنفِيَّةِ وأقرَّهُمْ علَى ذلكَ أنّهُ لَوْ غَضِبَ إنسانٌ علَى وَلَدِهِ أو غُلامِه فضَرَبَهُ ضَرْبًا شَديدًا فقالَ لهُ ءاخَرُ أَلَسْتَ مُسْلِمًا فقالَ لا مُتَعَمِّدًا كفرَ، ومعنَى كلامِ هؤلاءِ العُلماءِ أنَّ المسلمَ إذَا غَضِبَ غضبًا شديدًا علَى ولَدِه فَضرَبَه ضَرْبًا شديدًا بسببِ شدَّةِ غضبِهِ فقالَ لَهُ شَخْصٌ ءاخَرُ كيفَ تضرِبُهُ بهذِهِ القَسْوَةِ ألَسْتَ مُسْلِمًا لأنَّ مِنْ شأنِ المسلمِ أَنْ يكونَ رَحيمًا وَلا يَتَمَادَى في الضَّرْبِ الشَّديدِ للوَلدِ وإِنْ كانَ الشخصُ غاضِبًا فكانَ جَوابُ الضَّارِبِ (لا) أَيْ لَسْتُ مُسلِمًا مِنْ غيرِ سَبْقِ لِسانٍ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْقِدَ وَعْيَهُ فَيُجَنَّ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ ولا يكونُ غضبُه عُذْرًا لَهُ. …

الأنبياءُ والرُّسل

إخوةَ الإيمانِ، إِنَّ وِقَايَةَ القُلُوبِ مِنْ تِلْكَ الأَمْرَاضِ وَطِبَّها مِنْ تِلْكَ العِلَلِ إِنَّما يكونُ بِإِرْشَادِ خَالِقِها العَالِمِ بِها وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ مَا يُرْضِي اللهَ ومَا يُسْخِطُهُ وَمَا يُنْجِي فِي الآخِرَةِ مِمَّا يُهْلِكُ إِلّا مِنْ جِهَةِ الرُّسُلِ الْمُبَلِّغِينَ عَنِ اللهِ فَأَتمَّ اللهُ نِعْمَتَهُ علَى الخَلْقِ بِإِرْسَالِ الرُّسلِ وَالأَنْبِيَاءِ.

فالأنبياءُ عليهمُ الصلاةُ والسلامُ هم صَفْوَةُ الخَلْقِ، فَهُمْ عَلَيْهِمُ الصلاةُ والسلامُ أَعْلَمُ الناسِ وَأَتْقَى الناسِ وَأَبَرُّ النَّاسِ وَأَحْلَمُ النَّاسِ وَأَصْبَرُ النَّاسِ وَأَرْحَمُ النَّاسِ وَأَحْسَنُ النَّاسِ، اخْتَصَّهُمُ اللهُ بِالنُّبُوَّةِ فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً لَا كَسْبًا مِنْهُمْ، بَلِ اللهُ تَعَالَى حَفِظَهُمْ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِ مَنْ يَتَلقَّى مِثْلَ هذِه الأَمَانَةِ فَهَدَاهُمْ لِلْخَيْرَاتِ وَعَصَمَهُمْ مِنَ الـمُنَقِّصَاتِ فَهُمُ الأَئِمَّةُ وَالقُدْوَةُ. …