احذروا الغيبة المرض الهدام

الحمدُ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونستغفِرُهُ ونستَرْشِدُهُ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومِنْ سيئاتِ أعمالِنا مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ ولا شبيهَ ولا مَثِيلَ لَهُ مَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبالكَ فاللهُ بِخِلافِ ذلكَ وَمَنْ وَصَفَ اللهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِي البَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ، وأشهدُ أَنَّ سیدَنا وحبيبَنا محمدًا عَبْدُ اللهِ ورسولُه وصفيُّهُ وحبيبُه. اللهمَّ صلِّ على سيدِنا محمدٍ وعلَى ءالِه وصحبِه الطيبينَ الطاهرينَ.

أما بعدُ عبادَ اللهِ فَأُوصِي نَفْسِي وإياكُمْ بِتَقْوَى اللهِ القائلِ في سورةِ الحُجُرَاتِ ﴿وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّاب رَّحِيم ١٢﴾.

اعلموا مَعْشَرَ الأَحِبَةِ أَنَّ الغِيبَةَ منَ الذُّنوبِ القبيحَةِ والأَمراضِ الهَدَّامةِ ومَا أَكثرَ انْتِشَارَها اليومَ بينَ صُفُوفِ الناسِ وجديرٌ بِنَا أَنْ نُحَذِّرَ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّ كثيرًا منَ الناسِ يَقَعُونَ في الغِيبَةِ وهم لا يَشعُرونَ أنّهم واقِعونَ فيها وقد عَرَّفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الغيبةَ، فَعَنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ أَتَدْرُونَ مَا الغِيبَةُ قالُوا اللهُ ورسولُه أَعْلَمُ قالَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ قيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كانَ في أَخِي مَا أَقُولُ قالَ إِنْ كانَ فيهِ مَا تَقولُ فَقدِ اغْتَبْتَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ اهـ رَواهُ مُسْلِمٌ. ومعنَى بَهَتَّهُ أَيِ اتَّهَمْتَهُ بِمَا ليسَ فِيهِ وَالبُهْتَانُ أَشَدُّ إِثْمًا مِنَ الغيبةِ لأنَّ فيهِ كَذِبًا.

فالغيبةُ هي ذِكرُكَ أخاكَ المؤمنَ الحيَّ أوِ الميتَ صغيرًا كانَ أَمْ كَبيرًا بِما فيهِ مما يكرهُهُ لو سَمِعَه، سواءٌ كانَ مِمَّا يتعلَّقُ بِبَدَنِهِ أو نَسَبِه أو ثوبِه أو دارِه أو خُلُقِهِ، كأَنْ يقولَ قائلٌ فلانٌ قَصِيرٌ أَو قَليلُ الأدَبِ أَوْ وَسِخُ الثيابِ أو تحكُمُهُ زوجتُه أو نحو ذلك مِنْ كلِّ ما يعلَمُ أنهُ يكرهُهُ لو سَمِعَهُ.

وليُعْلَمْ أنهُ كمَا يَحْرُمُ قولُ الغيبةِ فإنهُ يحرُمُ استِماعُها أيضًا وقد قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ في سورةِ الفُرقَانِ في وَصْفِ بَعْضِ مَنْ مَدَحَهُمْ ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَاما ٧٢. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ من طريقِ أبي الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ منْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ القِيامَةِ اهـ وَيُسْتَفَادُ مِنْ هذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الإِصْغَاءُ إلى الغِيبةِ، فَمَنْ حَضَرَ مَجْلِسًا يَشْتَغِلُ أهلُه بالغِيبَةِ المحرَّمَةِ والوُقُوعِ في أَعْرَاضِ الناسِ فعليهِ أَنْ يَمْنَعَ الغِيبَةَ إِنْ كانَ مُسْتَطِيعًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فإِنْ لم يَستطِعْ فبقلبِه أي يَكْرَهُ هذا المنكرَ بقَلبِه ويُفارِقُ المجلسَ ولا ذَنْبَ عَلَيْهِ.

وقد رُويَ أنَّ أحدَ الصالحينَ كانَ يَقعُدُ في المجالِسِ معَ الناسِ يَتَحَدَّثُ معهم فإذَا أخَذُوا في الغِيبَةِ وأَعْرَاضِ الناسِ نَصَحَهُمْ وَانْصَرَفَ، فَقِيلَ لهُ مرَّةً ما بَالُكَ تَكونُ معنَا فإذا خُضْنا في حديثِ الناسِ انْصَرَفْتَ فقالَ أَنا لم أَرضَ عن نفسِي فَلِماذا أَتَكَلَّمُ علَى الناسِ اهـ فرَحِمَ اللهُ صاحبَ هذهِ النفسِ الأَبِيَّةِ الذي نظَرَ بعينِ البَصيرةِ فأخَذَ في تَقويمِ نفسِه وَإِصْلاحِها وَلم يتَشاغَلْ بِالقِيلِ والقَالِ كحَالِ كثيرٍ منَ الناسِ اليَوْمَ تَرَى الوَاحِدَ منهم غارِقًا في مُسْتَنْقَعَاتِ الجهلِ والإِثمِ والهوَى وهو معَ هذَا لا يَنْفَكُّ يُفَتِّشُ عنْ عُيوبِ الناسِ وَيَبُثُّها وَيَنْشُرُها. وقَدْ روَى البخاريُّ في الأدبِ المفردِ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنهُ قالَ يُبْصِرُ أحَدُكُمُ القَذَاةَ في عينِ أخيهِ وَيَنْسَى الجِذْلَ أو الجِذْعَ في عينِ نفسِه اهـ وَالجِذْلُ الخَشَبَةُ العَالِيَةُ الكَبِيرَةُ، والقَذَاةُ مِنَ القَذَى وهُوَ الوَسَخُ يَسْقُطُ مِنَ العَيْنِ. فَمَنْ عَلِمَ هذَا فَلْيَتَيَقَّظْ فإنَّ كثيرًا مِنَ الْمَشاكِلِ وَالخُصُوماتِ التي نُعانِيهَا في مُجْتَمَعاتِنا يَرْجِعُ سببُها إلى تلكَ المجالسِ التي تُعْقَدُ لِلكلامِ على أحْوالِ الناسِ وعُيوبِهم لِلتَّفَكُّهِ. ثم ليَعْلَمْ هذا الذِي يَغتابُ الناسَ أنهُ مُسْتَحِقٌّ لِعَذَابِ اللهِ إِنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ ذَنْبِه، فيجبُ علَى مَنِ اغْتَابَهُ أَنْ يَسْتَسْمِحَهُ لِتَصِحَّ توبتُه قبلَ أَنْ يُفْضِيَ إلى يومٍ لا دِرْهَمَ فيهِ ولا دينارَ أَمَّا إِنْ كانَتِ الغِيبةُ لم تبلُغِ الذِي اغْتِيبَ فيَكْفِي الظالمَ أن يتُوبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخبِرَهُ. هذا وأستغفرُ اللهَ.

الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنا محمدٍ وعلَى إِخوانِه النبيِّينَ وَالْمُرْسَلِين. وَرَضِيَ اللهُ عَنْ أُمَّهاتِ المؤمِنينَ خديجةَ وَحَفْصَةَ وعائِشَةَ الوَلِيَّةِ الطَّاهِرَةِ النَّقِيَّةِ الْمُبَرَّأَةِ وَسَائِرِ نساءِ النبيِّ مِنَ الرِّجْسِ وءالِ البَيْتِ الطَّاهِرينَ وَعَنِ الخُلفاءِ الرَّاشدِينَ أبِي بكرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ وَعَلِىٍّ أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أوصيكُمْ ونفسِي بتَقوَى اللهِ.

اللهمَّ ءاتِنَا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنَا عذابَ النارِ اللهمَّ الْطُفْ بالمسلمينَ واكْفِهِمْ ما أَهَمَّهُمْ وَقِهِمْ شَرَّ مَا يَتَخَوَّفُونَ وَفَرِّجْ كُرُباتِهِمْ واشفِ مَرْضَاهُمْ وَارْحَمْ مَوتَاهُمُ الْمُؤمِنِين وَقِهِم شَرَّ مَا يَتَخَوَّفُونَ اللهمَّ أَصْلِحْ لنَا دِينَنا الذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا وَأَصْلِحْ لنَا دُنْيَانَا التِي فيهَا مَعَاشُنَا وأصلِحْ لنَا ءاخِرَتَنا التي فِيهَا مَعَادُنا واجْعَلِ الحياةَ زِيَادَةً لَنَا في كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ کُلِّ شَرٍّ عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ وَالِإحسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَی عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.