لغةُ أهلِ الجنَّة

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهديهِ ونشكرُه ونتوبُ إليه، وأشهدُ أن لا إلـهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ ولا شبيهَ ولا مِثْلَ ولا نِدَّ لَهُ، ولا جُثَّةَ ولا أَعضاءَ له، أَحدٌ صمدٌ لم يلدْ وَلَمْ يُولدْ ولم يكن له كفُوًا أحد، وأشهدُ أنَّ سيّدَنا وحبيبَنا عبدُه ورسولُه. اللهم صلِّ على سيدِنا محمدٍ وعلَى ءالِه وصحابَتِه الطيبينَ الطَّاهرين. أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ الْقَائِلِ ﴿كِتَٰب فُصِّلَت ءَايَٰتُهُۥ قُرءَانًا عَرَبِيّا لِّقَوم يَعلَمُونَ ٣﴾[1] إنَّ اللهَ َجَعَلَ نَبِيَّنَا المصطفى سَيِّدَ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَخِتَامَهُمْ، وجعَلَ شريعتَهُ خَاتِمَةَ الشَّرَائِعِ، وَكِتَابَهُ القُرْءَانَ الكَرِيمَ خَاتمَ الكُتُبِ السماويةِ الشريفةِ، فأنزَلَهُ بِلُغَةٍ هِيَ سَيِّدَةُ اللُّغَاتِ وأفضَلُها، وأَغْنَاها وأَحْلاها وأَيْسَرُها، وَقَدْ قَالَ الحَبِيبُ المصطفى صلى الله عليه وسلم في بَيانِ فَضْلِ اللغةِ العربيةِ وَرِفعتِها وأَهميتِها “أَحِبُّوا العَرَبَ لِثَلاثٍ، لِأَنِّي عَرَبِيٌّ وَالقُرْءَانَ عَرَبيٌّ وكلامَ أَهْلِ الجَنَّةِ عَرَبيٌّ”[2] اهـ رواهُ الحاكمُ في الْمُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ، فَأَيُّ شَرَفٍ وَأَيُّ رِفْعَةٍ وَأَيُّ مَرْتَبَةٍ تِلْكَ التِي نَالَتْهَا لُغَتُنَا الجَلِيلَةُ الجَمِيلَةُ، اللغةُ العربيةُ!

لَيْسَ يَخْفَى علَى العَاقِلِ اللَّبِيبِ أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنَ اللغَةِ العَرَبِيَّةِ وَعُلومِها هُوَ مِفْتَاحٌ مُهِمٌ مِنْ مَفَاتِيحِ فَهْمِ كِتَابِ اللهِ تَعالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ المصطفى صلى الله عليه وسلم، فَدُونَكُمْ عِلْمَ التَّفْسِيرِ الذي هو مِنْ أَعْظَمِ العُلُومِ وَأَجَلِّها وَسَائِرَ عُلومِ القُرءانِ وَتَفْسِيرَ الحَدِيثِ الشريفِ وأُصُولَ الفِقهِ فلا غِنَى لِمَنْ يَدْرُسُها وَيُدَرِّسُها عَنْ مَعْرِفَةِ النَّحْوِ والصَّرْفِ والبَلاغَةِ وفِقْهِ اللغةِ العربيةِ كمَا أنهُ لا غِنَى لِحَيَاةِ الإنسانِ عن قلبِه ودِماغِهٌ، والشَّأْنُ ذاتُه في عِلْمِ التوحيدِ والفقهِ والفِرَقِ، بل إنَّ كثيرًا مِنْ شُبَهِ الْمُعتزلةِ والمجسمةِ والحُلوليِّينَ قامَتْ علَى جهلِهم بمواضعَ مِنْ قَوانينِ اللغةِ وأَحكامِها، وَبِمَعْنَى اللغةِ العربيةِ وقَدْ ذكَرَ لنَا التاريخُ كثيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ. فما كانَ منَ الأئمةِ الأعلامِ ءانذَاك إلَّا أَنْ جَرَّدُوا صَارِمَ العَزْمِ وقلمَ التَّحقيقِ والرَّدَّ المتينَ، فَبَدَّدُوا غَياهِبَ تِلكَ الشُّبَهِ بسَاطِعِ الدَّلائِلِ والبَرَاهِينِ، مُتَّخِذِينَ مِنْ عُلُومِ اللُّغةِ العَربيةِ ذَخِيرةً عِلْمِيَّةً. تلكَ هيَ لُغَتُنا العربيةُ لغةُ القرءانِ الكَريمِ التي نَعْتَزُّ بِها وَنَتَمَسَّكُ بِهَا، وَنَأْبَى أَنْ نَرْضَى بِإِهْمَالِها أَوِ التَّخَلِّي عنهَا وعن عُلُومِها أوِ التَّلاعُبِ بِها أَو تَحْريفِها أَوْ تَحْرِيفِ قواعِدِهَا فالجِدَّ الْجِدَّ في تَعَلُّمِهَا وَحِفْظِ مُتُونِها والتَّمَكُّنِ فِيهَا فَإِنَّ في ذَلِكَ صِيَانَةً لِأَمْرِ الدِّينِ وَتَقْوِيَةً لِلصِّلَةِ بَيْنِ رُبُوعِ الْمُسْلِمِينَ، وفي ذلكَ رِفْعَةَ الدَّرَجَاتِ عِنْدَ اللهِ سُبحانَهُ وتعالَى ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَليَتَنَافَسِ ٱلمُتَنَٰفِسُونَ ٢٦﴾[3] هذا وأستغفر الله لي ولكم

الخطبةُ الثانيةُ

إنّ الحمدَ للهِ نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستهدِيهِ ونشكُرُه، والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنا محمدٍ وعلَى إِخوانِه النبيِّينَ وَالْمُرْسَلِين. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أوصيكُمْ ونفسِي بتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ فاتّقوه. اللهمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعاءَنا فَاغْفِرِ اللهمَّ لنا ذُنوبَنَا وإِسرافَنَا في أمرِنا، اللهمَّ اغفِرْ لِلمؤمنينَ والمؤمناتِ الأَحْياءِ منهم والأَمواتِ، اللهم مَتِّعْنا بِأَسْمَاعِنا وأَبْصارِنا وَقُوَّتِنا واجْعَلْهُ الوَارِثَ منّا مَا أَحْيَيْتَنا، اللهمَّ لا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنا في دينِنا، ربَّنا ءاتِنَا فِي الدُّنيا حسنَةً وفِي الآخرَةِ حسنَةً وقِنَا عَذَابَ النارِ. عبادَ الله إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ والإِحسانِ وإِيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون. وَأَقِمِ الصلاة.

[1] سورة فصلت.

[2] رواه الحاكم في المستدرك. ذكر فضائل الأمة بعد الصحابة والتابعين.

[3] سورة المطففين.