الحمدُ للهِ الذِي عَلَّمَ الإنسانَ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، وقَيَّضَ لِهذَا الدينَ رِجَالًا يُفْتُونَ بِعِلْمٍ فَإِذا لَمْ يَعْلَمُوا لَمْ يَغْفُلوا لَا أَعْلَم، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومِنْ سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهدِ اللهُ فلا مُضلَّ لَه ومَنْ يُضللْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إِلَهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ ولا شَىْءَ مِثْلُهُ ولا شىءَ يُعْجِزُهُ، لا تَبْلُغُه الأوهامُ وَلَا تُدْرِكُهُ الأفهامُ وَلَا يُشْبِهُ الأنام.
وأشهدُ أنَّ سيّدَنا محمدًا عبدُ الله الْمُصْطَفَى ونَبِيُّهُ الـمُجْتَبَى ورسولُهُ الـمُرْتَضَى، وأنَّهُ خاتَمُ الأنبياءِ وإمامُ الأتقياءِ، وسيدُ المرسلين وحبيبُ رَبِّ العالمين. فصلى اللهُ على محمدٍ وعلى ءالِه الطاهرينَ وصحابَتِه الـطَّيِّبينَ وَسَلَّم.
أما بعدُ فأوصِي نفسِي وأوصيكم بتقوى اللهِ العَلِيِّ العظيمِ ألَا فاتَّقُوهُ وخَافُوه وأْتَمِرُوا بِأَوَامِرِه وَانْتَهُوا عَنْ نَوَاهِيهِ وَاثْبُتُوا علَى هَدْيِ النبيِّ محمدٍ عليهِ أفضَلُ الصلاةِ وأَتَمُّ التَّسلِيم.
اعلموا إخوةَ الإيمانِ أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالَى سَائِلٌ عَبْدَهُ يومَ القيامِةِ عَنْ كَلامِه وسَمْعِهِ وبَصَرِهِ وفُؤادِه وأنَّ اللهَ سائلٌ عبدَه عن قولِه في الدنيا هذَا يجوزُ وهذَا لا يَجوزُ فقد قالَ ربُّنا تبارك وتعالى في القرءانِ الكريمِ ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ اِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤٰادَ كُلُّ اُولٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾[1] أي لا تقُلْ قولًا بغيرِ عِلم، فالفَتْوَى بغيرِ عِلْمٍ مِنَ الكَبَائِر، روَى الحافِظُ ابنُ عساكر[2] أنَّ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلم قالَ مَن أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ لَعَنَتْهُ ملائكَةُ السَّمَاءِ والأَرْضِ اهـ فإذَا كانَ الأمرُ كذلكَ إخوةَ الإيمانِ فمَا مَعْنَى أَنْ يُفتَى بِعِلْم، واسمعُوا معِي فَإِنَّ الذِي يُفْتِي إِمَّا أن يكونَ مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا في الفُتْيَا لِمُجْتَهِدٍ وَإِمّا أنْ يكونَ مُتَجَرِّئًا علَى الفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْم. أمَّا المجتهدُ فَهُوَ مَنْ لَهُ أهْلِيَّةُ الاجتهادِ أي مَنْ يَجُوزُ لَهُ ذلكَ بِنَاءً علَى صِفَاتٍ مُعَيَّنَةٍ وَشُرُوطٍ لا بدَّ أنْ تَجْتَمِعَ فيهِ، وهِيَ ليسَتْ موجودَةً في أَغْلَبِ أَهْلِ العَصْر. قالَ الإمامُ الشافعيُّ رحمهُ اللهُ ولا يكونُ الشخصُ أهلًا للاجتهادِ حتَّى يكونَ عالِمًا بِمَا مَضَى قبلَهُ مِنَ السُّنَنِ وأَقْوالِ السَّلفِ وإجْماعِ النَّاسِ واخْتِلَافِ العُلَمَاءِ حتَّى لا يَخْرِقَ الإجماعَ، وأن يكونَ عالِمًا بِلُغَةِ العَرَبِ وَمعانِي مَا وَرَدَ في النُّصوصِ الشرعية على وَفْقِ كلامِ العرب. ويُشْتَرَطُ في المجتهدِ أن يكونَ حَافِظًا لِآياتِ الأَحْكَامِ وأَحَاديثِ الأَحْكَامِ ومع معرفَةِ أسانيدِها ومعرفةِ أحوالِ رِجالِ الإِسنادِ ومعرفةِ النَّاسخِ والمنسوخِ والعامِّ والخاصِّ والـمُطلَقِ والـمُقَيَّدِ معَ فِقْهِ النَّفْسِ أي قُوَّةِ الفَهْمِ والإِدراكِ ومعَ العدَالَة، فمِثلُ هذا إِنْ أفْتَى يُفْتِي على حَسَبِ اجْتِهادِهِ. وأين يُوجَدُ مَنْ يَجْمَعُ كُلَّ هذهِ الصفاتِ في هذَا الزَّمَن، وأمّا إذَا لم يكنِ الشخصُ بهذهِ الصفاتِ فيعتَمِدُ على فَتْوَى إمامٍ مُجْتَهِدٍ أي يَنْقُلُ قَوْلَ الْمُجْتَهِدِ في المسأَلَةِ. وأمَّا مَنْ تَسَوَّرَ مَرْتبَةً لَيْسَ أهلًا لها فصارَ يُفْتِي الناسَ بغَيرِ علمٍ، صارَ يُفْتِي الناسَ على وَفْقِ هَواهُ فهو خَائِبٌ خائنٌ يفْضَحُه اللهُ تباركَ وتعالى في الدنيا قبلَ الآخرةِ كمَا قالَ إِمَامُنا الشافعيُّ رضي اللهُ عنهُ مَن سَامَ بِنَفْسِهِ فَوْقَ مَا يُساوِي رَدَّهُ اللهُ تعالى إلى قِيمَتِه[3] اهـ