GR59-AR

 

 

نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِح

عبادَ اللهِ أُوصِي نَفْسِي وإِياكُم بِتَقْوَى اللهِ العَظِيمِ القَائِلِ في كِتَابِه الكَريمِ ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلبَنِينَ وَٱلقَنَٰطِيرِ ٱلمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلفِضَّةِ وَٱلخَيلِ ٱلمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنعَٰمِ وَٱلحَرثِ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلحَيَوٰةِ ٱلدُّنيَا وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسنُ ٱلمَ‍َابِ ١٤﴾[1] فَاتَّقُوا اللهَ عبادَ اللهِ وَلَا تُلْهِيَنَّكُمُ الدُّنْيَا وَشَهَواتُها وَمَتَاعُها وأَمْوَالُها عَمَّا عندَ اللهِ فإِنَّ اللهَ تبارَكَ وتعالى عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَئَاب. قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كمَا في صَحِيحِ مُسْلِمٍ إِنَّ هذَا المالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ ومَنْ أخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كانَ كالذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ اهـ شبَّهَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المالَ مِنْ حَيْثُ الرغبةُ فيهِ والْمَيْلُ إِلَيْهِ وَحِرْصُ النُّفوسِ عليهِ بِالفَاكِهَةِ الخَضْرَاءِ الْحُلْوَةِ الْمُسْتَلَذَّةِ التِي تَمِيلُ إليهَا النفسُ وَتَشْتَهِيهَا فالذِي يأخُذُ المالَ مِنْ طَرِيقٍ حَلالٍ ويَصْرِفُهُ في طريقِ خيرٍ فَيَصْرِفُهُ علَى زَوْجَتِهِ بِنِيَّةٍ حَسنَةٍ أو علَى أولادِه أو على أَبَوَيْهِ أو علَى أَقْرِبَائِه أو يصرفُهُ في وُجوهِ البِرِّ والخيرِ الأُخْرَى فهو نِعمةٌ عَظيمةٌ منَ اللهِ تعالى على عبدِهِ المؤمنِ فالمالُ الذِي يأخُذُهُ المؤمنُ مِنَ الْمَوْضِعِ الذِي أَحَلَّهُ اللهُ وَيَضَعُهُ فِيمَا يُحِبُّ اللهُ يكونُ عَوْنًا لهُ على ءاخِرَتِهِ لأنَّهُ يكونُ وسيلَةً لِكَسْبِ الأَجْرِ في الآخرةِ فَيَكُونُ نِعْمَ الْمَعُونَةُ علَى مَصالِحِ الآخرَةِ كمَا أنهُ مَعُونَةٌ علَى مَصالِحِ المعيشَة. وأمَّا مَنْ أَخَذَهُ بغيرِ حَقِّهِ فَاكْتَسَبَهُ بِطريقَةٍ مُحَرَّمَةٍ فإنهُ يُحْرَمُ بَرَكَتَهُ فيكونُ كالذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ وإِنْ كانَ ذلكَ المالُ كثيرًا وعلَيْهِ وَبَالُ ذلكَ يومَ القِيامَة. …

عذاب القبر

إخوةَ الإيمانِ كَلامُنَا اليومَ عَن حياةِ البَرْزَخِ وَمَا فِيهَا، يِقُولُ رَبُّنا تباركَ وتعالَى ﴿وَمَن أَعرَضَ عَن ذِكرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَة ضَنكا وَنَحشُرُهُۥ يَومَ ٱلقِيَٰمَةِ أَعمَىٰ ١٢٤﴾[1] أَيْ مَنْ أَعْرَضَ عنِ الإِيمانِ بِاللهِ تعالَى ﴿فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَة ضَنكا﴾ أَىْ ضَيِّقَةً في القَبْرِ كَمَا فَسَّرَهَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم. وروَى التِّرمِذِىُّ عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الجنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّار اﻫ وَفِي سُنَنِ النَّسائِىِّ عن عائِشةَ رضِيَ اللهُ عنها قالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ عَذَابِ القَبْرِ فَقَالَ نَعَمْ عَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ اﻫ

فَمِمَّا يَجِبُ التَّصدِيقُ بِهِ إِخْوَةَ الإِيمانِ عَذَابُ القَبْرِ لِلْكَافِرِ وَلِبَعْضِ عُصَاةِ المسلِمِينَ، قالَ الإِمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِىَ اللهُ عنهُ في الفِقْهِ الأَكْبَرِ وَضَغْطَةُ القَبْرِ وَعَذَابُهُ حَقٌّ كَائِنٌ لِلْكُفَّارِ وَلِبَعْضِ عُصَاةِ المسلِمِين اﻫ فلا يَجُوزُ إِنْكَارُ عَذَابِ القَبْرِ بَلْ إِنْكَارُهُ كُفْرٌ، قالَ الإِمامُ أبو منصورٍ البغْدَادِيُّ في كِتَابِ الفَرْقِ بَيْنَ الفِرَقِ وَقَطَعُوا أَيْ أَهْلُ السنّةِ والجماعَةِ بِأَنَّ الْمُنْكِرِينَ لِعَذَابِ القَبْرِ يُعَذَّبُونَ فِي القَبْرِ اﻫ أَىْ لِكُفْرِهِم. …

الحث على الصلاة وصلاة الجماعة

أما بعدُ عبادَ الله، فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ وكَثْرَةِ ذِكْرِهِ، وَأَحُثُّكُمْ علَى طاعَتِهِ وشُكْرِهِ، فقَدْ قالَ رَبُّنَا في مُحْكَمِ كتابه ﴿وَأمُر أَهلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصطَبِر عَلَيهَا لَا نَس‍َلُكَ رِزقا نَّحنُ نَرزُقُكَ وَٱلعَٰقِبَةُ لِلتَّقوَىٰ ١٣٢﴾[1]

إخوةَ الإيمانِ سَنَتَنَاوَلُ في خُطْبَتِنا اليَوْمَ الحديثَ عَنِ الصَّلاةِ التِي جَعَلَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَحَدَ أَعْظَمِ أُمورِ الإِسلامِ الخَمْسَةِ حَيْثُ قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بُنِيَ الإسلامُ علَى خَمْسٍ اهـ[2] وَعَدَّ منها شهادةَ أن لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ ثم إِقَامَ الصّلاةِ فجَاءَتِ الصلاةُ في المرتَبَةِ الثانيةِ بعدَ الشهادَتَيْنِ. …

الآياتُ الْمُحْكَماتُ والآياتُ الْمُتَشابِهات

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ ونَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ العلِيِّ العَظِيمِ القَائِلِ في مُحكَمِ كِتابِه ﴿هُوَ ٱلَّذِي أَنزَلَ عَلَيكَ ٱلكِتَٰبَ مِنهُ ءَايَٰت مُّحكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰت فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيغ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنهُ ٱبتِغَاءَ ٱلفِتنَةِ وَٱبتِغَاءَ تَأوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعلَمُ تَأوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلعِلمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّ مِّن عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُواْ ٱلأَلبَٰبِ ٧﴾[1].

إخوةَ الإيمانِ بيَّنَ ربُّنا تباركَ وتعالى أنَّ القرءانَ فيهِ ءَاياتٌ مُحْكَمَاتٌ وفيهِ ءاياتٌ مُتَشابِهات، فأَمّا المحكماتُ فهِيَ التِي دِلالَتُها علَى المرادِ وَاضِحَةٌ فَلا تَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ بِحَسَبِ وَضْعِ اللغةِ إِلا وَجْهًا واحِدًا أى معنًى واحِدًا كقولِه تعالَى ﴿وَلَم يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُ ٤﴾[2] وقولِه تعالى ﴿لَيسَ كَمِثلِهِۦ شَيء﴾[3] وقَدْ سَمَّى اللهُ تباركَ وتعالَى الآياتِ المحكماتِ بِأُمِّ الكِتابِ أَيْ أُمِّ القُرْءَانِ لأنَّها الأَصْلُ الذِي تُرَدُّ إليهِ الآياتُ الْمُتَشَابِهَاتُ، وأغلَبُ ءاياتِ القُرءَانِ مُحْكَمَة. …