إن الحمدَ للهِ نحمَدُهُ سُبحانَه وتَعالَى وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُه، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَسَـيِّـئَاتِ أَعْمَالِنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومن يُضلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له ولا مَثيلَ لَهُ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ ولا أَعضاءَ ولا هيئةَ ولا صورةَ ولا شكلَ ولا مكانَ لهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنَا وقائِدَنا وقرَّةَ أعيُنِنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه بلَّغَ الرِّسالَةَ وأدَّى الأمانَةَ ونصَحَ الأُمَّةَ فجزاهُ اللهُ عنا خيرَ ما جَزَى نبيًا من أنبيائِه. اللهم صلِّ على محمدٍ صلاةً تقضِي بِها حاجاتِنا وَتُفَرِّجُ بِها كُرُباتِنا وَتَكفِينَا بِها شَرَّ أعدائِنا وسلِّمْ عليه وعلى ءالِه سلامًا كثيرًا.
أما بعد عبادَ اللهِ، فَإني أُوصِيكُمْ ونفسِي بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العظيمِ، يقولُ اللهُ تعالى ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِر يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق ٢٧ لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّام مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ ٢٨﴾[1].
أيها المسلمون لقدِ استَجابَ اللهُ دعوةَ نبيِّهِ إبراهيمَ صلى الله عليه وسلم وجعلَ الكعبةَ البَيْتَ الحرامَ مقصِدَ الملايين مِنَ المسلمِينَ يَؤُمُّونَها كُلَّ عامٍ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عمِيقٍ مِنْ مَشارِقِ الأرضِ وَمغَارِبِها علَى اختِلافِ أجناسِهِم وَلُغاتِهم وألوانِهِم كبارًا وصغارً فقراءَ وأغنياء وعربا وعجما لأداء هذا النسك العظيم يقولُ اللهُ تعالَى ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَر وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير ١٣﴾[2].
أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّ لأَعمالِ الحجِّ وشَعَائِرِهِ فَوائِدَ وَحِكَمًا عظيمَةً وَمَزايَا جَليلَةً لو أدرَكَ كثيرٌ مِنَ المسلمينَ مَغْزاها لَتَسابَقُوا إِلَيْها، فالحجُّ مؤتَمَرٌ إسلاميٌّ سَنَوِيٌّ هائلٌ يَجْتَمِعُ فيهِ الملايينُ مِنَ المسلمينَ، يجتمعونَ علَى كلمَةِ لا إلهَ إلاَّ اللهُ مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ فَيَدْعونَ رَبَّهُم وخالِقَهُم ويتعارَفُونَ وَيَأْتَلِفُون، هناكَ في هذهِ الأَرْضِ المقَدَّسَةِ يتفاهمونَ ويتعاونونَ على الخيرِ حتى يكونوا أقوياءَ على الشيطانِ وأعوانه. هناك يا إخوةَ الإسلامِ تتَجَلَّى معانِي الأُخُوَّةِ والمساواةِ بَيْنَ المسلمينَ، فَالحُجَّاجُ جميعُهُم قد خَلَعُوا الْمَلَابِسَ والأزياءَ الْمُزَخْرفةَ ولَبِسُوا لباسَ الإِحرامِ الذي هو أَشْبَهُ ما يكونُ بِأَكْفَانِ الموتى قائِلِينَ لَبَّيكَ اللهُمَّ لبَّيك لبيْكَ لا شريكَ لَكَ لبيك إِنَّ الحمدَ والنعمةَ لَكَ وَالملك لا شريكَ لكَ وهم مُتّجَرِّدونَ من مباهِجِ الحَياةِ الدنيا الفانيةِ، صغيرُهُم وكبيرُهُم، غَنِيُّهُم وفقيرُهُمْ كلُّهُم سَوَاءٌ لا يَتَفاضَلُونَ إلاَّ بالتَّقوَى كمَا أخبَرَنا الحبِيبُ الأعظَمُ المعلِّمُ الأكبرُ سيدُنا مُحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم فقالَ لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ على أعجَمِيٍّ وَلا لِأَعْجَمِيٍّ على عَرَبِيٍّ إلَّا بالتَّقْوَى اهـ