بيان أن الشفاعة حق لأهل الكبائر من المسلمين
أَخِي المؤمنَ اعْلَمْ أنَّ الشفاعةَ لُغَةً هِيَ طَلَبُ الخَيْرِ مِنَ الغَيْرِ لِلْغَيْرِ، وهيَ ثابِتَةٌ بِنَصِّ القُرْءَانِ والحَدِيثِ قالَ تعالى في سورةِ الأنبياءِ ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ ٢٨﴾.
أَخِي المسلمَ الْمُحْتَاجُونَ لِلشَّفَاعَةِ هُمْ أَهْلُ الكَبَائِرِ فَقَطْ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي[1] اهـ مَعْنَاهُ هُمُ الذِينَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا، وَقَوْلُهُ مِنْ أُمَّتِي أَي أُمَّةِ الإِجَابَةِ أَيِ المسلمينَ الذينَ ءامنُوا بِمَا جاءَ بهِ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. أمَّا الأتقياءُ فَلا حَاجَةَ لهم لِلشَّفَاعَةِ كما يُعْلَمُ مِنَ النُّصوصِ الصَّحِيحَةِ الوَاضِحَةِ.
وَمِمَّنْ يَشْفَعُ الأَنْبِيَاءُ والعُلَماءُ العَامِلُونَ والأَوْلِيَاءُ وَالْمَلائِكَةُ. ويَحْسُنُ ونَحْنُ نَتَكَلَّمُ عنِ الشفاعةِ أَنْ نُبَيِّنَ أنْواعَها
النَّوْعُ الأَوَّلُ شَفَاعَةُ إِنْقَاذٍ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ كربِ الْمَوْقِفِ مِنْ أُمَّةِ النبيِّ ومِنْ أُمَمِ سَائِرِ الأنبياءِ وَهِيَ الشفاعَةُ العُظْمَى.
والنوعُ الثاني مِنَ الشَّفاعَةِ هوَ الشفاعَةُ لِلْمُسْلِمينَ العُصَاةِ بعدَ دُخُولِهِمُ النَّارَ لِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِيَ الْمُدَّةُ التِي يَسْتَحِقُّونَها، فقَدْ قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّةِ محمدٍ مِنَ النارِ بِشَفَاعَةِ محمدٍ وَيَدْخُلُونَ الجنَّةَ اهـ[2] …
إِصْلَاحُ الْقُلُوْبِ
اعْلَمُوا أَيُّهَا الأَحِبَّةُ أَنَّ القَلْبَ أَمِيْرُ الجَوَارِحِ وأَشْرَفُ أَعْضَاءِ الْمَرْءِ البَاطِنَةِ وأَنَّ الجَوَارِحَ لا تَصْدُرُ إِلَّا عَنْ أَمْرِه فإنْ صَلَحَ قَلْبُ العَبْدِ صَلَحَ بِذَلكَ سَائِرُ جَسَدِهِ أيْ كلُّ أَعْضَائِه مِنْ أُذُنٍ وَعَيْنٍ وَفَمٍ وَلِسَانٍ وَيَدٍ وَرِجْلٍ وَبَطْنٍ وَفَرْجٍ، وَظَهَرَ أَثَرُ الصَّلَاحِ في هذهِ الجَوَارِحِ، وَإِذَا فَسَدَ القَلْبُ فَسَدَ سَائِرُ الجَسَدِ وَظَهَرَ أَثَرُ الفَسَادِ في هَذه الجَوَارِح، وذلكَ أنَّ الإنسانَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ بِأَيِّ عَمَلٍ مَا مِنْ أَعْمَالِ الخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ، يَحْصُلُ في قَلْبِهِ عَزْمٌ عَلى ذَلك العَمَلِ ثُمَّ يُعْطِي القَلْبُ الإِشَارَةَ لِلْجَوَارِحِ فَتَتَحَرَّكُ لِلْقِيَامِ بِالعَمَلِ فَيَكُونُ هذا الفِعْلُ بِوَاسِطَةِ الأَعْضَاءِ تَعْبِيْرًا عَمَّا انْعَقَدَ في القَلْبِ.
وَحَيْثُ عُلِمَ هَذا فَحَرِيٌ بِالنَّاسِ العَمَلُ عَلى تَصْفِيَةِ القُلُوبِ وحِفْظِهَا مِنَ الأَدْرَانِ وَتَنْقِيَتِهَا مِنَ الأَمْرَاضِ القَتَّالَةِ حتى تَسْتَقِيْمَ فَتَتَحَرَّكَ نَحْوَ الخَيْرِ وَتُحْجِمَ عَنِ الشَّرِّ. …
ليلةُ القَدر
أما بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أُوصيكُمْ ونَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ. يقولُ اللهُ تعالَى فِي سُورةِ القَدْر ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ ١﴾ ها قد دَخَلْنا بِحَمْدِ اللهِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ المبارَكِ، نَعُدُّ أيَّامَهُ المبارَكَاتِ البَاقِيَات، وَقَدْ كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلّم يَجِدُّ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ بِالاعتِكافِ في المسجِدِ وقِيامِ الليل. خَصَّ اللهُ تبارك وتعالَى رمضانَ المبارَكَ بِمَا خَصَّهُ بهِ دونَ سَائِرِ الشُّهورِ، فَفِيهِ أُنْزِلَ القُرءانُ الكَريمُ علَى محمَّدٍ وَفِيهِ أُنْزِلَ الإِنجيلُ الصَّحيحُ علَى عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ وفيهِ أُنْزِلَتِ التَّورَاةُ الصّحيحةُ علَى مُوسَى بنِ عِمْرَانَ صلى الله عليهِم وسلم. في ليلةِ القَدْرِ أُمِرَ جبريلُ عليهِ السّلامُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ اللّوحِ المحفُوظِ القُرءانَ الكريمَ وَنَزَلَ بهِ دفعةً واحدَةً إلى بيتِ العِزَّةِ في السَّماءِ الأولى، ثمّ بعدَ ذلكَ نزَلَتْ ءاياتُ القرءانِ الكريمِ مُفَرَّقَةً وَكانَتْ ليلةُ القَدْرِ ءانَذَاكَ لَيْلةَ الرَّابِعِ والعِشرينَ مِنْ رَمضانَ. نزلَ القرءانُ الكريمُ في ليلةٍ مُبارَكَةٍ كمَا قالَ اللهُ تعالَى في سورةِ الدُّخَان ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَة مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣﴾ هذهِ اللّيلَةُ المبارَكَةُ هيَ ليلةُ القَدْرِ وليستِ الآيَةُ عن ليلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، ليلةُ القَدْرِ هِيَ اللّيلةُ التِي قَالَ اللهُ تعالَى فيهَا ﴿فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ ٤﴾[1] أَيْ فيهَا يُطْلِعُ اللهُ تعالَى ملائكتَه الكرامَ على أَخبارِ السَّنةِ القابِلَةِ مِنْ إِماتَةٍ وإِحْيَاءٍ، وَمَنْ مِنْ عِبادِه سَيَبْتَلِيهِمُ اللهُ تعالى بِالمرضِ والفَقْرِ والبَلاءِ، ومَنْ مِنْهُمْ يُنْعِمُ اللهُ عليهِمْ بِالصِّحَّةِ والغِنَى. …
في معنَى الشهادةِ الثانية
أما بعدُ عبادَ الله، أُوصِي نفسِي وإِيَّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظيمِ القَائِلِ في مُحكَمِ التَّنْزِيلِ ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُور رَّحِيم ٣١ قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢﴾[1]
اعْلَمُوا أَيُّها الأَحِبَّةُ أَنَّ طَرِيقَ السَّلامةِ في الدنيا والآخرةِ هو اتِّباعُ سيِّدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم اتِّباعًا كامِلًا ويكونُ بالإِيمانِ باللهِ كمَا يَجبُ والإيمانِ بِالرَّسولِ محمدٍ صلى اللهُ عليهِ وسلم كما يَجِبُ ثُمَّ بأَدَاءِ جَميعِ الوَاجباتِ واجْتِنَابِ جَميعِ الْمُحَرَّمَاتِ. …

