عاشوراء

إنّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهدِيهِ ونشكرُهُ ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومنْ سيّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضلِلْ فلا هاديَ لهُ. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ ولا مثيلَ لهُ، ولا ضدَّ ولا نِدَّ لهُ، وأشهدُ أنّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرّةَ أعيُنِنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفِيّهُ وحبيبُهُ، بلّغَ الرِسالةَ وأدّى الأمانةَ ونصَحَ الأمّةَ فجزَاهُ اللهُ عنَّا خيرَ ما جزَى نبيًّا مِنْ أنبيائِه. اللهمَّ صلِّ على سيّدِنا محمّدٍ خيرِ الكائناتِ وعلى سائرِ إخوانِه منَ النبيينَ الْمُؤَيَّدِينَ بِالمعجزاتِ البَاهرَاتِ وَسَلِمْ تَسْلِيمًا كَثيرًا.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنّي أُوصِيكُمْ ونَفْسِي بتَقْوَى اللهِ العَلِيِ العَظيمِ.

أيها الأَحِبَّةُ، ذِكْرَى عَاشُورَاءَ العاشرِ مِنْ شَهْرِ الْمُحَرَّم، ذِكْرَى اليَوْمِ الذِي نَجَّى اللهُ فيهِ سيّدَنا نُوحًا وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الطُّوفانِ وأَنْزَلَهُمْ من السفينةِ سَالِمِينَ وذِكْرَى اليَوْمِ الذِي نَجَّى اللهُ فيهِ سَيِدَنا مُوسَى وأَتْبَاعَهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ فِرْعَوْنَ الظالِمِ الكافرِ الأَثيمِ فَقَدْ مرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأناسٍ وَقَدْ صَامُوا يومَ عاشُوراءَ فقالَ مَا هذَا مِنَ الصَّومِ قالُوا هذا اليومُ الذِي نَجَّى اللهُ فيهِ مُوسى وبَنِي إسرائيلَ مِنَ الغَرَقِ وغَرِقَ فيهِ فِرْعَوْنُ وهذا اليومُ اسْتَوَتْ فيهِ السفينَةُ أي سفينَةُ نُوحٍ على الجُودِيِّ فصامَهُ نُوحٌ ومُوسَى شُكْرًا للهِ عَزَّ وَجَلَّ فقالَ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلمَ أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى وأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا اليَوْم فأمَرَ أَصحابَه بِالصَوْمِ اﻫ

إخوةَ الإيمانِ سيدُنا مُوسَى كانَ في زَمَنِ الملِكِ الظالِمِ الطاغيةِ فرعونَ وكانَ يَدَّعِي الألوهيةَ والعياذُ باللهِ تعالَى، فأمرَ اللهُ سيّدَنا مُوسَى عليهِ السلامُ أن يذهبَ إلى فِرعونَ لِيَدْعُوَهُ إلى الإسلامِ إلى تَوحيدِ اللهِ وتَنْزِيهِهِ عَنِ الشَّريكِ والشبيهِ، فذَهبَ إليهِ وأَراهُ المعجِزاتِ البَاهِرَاتِ القَاطِعَاتِ بأنهُ مُرْسَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَعَ ذلكَ كفَرَ بهِ فرعونُ وأبَى وَاسْتَكْبَرَ وءَاذَى قَوْمَهُ مِنَ المؤمنينَ فخرجَ موسى عليه السلام وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ بنِي إِسرائيلَ مِنْ مِصْرَ وكانَوا ستَّمائَةِ أَلْفٍ، ولَحِقَهُ فِرْعَوْنُ وخَرجَ معهُ ألفُ أَلْفٍ وَسِتُّمِائةِ أَلفٍ مِنَ الْمُقاتِلينَ يُريدُ إِبَادَةَ مُوسى ومَنْ مَعه لكنَّ اللهَ نَصَرَ رَسولَه، قال تعالى ﴿فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡق كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ ٦٣﴾[1] انفلَقَ البَحْرُ أيُّها الأحبَّةُ اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقًا كُلُّ فِرْقٍ منهَا كَالجبلِ العَظيمِ وبَينَ كُلِ فِرْقَيْنِ طريقٌ يَابِسٌ فدخلَ مُوسى ومن معهُ البحرَ ولَحِقَ بهم فرعونُ وجُنودُه فأغرَقَهُمُ اللهُ أجمعينَ ونجَّى موسى ومن معه قالَ الله تعالَى ﴿وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩٠ ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٩١﴾[2] أي عندما أدرَكَ فرعونَ الهلاكُ والغرقُ أعلنَ التوبَةَ لكنّ التوبةَ لا تنفَعُ في تِلْكَ الحالةِ لأنَّ مِنْ شُروطِ التوبةِ أن تكونَ قبلَ حالَةِ اليَأْسِ مِنَ الحياةِ كَإِدْرَاكِ الغَرَقِ لا مَحالَةَ وَهُوَ ما حصلَ معَ عَدُوِّ اللهِ فرعونَ قالَ اللهُ تعالى ﴿وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ إِنِّي تُبۡتُ ٱلۡـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمۡ كُفَّارٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيما ١٨[3].

أيُّها الأحبةُ الكِرامُ ضربَ لنا أنبياءُ اللهِ الْمَثَلَ في الدَّعوةِ إلَى اللهِ والصَّبْرِ على ذلكَ وعلَى مَنْهَجِهِمْ سَارَ الصحابةُ الكِرَامُ وأهلُ البَيْتِ العِظَامُ فبذَلُوا الأَنْفُسَ والْمُهَجَ دِفَاعًا عن دِينِ اللهِ تعالَى. فنسأَلُ اللهَ تعالَى أَنْ يُوَفِقَنَا للْمُضِيِ علَى مِنْهاجِهِمْ. هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم.

الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنا محمدٍ وَرَضِيَ اللهُ عَنْ أُمَّهاتِ المؤمِنينَ خديجةَ وَحَفْصَةَ وعائِشَةَ الوَلِيَّةِ الطَّاهِرَةِ النَّقِيَّةِ الْمُبَرَّأَةِ وَسَائِرِ نساءِ النبيِّ مِنَ الرِّجْسِ وَعَنِ الخُلفاءِ الرَّاشدِينَ أبِي بكرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ وَعَلِىٍّ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أوصيكُمْ ونفسِي بتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.

عبادَ اللهِ إنهُ مِمّا وَرَدَ عنِ النبِيِ صلى الله عليه وسلم سُنّيَّةَ صيامِ يومِ عاشوراءَ كمَا جاءَ في الحديثِ الذِي ذَكَرْتُهُ لكم في الخُطْبَةِ الأُولَى، وَيُسَنُّ صيامُ تاسوعاءَ كذلكَ معَه وهُو التاسعُ مِنَ الْمُحَرَّمِ لِقَوْلِه صلى الله عليه وسلم لَئِنْ بَقِيتُ إلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ اﻫ أي معَ العَاشِرِ رَواهُ مسلمٌ، فإنْ لَمْ يَصُمْ معَهُ تاسوعاءَ سُنَّ أَنْ يَصُومَ معه الحادي عَشر، بل نصَّ الشافعيُّ علَى استِحْبَابِ صومِ الثلاثةِ فَلا تُفَوِتُوا هذَا الخَيْر.

اللهم اغفِرْ لِلمؤمنينَ والمؤمناتِ الأَحْياءِ منهم والأَمواتِ، ربَّنا ءاتِنَا فِي الدُّنيا حسنَةً وفِي الآخرَةِ حسنَةً وقِنَا عَذَابَ النارِ، اللهمَّ الْطُفْ بالمسلمينَ واكْفِهِمْ ما أَهَمَّهُمْ وَقِهِمْ شَرَّ مَا يَتَخَوَّفُونَ وَفَرِّجْ كُرُباتِهِمْ واشفِ مرضاهُمْ وَارْحَمْ مَوتَاهُمُ الْمُؤمِنِين، اللهم اجْزِ الشيخَ عبدَ اللهِ الهررِيَّ رَحَمَاتُ اللهِ عليهِ عنَّا خَيْرا. عبادَ الله إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ والإِحسانِ وإِيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون، وَأَقِمِ الصلاةَ.

[1] سورة الشعراء/63.

[2] سورة يونس/ 90- 91.

[3] سورة النساء/18.