GR66-ar

لغةُ أهلِ الجنَّة

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهديهِ ونشكرُه ونتوبُ إليه، وأشهدُ أن لا إلـهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ ولا شبيهَ ولا مِثْلَ ولا نِدَّ لَهُ، ولا جُثَّةَ ولا أَعضاءَ له، أَحدٌ صمدٌ لم يلدْ وَلَمْ يُولدْ ولم يكن له كفُوًا أحد، وأشهدُ أنَّ سيّدَنا وحبيبَنا عبدُه ورسولُه. اللهم صلِّ على سيدِنا محمدٍ وعلَى ءالِه وصحابَتِه الطيبينَ الطَّاهرين. أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ الْقَائِلِ ﴿كِتَٰب فُصِّلَت ءَايَٰتُهُۥ قُرءَانًا عَرَبِيّا لِّقَوم يَعلَمُونَ ٣﴾[1] إنَّ اللهَ َجَعَلَ نَبِيَّنَا المصطفى سَيِّدَ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَخِتَامَهُمْ، وجعَلَ شريعتَهُ خَاتِمَةَ الشَّرَائِعِ، وَكِتَابَهُ القُرْءَانَ الكَرِيمَ خَاتمَ الكُتُبِ السماويةِ الشريفةِ، فأنزَلَهُ بِلُغَةٍ هِيَ سَيِّدَةُ اللُّغَاتِ وأفضَلُها، وأَغْنَاها وأَحْلاها وأَيْسَرُها، وَقَدْ قَالَ الحَبِيبُ المصطفى صلى الله عليه وسلم في بَيانِ فَضْلِ اللغةِ العربيةِ وَرِفعتِها وأَهميتِها “أَحِبُّوا العَرَبَ لِثَلاثٍ، لِأَنِّي عَرَبِيٌّ وَالقُرْءَانَ عَرَبيٌّ وكلامَ أَهْلِ الجَنَّةِ عَرَبيٌّ”[2] اهـ رواهُ الحاكمُ في الْمُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ، فَأَيُّ شَرَفٍ وَأَيُّ رِفْعَةٍ وَأَيُّ مَرْتَبَةٍ تِلْكَ التِي نَالَتْهَا لُغَتُنَا الجَلِيلَةُ الجَمِيلَةُ، اللغةُ العربيةُ! …

التحذير من شرب الخمر والمخدّرات والوَشْم

وغَنِيٌ عَنِ البَيانِ مَا لِلخمرِ مِنْ أَضْرار على الصعيدِ الصِّحِّي وَالاجْتِمَاعِيِّ وَلَقَدْ صدقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حيثُ قالَ “لا تَشْرَبِ الخمرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ” رواهُ ابنُ مَاجَه. فكم وكم مِنَ النَّاسِ اقْتَتَلُوا وَسَفَكُوا دِماءَ بَعْضِهِم البَعْض بِسَبَبِ السُّكْرِ الشَّديدِ وَكمْ مِنَ النَّاسِ خَسِرُوا ثَرَواتِهِم وَجَنَى أَعمارِهِم في القِمارِ والْمُراهَناتِ وَهم تحتَ تأثيرِ الخمرِ وكم مِنَ النَّاسِ اغْتَصَبُوا أَقْرَبَ الناسِ إليهم وهُمْ تحتَ وَطْأَةِ تأثيرِ الخمرِ. وتَرَى مِنَ الناسِ مَنْ يَذْهَبُ أبعدَ مِنْ ذلكَ فمَعَ تعَاطِيهِ الخمرَ يُضيفُ إلى ذلكَ خصْلَةً أخرى مِنْ خِصالِ الشَّرِّ التي نَهى عنهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فتَراهُ يَجْمَعُ مَعَ شُربِ الخمرِ تعاطيَ المخدِّراتِ ولا يَخْفَى ما تُؤَدِّي إليهِ المخدِّراتُ مِنَ الضّعفِ والمرضِ والعَجْزِ معَ مَا يَلحقُ صاحبَها منَ الإِثمِ وقد وروى أبو داودَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتّرٍ. والمفتِّرُ هو مَا يُحدِثُ في الجسمِ والعَينِ أثَرًا ضَارًّا. وفي الحديثِ دَلِيلٌ علَى تَحريمِ تعاطِي الْمُخَدِّراتِ مثلِ الحشيشةِ والأفيونِ بل إنَّ كلَّ ما يُؤَدِّي بالإِنسانِ إلَى الهلاكِ فَهُوَ حَرَامٌ أَنْ يَتعاطَاهُ كَمَا دَلَّ علَى ذلكَ قولُه تعالى ﴿وَلَا تَقتُلُواْ أَنفُسَكُم﴾[2] ….

وِلادَةُ سَيِّدِنا عِيسَى المسيحِ عليهِ السَّلامُ

قَالَتِ ٱلمَلَٰئِكَةُ يَٰمَريَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة مِّنهُ ٱسمُهُ ٱلمَسِيحُ عِيسَى ٱبنُ مَريَمَ وَجِيها فِي ٱلدُّنيَا وَٱلأخِرَةِ وَمِنَ ٱلمُقَرَّبِينَ ٤٥ ﴾[1] إخوةَ الإيمان، يَطيبُ لنَا اليَومَ أنْ نتَكَلَّمَ عَن نَبيٍّ عَظِيمٍ مِنْ أُولِي الْعزْمِ خَصَّه اللهُ بِميزَةٍ عَظِيمَةٍ بأنْ خَلَقَهُ اللهُ تَعالَى مِنْ غَيْرِ أَبٍ وما ذاكَ بعزيزٍ علَى اللهِ فقدْ خَلَقَ أبانَا ءادَمَ عليهِ السَّلامُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَأُمٍّ، وأمُّ سيدنا عيسَى أيها الأحبةُ هِيَ السيدةُ مَرْيَمُ عليها السلامُ التي بَشَّرتْها الملائكةُ بِاصْطِفَاءِ اللهِ تعالَى لها منْ بينِ سائرِ النساءِ وبتَطهِيرِها منَ الأدْنَاسِ والرَّذائِلِ. والملائكةُ إخوةَ الإيمانِ ليسُوا ذُكورًا ولا إِناثًا بل هُم عبادٌ مُكرمُون خُلقُوا من نورٍ وقدْ يتشكَّلُون بهيئةِ الذكورِ منْ دُونِ أن يكون لهم ءالةُ الذُّكورِية، وعلى هذه الهيئةِ أَرْسَلَ اللهُ سيدَنا جِبْرِيلَ عليه السلامُ يومًا إِلَى السَّيدةِ مَريمَ مُتَشَكِّلًا بِشَكْلِ شَابٍّ أَبْيَض الوَجْهِ وبَشَّرَهَا بِأَنَّها سَتَحْمِلُ بولَدٍ اسمُه عيسى من غَيْرِ أَبٍ وأن الله سيَجْعَلُهُ دَلِيلًا عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِه سُبْحَانَه وَتَعالَى. نفخَ جِبْريلُ عليهِ السلامُ في جَيْبِ دِرْعِ السَّيدَةِ مريمَ وَهِيَ الفَتْحَةُ التِي عِنْدَ العُنُقِ فَحَمَلَتْ بعيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ ألجأَها وَجَعُ الوِلادَةِ إلى سَاقِ نَخْلةٍ يَابِسَةٍ وهناكَ خَوْفًا مِنْ أَذَى النَّاسِ تَمَنَّتِ الْمَوْتَ فَنادَاها جِبْريلُ عليهِ السلامُ مِنْ أسفلِ الجبلِ يُطَمْئِنُها وَيُخْبِرُها أنَّ اللهَ تبارك وتعالى جَعَلَ تَحْتَها نَهَرًا صَغِيرًا وَيَقولُ لَهَا أَنْ تَهُزَّ جِذْعَ النَّخْلَةِ لِيَتَساقَطَ عَلَيْها الرُّطَبُ الْجَنِيُّ الطريُّ وأن تأكُلَ وتشربَ ممَّا رزقَها اللهُ وأَنْ تَقَرَّ عَيْنُها. ثم بعدَ الوِلادَةِ المبارَكَةِ أَتَتِ السَّيِّدةُ مريمُ عليها السلام قومَها تَحْملُ مَوْلودَها عيسَى عليه الصلاة والسلامُ فَقَالَ لَها قومُها لَقَدْ فَعَلْتِ فِعْلةً مُنْكَرَةً عَظيمةً وَصَارُوا يُؤْذونَها وَهِيَ سَاكِتَةٌ لا تُجِيبُ لأنَّها أَخْبَرَتْهُم أَنَّها نَذَرَتْ للرَّحمَنِ صَوْمًا، وَلَمَّا ضَاقَ بِهَا الحَالُ أَشارَتْ إلَى عِيسَى عليهِ السلامُ أَنْ كَلِّمُوهُ، فأَنْطَقَ اللهُ تعالى سيّدَنا عيسَى عليهِ السَّلامُ وَكَانَ رَضِيعًا فقال ﴿إِنِّي عَبدُ ٱللَّهِ﴾ اعتِرَافًا منه بِعُبُودِيَّتِه للهِ الواحدِ القهارِ ﴿ءَاتَىٰنِيَ ٱلكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّا ٣٠ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنتُ وَأَوصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمتُ حَيّا ٣١﴾. نشأَ عيسى عليهِ السلامُ نَشْأَةً حسنَةً وأَنْزَلَ اللهُ عليهِ الوَحْيَ فدعَا عِيسى قومَهُ كَسائِرِ الأنبياءِ والمرسلينَ إلَى الإِسلامِ إلَى عبادةِ اللهِ وحدَهُ وعدَمِ الإِشراكِ بهِ شيئًا وَبَشَّرَ بِسَيِّدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم ولكنَّهم كَذَّبوهُ وحسدُوهُ ولَمْ يُؤمِنْ بهِ إلا القَليلُ وءاذَوْهُ وسَعَوْا إلى قَتْلِهِ لكنَّ اللهَ حَفِظَهُ وَرَفَعَهُ إلى السماءِ كَمَا جاءَ في القُرءانِ الكريمِ. هذا وأستَغْفِرُ اللهَ لِي وَلكم. …

عظمةُ شُكْرِ اللهِ عَلَى نِعَمِهِ

ولْيُعْلَمْ أَنَّ الشكرَ الذي هو فَرضُ على العبادِ معناهُ عدَمُ استِعْمالِ النعمِ التي مَنَّ اللهُ بها عليكَ كالجَوارِحِ أي أَعْضَاءِ الجِسمِ والمالِ في مَعْصِيَةِ اللهِ. وهذا يَقْتَضِي أَنْ تَتَعَلَّمَ معاصيَ الجوارِحِ لِتَعْرِفَ ما الذِي يَحرُمُ عليكَ اقْتِرَافُهُ لِتَجْتَنِبَهُ، وأَنْ تتعَلَّمَ ما تحتَاجُ إليهِ منْ أَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ لِيَصِحَّ لكَ الكَسْبُ مِنْ طَريقٍ حَلالٍ.

وَمِنَ الناسِ مَنْ هو فَاقِدٌ لِلشُّكْرِ فَلَا يَتَحَقَّقُ لَهُ مِنَ الشكرِ شىءٌ بالمرَّةِ كَالّذي يَتَكَبَّرُ عَنْ قَبولِ الهُدَى فَلا يُؤمنُ بِاللهِ وملائكتِه وكتبِه ورُسُلِه واليومِ الآخرِ، فيعتَقِدُ الكُفْرَ ويرفُضُ التوحيدَ ويأتِي الحرَامَ وَلَا يَرَى فيهِ بَأْسًا فَلا يُوافِقُ على تَحريمِ مَا حَرَّمَ اللهُ وَلَا يَدِينُ للهِ بِالحَقِّ، تَرَاهُ جَبَّارًا عَنِيدًا لا يَرُدُّهُ عَنْ غَيِّهِ دِينٌ وَلَا يَرْدَعُهُ عَنْ ظُلمِهِ شَرْعٌ، وهؤلاءِ مَا تَحقَّقَ لهم مِنْ شُكْرِ اللهِ تعالى شَىءٌ، لأَنَّهُمْ ضيَّعُوا أَصْلَ الوَاجِبَاتِ وأفضَلَها وَهُوَ الإِيمانُ الذِي جَعَلَهُ اللهُ شرطًا لِقَبولِ الأعمالِ الصالحةِ، وحيثُ أَهْمَلَ بعضُ الناسِ هذَا الأَصْلَ كانَ عَمَلُهُمْ بعدَ ذلكَ بِلَا طَائِلٍ وَيَصْدُقُ عليهِمْ قَوْلُ اللهِ تعالى في سورةِ الفُرْقَان ﴿وَقَدِمنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِن عَمَل فَجَعَلنَٰهُ هَبَاء مَّنثُورًا ٢٣﴾.