Category Archives: خطب الجمعة

بيانُ بعضِ أَحْكَامِ الصِّيام

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونشكرُه ونستغفرُه ونتوبُ إليه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ومن يضلِلْ فلا هادِيَ لهُ، الحمدُ للهِ الذي فرَضَ علينا الصَّومَ في أيّامٍ مَعْدُودَاتٍ تَزْكِيَةً لِقُلوبِنا وَتَهْذِيبًا لِجَوارِحِنا وَجَعَلَ نَفْلَهُ مِنْ أَجَلِّ القُرُبَاتِ حيثُ قالَ إِلّا الصّومَ فإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ اﻫ وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له تَنَزَّهَ عنِ الشّبيهِ والْمِثْلِ فَلا حَدَّ وَلا نِدَّ لَهُ، وَلا جُثَّةَ وَلا أعضاءَ لَهُ، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا وحبيبَنا وعظِيمَنا وقائدَنا وقُرَّةَ أَعيُنِنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه، مَنْ بعثَه اللهُ رحمةً للعالمينَ هاديًا ومُبشِّرًا ونذيرًا. اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وأصحابِه الطّيِّبِينَ الطَّاهِرِين.

أما بعدُ عبادَ الله فإنّي أوصيكم بتَقْوى اللهِ العليِّ العظيمِ. والتَّقْوَى إخوةَ الإيمانِ تَكونُ بأَداءِ مَا أوجبَ اللهُ والانتِهاءِ عمَّا نَهى اللهُ عزَّ وجلّ.

أحبابَنا إنَّا مَا زِلْنا في شهرِ شعبانَ لكنَّ رمضانَ عمّا قَريبٍ ءاتٍ، والمسلمونَ في هذَا الشهرِ منهُمْ مَنْ هُوَ مَشْغُولٌ بِقَضَاءِ أَيَّامٍ فَاتَتْهُ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ قبلَ دُخُولِ رَمَضَانَ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مَشْغُولٌ بِالازدِيادِ مِنَ الطَّاعاتِ بِصَوْمِ النِّصْفِ الثانِي مِنْ شَعبانَ بعدَ أَنْ كَانَ صَامَ الخامسَ عشرَ مِنْ شَعْبَانَ ووَصَلَهُ بالنِّصْفِ الأَخِيرِ مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ في وِرْدِهِ الذِي اعتادَهُ مِنْ صِيامِ يومِ اثنين وَخَمِيس. وفِي كُلِّ الأَحْوَالِ فإنَّ المكلَّفَ مأمورٌ بالإتيانِ بالعبادةِ علَى الوَجْهِ الذي يَصِحُ فَعَلَيْهِ تَعَلُّمُ مَا تَصِحُّ بهِ العبادةُ مِنْ أَركانٍ وشروطٍ لِيُؤَدِّيَها كمَا أمَرَ اللهُ وَيَجْتَنِبَ مُبْطِلاتِها.

فاسمعُوا معِي إخوةَ الإيمانِ جَيِّدًا بِقَلْبٍ حاضِرٍ بعضَ أَحْكَامِ الصِّيام.

أخِي المسلم إِنْ أَرَدْتَ صيامَ فَرْضٍ فَانْوِ ليلا أنكَ تصومُ غَدًا عن ذلكَ الفرضِ وذلكَ لِكُلِّ يومٍ وَالليلُ منَ المغربِ إلى الفَجْرِ وأمّا إِنْ كنتَ تَصُومُ نفْلا فلو نَوَيْتَ ليلا أو صباحًا قبلَ أَنْ تَتَنَاولَ شيئًا مِنَ الْمُفَطِّراتِ جازَ لكَ ذَلك. وعلَيْكَ أخِي المسلم لصحَّةِ صيامِكَ أَنْ تَتْرُكَ كُلَّ مُفَطِّرٍ فلا تُدْخِلْ جَوْفَكَ مِنْ بَطْنٍ وَدِمَاغٍ شيئًا لَهُ حَجْمٌ كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَدُخانِ سيجارَة وأركيلة وعليكَ أن تَجْتَنِبَ الجماعَ وَالاسْتِمْنَاءَ والاستِقَاءةَ أي طلبَ القَىْءِ مِنْ طُلوعِ الفَجْرِ إلَى غُروبِ الشمسِ فإنَّ مَنْ فَعَلَ شيئًا مِنْ هَذِهِ المذكوراتِ عالِمًا بِالحُرمَةِ عَامِدًا ذَاكِرًا لِلصّومِ فقَدْ أَفْسَدَ صَوْمَ ذلكَ اليَوْم. وكذَا مَنْ أُغْمِيَ عليهِ كُلَّ اليَوْمِ مِنَ الفَجْرِ إلَى المغربِ أَوْ جُنَّ وَلَوْ لَحْظَةً فإنّهُ يَبْطُلُ صومُه.

Continue reading بيانُ بعضِ أَحْكَامِ الصِّيام

الحثُّ على الإِكْثَارِ مِنَ الطَّاعَةِ في النِّصْفِ مِنْ شَعْبَان

إنَّ الحمدَ للهِ نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستهدِيهِ ونشكُرُه ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وأشهدُ أَنْ لَا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَهُ وأشهدُ أنّ محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ هَاديًا وَمُبَشِّرًا ونذيرًا بلّغَ الرسالةَ وأدَّى الأَمَانةَ ونَصَحَ الأُمَّةَ فجزاهُ اللهُ عَنَّا خَيْرَ مَا جَزَى نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَائِه صلواتُ اللهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلَى كُلِّ رَسُولٍ أَرْسَلَه. اللهمَّ صَلِّ علَى سَيِّدِنا محمّدٍ وعلَى ءالِه وصَحابَتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرين.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ فَإِنِّى أُوصِى نَفْسِى وَأُوْصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَظِيم، اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون، يَقُولُ رَبُّنا تباركَ وتعالَى ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱركَعُواْ وَٱسجُدُواْۤ وَٱعبُدُواْ رَبَّكُم وَٱفعَلُواْ ٱلخَيرَ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ ٧٧﴾[1] فَأَمَرَ رَبُّنا عزَّ وَجَلَّ المؤمنينَ بِأَفْضَلِ الأَعْمَالِ بعدَ الإيمانِ وَهِىَ الصَّلاةُ الْمُشْتَمِلَةُ علَى الرُّكوعِ والسُّجودِ وَحَثَّهُمْ علَى التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِسَائِرِ العِبَادَاتِ وَأَمَرَهُمْ بِفِعْلِ الخَيْرِ لِيَكُونَ بِذَلِكَ فَلاحُهُمْ فِي الآخِرَةِ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تباركَ وتعالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَبْوَابًا كَثِيرَةً لِلْخَيْرِ رَحْمَةً لَهُمْ وَجَعَلَ أَوْقَاتًا مُبَارَكَةً لِيَتَزَوَّدَ الْمُسْلِمُ فِيهَا لِآخِرَتِه وَإِنَّنَا علَى مَقْرُبَةٍ مِنْ لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ وليلَةٍ كريمةٍ هِىَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ. فَقَدْ رَوَى ابنُ ماجَهْ والبيهقىُّ وغيرُهما عَنِ النبىِّ صلّى الله عليه وسلم إذَا كانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهارَهَا[2] اهـ أى قُومُوا أَغْلَبَ الليلِ بِصَلاةٍ أَوْ تِلَاوَةِ قُرْءَانٍ أَوْ دُعَاءٍ فَإِنَّ الدُّعاءَ في جَوْفِ الليلِ قُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ وَأَرْجَى فِى الاسْتِجَابَةِ وَقَدْ وَرَدَ فِى الدُّعاءِ في تِلْكَ الليلةِ مَا رَوَاهُ البيهقىُّ أنَّ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وسلم قالَ فَإِنَّ اللهَ تعالَى يَقُولُ أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ أَلَا مِنْ مُسْتَرْزِقٍ فَأَرْزُقَهُ أَلَا مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ أَلَا كَذَا أَلَا كَذَا حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ[3] اهـ والْمَعْنَى أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَأْمُرُ الْمَلَكَ فَيُنَادِى مُخْبِرًا عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كمَا فُسِّرَ ذلكَ بِرِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِىِّ إذَا كانَ لَيْلَةُ النِّصْفِ منْ شَعبانَ نَادَى مُنَادٍ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَه[4] اهـ فَإِنَّ رَبَّنا عَزَّ وجلَّ مُتَّصِفٌ بِالكَلَامِ الأزَلىِّ الأَبَدِىِّ الّذِى ليسَ حَرْفًا وَلَا صَوْتًا وَلَا لُغَةً فَإِنَّ الحروفَ والأَصْوَاتَ واللغاتِ مَخْلُوقَةٌ للهِ تعالَى وَلَا يَتَّصِفُ اللهُ تباركَ وتعالى بِصِفَاتِ المخلوقاتِ ﴿لَيسَ كَمِثلِهِۦ شَيء[5]. وكذلكَ سائِرُ صفاتِ اللهِ تعالَى مِنَ الحيَاةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ والمشيئَةِ وغَيْرِها مِنْ صِفَاتِ ذَاتِه أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لا تَحْدُثُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ أَىْ لا تُوجَدُ بعدَ أَنْ لَمْ تكنْ موجودةً ولا تتَغَيَّرُ فَلا تتغيَّرُ مشيئَةُ اللهِ لِدُعاءِ دَاعٍ وَلا لِصَدَقَةٍ يَتَصَدَّقُها الشخصُ. وَإِنَّمَا أُمِرْنَا بِالدُّعاءِ إِظْهَارًا لِلْعُبودِيَّةِ فَمَنْ وَافَقَ دُعاؤُه مَا قَدَّرَ اللهُ حُصولَهُ حَصَلَ مَطْلُوبُ العَبْدِ وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْ دُعاءُ الشخصِ مَا قدَّرَ اللهُ لهُ لَمْ يَحْصُلْ مَطْلُوبُهُ لكنَّهُ اسْتَفَادَ الثَّوابَ علَى عِبادَتِهِ وهذا معنَى قولِ اللهِ تعالَى ﴿أُجِيبُ دَعوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[6]. والتّغيُّرُ إخوةَ الإيمانِ يكونُ في المخلوقِ وأحوالِه فَيَتَبَدَّلُ مِنْ حَالٍ إلى حالٍ على وَفْقِ عِلْمِ اللهِ الأزلىِّ وَمَشِيئَتِهِ الأزليةِ بِتَقْدِيرِهِ وَقَضَائِه. فَإِنَّا نَرَى أحوالَ العبادِ تَتَقَلَّبُ مِنْ حَالٍ إلى حالٍ فنَرَى فقِيرًا يَغْنَى وغَنِيًّا يَفْقَرُ وَنَرَى صَحِيحًا يَمْرَضُ وَمَرِيضًا يَتعَافَى ونرَى ذَلِيلًا يَعِزُّ وَنَرَى عَزِيزًا ذَلَّ.

Continue reading الحثُّ على الإِكْثَارِ مِنَ الطَّاعَةِ في النِّصْفِ مِنْ شَعْبَان

التحذيرُ مِنْ مَسَبَّةِ الله

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينُه ونَسْتَهْدِيهِ ونَسْتَغْفِرُهُ ونتوبُ إلَيه، ونعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ومن يضلِلْ فلا هادِيَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ولا شَبيهَ ولا مِثْلَ وَلا نِدَّ لَهُ، ولا حَدَّ ولا جُثَّةَ وَلا أعضاءَ لَه، وأشهَدُ أن سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرَّةَ أَعيُنِنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسولُهُ من بعَثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هادِيًا ومبشرًا ونذيرًا اللهمّ صلِّ وسلِّمْ على سيدِنا محمّدٍ الدّاعِي إلَى الخيرِ والرَّشادِ، الذي سَنَّ للأُمّةِ طَريقَ الفَلاح، وبيَّنَ لَها سُبُلَ النّجاح، وعلَى ءالِه وصَفْوَةِ الأَصحَاب.

أما بعدُ عبادَ اللهِ فإِنّي أُوصيكُم ونفسِي بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ القائِلِ في مَعْرِضِ الامتِنَانِ علَى النّاس ﴿أَلَم نَجعَل لَّهُۥ عَينَينِ ٨ وَلِسَانا وَشَفَتَينِ ٩﴾[1] فَذَكَرَ نِعَمَهُ علَى الإِنسانِ بأن جعلَ له عَيْنَيْنِ يُبْصِرُ بِهِمَا المرئِيّاتِ وجَعَلَ لَهُ لِسانًا يُعَبِّرُ بهِ عمّا في ضميرِه وجعَلَ لَهُ شَفَتَيْنِ يَسْتُرُ بِهِمَا ثَغْرَهُ ويَسْتَعِينُ بِهما علَى النُّطقِ والأَكْلِ والشُّرْبِ والنَّفْخِ ﴿وَهَدَينَٰهُ ٱلنَّجدَينِ ١٠﴾[2] أَيْ طَرِيقَيِ الخيرِ والشَرِّ الْمُؤَدِّيَيْنِ إلَى الجنَّةِ وَالنَّار. قيلَ إنَّ هذهِ الآياتِ نَزَلَتْ فِي الوَلِيدِ بنِ المغيرَةِ أحدِ صنادِيدِ قُرَيْشٍ الذِي لَمْ يَرْعَ حقَّ اللهِ تعالَى فيهَا فغَمِطَ نِعَمَهُ فَلَمْ يَشْكُرْهَا وكفَرَ بِالْمُنْعِمِ.

إخوةَ الإيمانِ، إنَّ اللسانَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مُوجِبَةٌ لِشُكْرِ الْمُنْعِمِ .. وشكرُ الْمُنْعِمِ علَى هذهِ النِّعمةِ يكونُ بتركِ استعمالِها فيمَا حَرَّمَ اللهُ .. ومِنَ الناسِ مَنْ لا يُشْكُرُ اللهَ على هذهِ النِّعْمَةِ فيُطلِقُونَ ألسِنَتَهُمْ بِما لا يجوزُ لهمُ النُّطقُ بهِ وكثيرٌ مَا هُم .. ومِنْ ذلكَ إخوَةَ الإيمانَ الكَذِبُ وشَتْمُ المسلِمِ بغيرِ حَقٍّ والغيبةُ والنَّمِيمَةُ وإِشْعَالُ الفِتْنَةِ بينَ المسلِمينَ وَأَذِيَّتُهُمْ بِالكَلامِ وغيرُ ذلكَ مِنْ مَعاصِي اللسانِ .. ومِنهم إخوةَ الإيمانِ مَنْ يَصِلُ إلَى أَكْبَرِ الظُّلمِ أَلا وَهُوَ الكُفْرُ والعِياذُ بِاللهِ .. فتَرَى الواحدَ منهم بدَلَ أَنْ يُعَظِّمَ نِعْمَةَ اللهِ عليهِ يَسْتَعْمِلُها في مَسَبَّةِ اللهِ .. في شَتْمِ اللهِ والعياذُ بِالله .. منهم مَنْ إذَا غَضِبَ سَبَّ اللهَ والعياذُ بِاللهِ .. ومنهم مَنْ يُسُبُّ اللهَ في حالِ الغَضَبِ وفِي حالِ الرِّضا ثم يزعُمُ أنّهُ مُسْلم .. هيهات .. مَنْ سَبَّ اللهَ لا يكونُ مُسْلِمًا فإِنَّ المسلمَ هُوَ مَنْ ءامَنَ وصدَّقَ واعْتَقَدَ أَنْ لا أحَدَ يَسْتَحِقُّ العبادةَ أي نِهايةَ التَّذَلُّلِ والخشوعِ والخضُوعِ إِلا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ واجْتَنَبَ مَا يَنْقُضُ الإِسلام .. المسلمُ مَنْ عَقَدَ قلبَهُ علَى تَعظيمِ اللهِ الواحِدِ الأحَدِ التعظِيمَ الوَاجِبَ علَى الدّوامِ وأمَّا مَنْ سَبَّ اللهَ فهذَا لا يَكونُ مُعَظِّمًا لله .. مَنْ سبَّ اللهَ خرَجَ مِنَ الإسلامِ وصارَ مِنَ الكافِرينَ وَلا يُقْبَلُ قولُه بعدَ ذلكَ “أنَا كنتُ غَضْبَانَ وَلَمْ أُرِدْ أَنْ أَكْفُرَ” فَقَدْ بَيَّنَ علماءُ الإسلامِ أَنَّ كَوْنَ الشخصِ غاضِبًا لا يُنْجِيهِ مِنَ الوُقوعِ فِي الكُفرِ إِنْ تَعمَّدَ النُّطْقَ بِالكُفر، أي إِنْ لَمْ يَكُنْ حصولُ ذلكَ منهُ عَنْ سَبْقِ لِسان، فقَدْ نقَلَ الحافظُ النوَوِيُّ عن علماءَ الحنفِيَّةِ وأقرَّهُمْ علَى ذلكَ أنّهُ لَوْ غَضِبَ إنسانٌ علَى وَلَدِهِ أو غُلامِه فضَرَبَهُ ضَرْبًا شَديدًا فقالَ لهُ ءاخَرُ أَلَسْتَ مُسْلِمًا فقالَ لا مُتَعَمِّدًا كفرَ، ومعنَى كلامِ هؤلاءِ العُلماءِ أنَّ المسلمَ إذَا غَضِبَ غضبًا شديدًا علَى ولَدِه فَضرَبَه ضَرْبًا شديدًا بسببِ شدَّةِ غضبِهِ فقالَ لَهُ شَخْصٌ ءاخَرُ كيفَ تضرِبُهُ بهذِهِ القَسْوَةِ ألَسْتَ مُسْلِمًا لأنَّ مِنْ شأنِ المسلمِ أَنْ يكونَ رَحيمًا وَلا يَتَمَادَى في الضَّرْبِ الشَّديدِ للوَلدِ وإِنْ كانَ الشخصُ غاضِبًا فكانَ جَوابُ الضَّارِبِ (لا) أَيْ لَسْتُ مُسلِمًا مِنْ غيرِ سَبْقِ لِسانٍ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْقِدَ وَعْيَهُ فَيُجَنَّ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ ولا يكونُ غضبُه عُذْرًا لَهُ.

Continue reading التحذيرُ مِنْ مَسَبَّةِ الله

معجزةُ المِعراج

الحمدُ للهِ حَمدًا كثيرًا طَيِّبا مُباركًا فيهِ، الحمدُ للهِ الذِي بعثَ الأنبياءَ رحمةً للعالمينَ وتفضَّلَ على عِبادِه بإِظهارِ الْمُعْجِزَاتِ على أَيدِي أنبيائِه لِيُؤْمِنُوا بِهِمْ، فَمَنْ شاءَ اللهُ لهُ الهُدى اهتدَى ومَنْ شاءَ أَضلَّ، وصلّى اللهُ على سيدِنا محمَّدٍ سيّدِ الخلقِ وأشرَفِ الوَرَى مَنْ شَرَّفَهُ اللهُ بِالمعراجِ في السَّمواتِ وَما شاءَ اللهُ مِنَ العُلا، مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ بِالحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَدَعَا إلَى الْهُدَى والخيرِ والرَّشَادِ ونَهى عنِ الشَّرِّ والفِتَنِ والفَسَادِ، بَلَّغَ الرِّسالةَ وأَدَّى الأمانَةَ ونَصَحَ الأُمَّةَ فجَزاهُ اللهُ عنَّا خيرَ مَا جَزَى نَبِيًّا مِنْ أَنْبيائِه. وأشهَدُ أن لا إله إلا اللهُ الواحدُ الصمدُ الذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الخَلْقِ كُفُوًا أَحَدٌ وأشهدُ أنَّ سيّدَنا محمّدًا عبدُ اللهِ ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه، صلَواتُ ربِّي وسلامُه عليهِ وعلَى ءالِه وصحابَتِهِ الطَّيِّبينَ.

أما بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أُوصيكُمْ ونفسِي بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ القَدِيرِ الفعَّالِ لِمَا يُريدُ وهو على كُلِّ شَىءٍ قَدير. مَا زِلْنَا إخوَةَ الإيمانِ في شَهرِ رَجَبٍ شهرِ الإِسراءِ والمعراجِ وكنَّا قد تكَلَّمْنا في الجمعةِ الماضيةِ عنِ الإِسراءِ وبعضِ مَا رأَى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في مَسْرَاهُ إلَى بَيْتِ المقدِسِ، وَذَكَرْنَا لَكُمْ أَنَّ الإسراءَ جاءَ النَّصُّ عليهِ في القُرءانِ الكَريمِ صَريحًا فَمَنْ أنكرَهُ فقَدْ كذَّبَ القرءانَ وأمَّا المعراجُ فلَمْ يَنُصَّ عليهِ القُرءانُ نَصًّا صريحًا لكن وَردَ ما يكادُ يكونُ نصًّا صريحًا حيثُ قالَ رَبُّنا تبارَك وتعالى ﴿مَا كَذَبَ ٱلفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ١١ أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ١٢ وَلَقَد رَءَاهُ نَزلَةً أُخرَىٰ ١٣ عِندَ سِدرَةِ ٱلمُنتَهَىٰ ١٤﴾[1] فقالَ علماءُ الإسلامِ مَنْ أَنْكَرَ المعراجَ جَاهِلًا بِوُرودِه في الشَّرْعِ لا يكفُرُ بَلْ يُفَسَّقُ لأنَّ القُرءانَ لَمْ يَنُصَّ عليهِ نَصًّا صَريحًا بِخِلافِ الإسراءِ، أمّا مُنكرُ المِعراجِ بقَصْدِ أَنْ يُعانِدَ الدّينَ فليسَ مِنَ المسلِمينَ حَفِظَنَا اللهُ وإيَّاكُمْ مِنَ الوُقوعِ فيمَا يُخالِفُ شرعَ اللهِ وأَحْكَامَهُ.

Continue reading معجزةُ المِعراج