Category Archives: خطب الجمعة

أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيق رَضِي الله عَنهُ أَولُ الخلَفَاءِ الرَّاشِدِين (مختصرة)

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ الحمدُ للهِ الذي خَلَقَنَا وأمرَنَا بعِبَادَتِهِ وطَاعَتِهِ. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له وأشهدُ أن سيدَنا ونَبِيَّنَا وعظيمَنا مُحمَّدًا عبدُه ورَسُولُهُ وصَفِيُّهُ وخليلُهُ، مَنْ أَرْسَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين. اللهمَّ صلِّ وسَلِّمْ على سيدِنا محمدٍ الأمينِ وعلى ءالِهِ وصَحْبِهِ والتَّابِعِينَ لهم بِإِحْسَانٍ إلى يومِ الدين.
عبادَ اللهِ أوصيكم ونفسِي بِتَقْوَى اللهِ العَظِيمِ وَالثَّبَاتِ على هَدْيِ نَبِيِّهِ الكريمِ.
يقول اللهُ تعالى ﴿مِّنَ ٱلمُؤمِنِينَ رِجَال صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيهِ فَمِنهُم مَّن قَضَىٰ نَحبَهُۥ وَمِنهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُواْ تَبدِيلا ٢٣﴾[1].
أما بعدُ عبادَ اللهِ فَاعْلَمُوا أَنَّ الخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ العِلْمِ الذِينَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَأَفْضَلُهُمْ الخُلَفَاءُ الأَرْبَعَةُ أَبُو بكرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ. وَمُدَّةُ خِلافَتِهِمْ كَانَتْ نَحْوًا مِنْ ثَلاثِينَ سَنَة. وحَدِيثُنا اليَوْمَ عَنْ أَبِي بكرٍ الصِّديقِ رضي اللهُ عنه أَوَّلِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَأَفْضَلِ هذهِ الأمَّةِ بعدَ نَبِيِّها صلى الله عليه وسلم.

هُوَ أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه مَعْدِنُ الهُدَى وَالتَّصْدِيقِ واسمُهُ عَبْدُ اللهِ ابنُ عُثْمَانَ مِنْ قَبِيلَةِ قُرَيْش. وُلِدَ بعدَ الفِيلِ بِنَحْوِ ثَلاثِ سِنينَ كَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ مُحَبَّبًا فِيهِمْ مَأْلَفًا لَهُم. كَانَ أَبْيَضَ اللونِ نَحِيفَ الجِسْمِ خَفِيفَ العَارِضَيْنِ نَاتِئَ الجَبْهَةِ أَجْوَدَ الصَّحَابَةِ. وَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ سَبَقَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ وَكانَ عُمُرُه سَبْعًا وَثَلاثِينَ سَنَةً وَعَاشَ فِي الإِسلَامِ سِتًّا وَعِشْريِنَ سَنَةً. وَهُوَ أَوَّلُ خَلِيفَةٍ كانَ فِي الإِسلامِ وَأَوَّلُ مَنْ حَجَّ أَمِيرًا فِي الإِسلامِ فَإِنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فتَحَ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَيَّرَ أَبَا بَكْرٍ يَحُجُّ بِالنَّاسِ أَمِيرًا سَنَةَ تِسْعٍ.

وهاجَرَ أَبُو بَكْرٍ الصديقُ معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وصَحِبَهُ في الغَارِ وَءَانَسَهُ فِيهِ وَوَقَاهُ بِنَفْسِه. فعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ لأَبِي بَكْرٍ أَنْتَ أَخِي وَصَاحِبِي فِي الغَار[2] اهـ وَقَدْ كَانَ أبُو بكرٍ يَسْتَأْذِنُهُ في الخُروجِ فَيَقُولُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لا تَعْجَلْ لَعَلَّ اللهَ يَجْعَلُ لَكَ صَاحِبًا فَلَمَّا كانَتِ الهجرةُ جاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلَى أَبِي بَكرٍ وهو نائمٌ فَأَيْقَظَهُ فقالَ لَهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُذِنَ لي فِي الخُرُوجِ قالَتْ عائِشَةُ رضي الله عنها فَلَقَدْ رَأَيْتُ أبَا بَكْرٍ يَبْكِي فرَحًا[3] اهـ

Continue reading أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيق رَضِي الله عَنهُ أَولُ الخلَفَاءِ الرَّاشِدِين (مختصرة)

التّوكُّلُ على اللهِ والتّحذيرُ مِنَ الكَهَنَةِ والعَرّافِين

إنَّ الحمدَ للهِ نَحْمَدُهُ ونَستعينُهُ ونَستَهْدِيهِ ونستغفِرُهُ ونَشْكُرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومِنْ سَيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ولا مثيلَ لهُ ولا شبيهَ لهُ ولا صورةَ ولا أعضاءَ ولا جُثّةَ ولا جسمَ ولا مكانَ لهُ، خلقَ العالَمَ وهو غنيٌّ عنِ العالمينَ، خلقَ العرشَ إظهارًا لقدرتِهِ ولَمْ يَتّخِذْهُ مَكانًا لذاتِهِ، جَلّ ربِّي فهو الواحدُ القهّارُ. وأشهدُ أنّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرّةَ أعينِنا محمّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه اللهم صلّ على سيدِنا محمدٍ صلاةً تقضي بها حاجَاتنا وتفرِّج بها كُرُباتِنا وسلِّمْ عليه وعلى ءالِهِ وأصحابِهِ تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ، فإني أوصيكُمْ ونفسي بتقوى اللهِ العليِّ القديرِ القائلِ في مُحكَمِ كتابِهِ ﴿ٱللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ ٱلمُؤمِنُونَ ١٣﴾[1]

إخوةَ الإيمانِ، مِنَ الواجباتِ القلبيّةِ التوَكّلُ على اللهِ وهو الاعتمادُ عليه تعالى، فيجبُ على العبدِ أنْ يكونَ اعتمادُهُ على اللهِ لأنهُ خالقُ كلِّ شىءٍ مِنَ المنافعِ والمضارِّ وسائرِ ما يدخلُ في الوجودِ، فلا ضارَّ ولا نافعَ على الحقيقةِ إلا اللهُ، فإذا اعتقدَ العبدُ ذلكَ وَوَطّنَ قلـبَهُ عليهِ كانَ اعتمادُهُ على اللهِ في أمورِ الرّزقِ والسلامةِ من المضارِّ.

فالتوكُّلُ هو ثِقَةُ القلبِ باللهِ. وقالَ الجنَيْدُ البغداديُّ رضي اللهُ عنهُ التوكُّلُ هُوَ تَرْكُ الاعتِمادِ الحقيقِيِّ على غيرِ اللهِ اﻫ

فمَنْ توكّلَ على اللهِ تجنّبَ أنْ يلجأَ إلى ما حرّمَ اللهُ منَ العَمَلِ بالسحرِ وإتيانِ العرّافينَ والمنجِّمينَ، فقد قالَ حبيبُنا محمّدٌ صلواتُ ربِّي وسلامُهُ عليهِ من أتى كاهنًا أو عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يقولُ فقدْ كفرَ بما أُنزِلَ على محمّدٍ اﻫ رواه الحاكم.

فالكاهنُ هو مَنْ يتعاطى الإخبارَ عمّا يقعُ في المستقبلِ كالذين لهم أصحابٌ من الجنِّ يأتونَهم بالأخبارِ فيعتمدونَ على أخبارِهِمْ فيحدّثونَ الناسَ بأنهُ سيحصلُ كذا.

والعرّافُ هو من يتحدّثُ عن الماضي من المسروقِ ونحوِهِ.

فمنْ ذهبَ إلى عرّافٍ أو كاهِنٍ واعتقدَ أنهُ يَطَّلِعُ على الغَيْبِ فقدْ كَفَرَ باللهِ ورسولِهِ لأنه لا يعلمُ الغيبَ أحدٌ إلا اللهُ، قال تعالى ﴿قُل لَّا يَعلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِ ٱلغَيبَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾[2] وليسَ الْمُرَادُ مَنْ يَظُنُّ أنّه قَدْ يُوافِقُ الواقِعَ وقد لا يوافقُ الواقِعَ فإنّه لا يَكْفُرُ بل يكونُ عَاصِيًا بسُؤَالِه إيّاهم.

وليُعلَمْ أنّ مِنَ الجنِّ أحيانًا مَن يسْترِقونَ السّمْعَ مِنَ الملائكةِ الموكّلينَ بإنزالِ المطرِ وهم في الغَمامِ يصعدُ الجنُّ إلى مكانٍ قريبٍ منْ هذا الغَمامِ والملائكةُ يتحدّثونَ فيما بينَهم بما يصيرُ هذا العامَ في أرضِ كذا ومِنَ الحوادثِ كذا وكذا كموتِ شخصٍ أو ولادةِ مولودٍ أو أنْ يتولّى شخصٌ الرئاسةَ أو أن يُعزَلَ عنِ الرئاسةِ ونحوِ ذلك مِمّا أطْلَعَ اللهُ الملائكةَ عليه لأنّ اللهَ يُطلِعُ الملائكةَ والأنبياءَ والأولياءَ على شىءٍ من الغيبِ ولا يُطلِعُهُمْ على الغيبِ كُلِّهِ. فبعدَ أنْ يسترِقَ هؤلاءِ الجنُّ السمعَ مِنَ الملائكةِ ينْزِلونَ على الأرضِ ويُخبِرونَ هؤلاءِ الذينَ لَهُمْ معَهمْ صُحبَةٌ مِنَ البشرِ.

Continue reading التّوكُّلُ على اللهِ والتّحذيرُ مِنَ الكَهَنَةِ والعَرّافِين

التحذير من شرب الخمر والمخدّرات والوَشْم

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهدِيهِ ونشكرُهُ ونستغفِرُهُ ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومِنْ سيّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لَهُ وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شرِيكَ لهُ ولا مثيلَ لهُ ولا ضِدَّ لهُ ولا نِدَّ لهُ ولا شكلَ لهُ ولا صورةَ لهُ ولا أعضاءَ لهُ ولا جوارحَ لهُ ولا جهةَ لهُ ولا مكانَ لهُ. وأشهدُ أنّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرَّةَ أعيُنِنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفيُّهُ وحبيبُهُ، صلّى اللهُ على سيدِنا محمد صلاةً يَقضي بها حاجاتِنا ويفرِّجُ بها كُرُباتِنا وسلّمَ عليهِ وعلى ءالهِ وإخوانِهِ النّبيِّينَ والمرسلينَ سلامًا كثيرًا.

وبعدُ عبادَ الله فأُوصِي نفسِي وإيَّاكُم بتَقْوَى اللهِ العَظِيم وأُذَكِّرُكم بقولِه عزَّ وَجَلَّ ﴿وَٱتَّقُواْ يَوما تُرجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفس مَّا كَسَبَت وَهُم لَا يُظلَمُونَ ٢٨١﴾[1]

يقولُ اللهُ تعالَى في القُرءانِ الكَريمِ ﴿وَتِلكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَد ظَلَمَ نَفسَهُ[2]

وعن أبِي ثعلبةَ الخُشَنِي جرثوم بنِ ناشرٍ رضيَ اللهُ عنهُ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ إنَّ اللهَ تعالَى فَرَضَ فرائضَ فَلا تُضَيِّعُوها وَحَدَّ حُدودًا فَلا تَعْتَدُوهَا وَحَرَّمَ أَشياءَ فلا تَنْتَهِكُوهَا اهـ رواهُ الدارقطني.

اعلَمُوا أَيُّها الأَحِبَّةُ أَنَّ مَنْ أَرادَ السَّلامةَ ونَيلَ الدَّرجاتِ العُلْيَا فِي الآخِرَةِ فعلَيْهِ بِتَقْوَى اللهِ تعالَى فَإِنَّ التقوَى سَبِيلُ الفَلاحِ والسعادَةِ والكَيِّس مَنْ دانَ نَفْسَهُ وأَلْزَمَها التَّقْوَى لاسِيَّمَا في هذَا الزَّمَنِ الذِي نَعيشُ فيهِ حيثُ فشَتِ الْمُنْكَرَاتُ، وزَادَتْ في الناسِ السَّيِّئَاتُ وأَغْوَى الشَّيطانُ كَثِيرًا مِنْ عبادِ اللهِ فَصَرَفَهُمْ عَنْ طَريقِ التَّقوَى فَمِنْهُم مَنْ وَصَلَ إلى حَدِّ الكُفْرِ والعياذُ باللهِ تعالَى وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَلَ إلى حَدِّ اقتِرافِ الكَبائِرِ والموبِقَاتِ وغَفَلَ عن ذِكْرِ الموتِ والآخِرَةِ فَتَراهُ يَتَخَبَّطُ في المعاصِي والآثامِ فَلا يَتَّعِظُ بالأمواتِ الذِينَ سَبَقُوهُ وَلا يَزْجُرُهُ الشَّيْبُ الذِي نَزَلَ بِرَأْسِهِ فإِلَى متَى الغَفْلَةُ وإلَى مَتَى التَّمادِي فيمَا حَرَّمَ اللهُ فطوبَى لِمَنِ اغْتَنَمَ أَنْفَاسَهُ بِمَا يكونُ لَهُ ذُخْرًا في أُخراهُ وأرضَى خالقَهُ قبلَ أَنْ يَلْقَاهُ.

Continue reading التحذير من شرب الخمر والمخدّرات والوَشْم

بيانُ أنَّ اللهَ خالقُ العِبادِ وأعمالِهِم

إنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ ونستهديهِ ونشكرُهُ ونستغفرُهُ ونتوبُ إليه ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وَحدَهُ لا شريكَ له ولا ضدَّ ولا نِدَّ ولا مثيلَ ولا شبيهَ لَهُ ولا مَكانَ ولا جهةَ لَه ولا خالقَ سواه، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرةَ أعينِنا محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفيُّهُ وحبيبُهُ، بَلَّغَ الرسالةَ وأَدَّى الأمانةَ ونصحَ الأمَةَ فجزاهُ اللهُ عنا خيرَ ما جزى نبيًّا من أنبيائِهِ، صلى اللهُ على سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ كُلِّ رسولٍ أَرْسَلَهُ وعلى ءالِه وصحابتِه الطيِّبينَ الطاهرين.

أما بعدُ عبادَ اللهِ، فإنيِ أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليِّ القديرِ القائلِ في محكمِ كتابِهِ في ذمِّ المشركين ﴿أَم جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُواْ كَخَلقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلخَلقُ عَلَيهِم قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيء وَهُوَ ٱلوَٰحِدُ ٱلقَهَّٰرُ ١٦﴾[1]

إخوةَ الإيمانِ لقد أمرَ اللهُ نبيَّهُ المصطَفَى في هذه الآيةِ أن يُنْكِرَ على المشركينَ الذين كانوا يعبدونَ الأصنامَ مِنْ دونِ اللهِ ويُبَيِّنَ لهم أنَّ اللهَ هو خالقُ كلِّ شىءٍ وأنَّهُ الواحدُ الذي لا شريكَ له ولامثيلَ له ولا نظيرَ، ولا خالقَ لشىءٍ من الأشياءِ إلا هو ولذا فهو وحدَه الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَة.

أيها الأحبةُ إنَّ من أصولِ عقائدِ الإسلامِ اعتقادَ أنَّ اللهَ خالقُنا أي مُخْرِجُنا من العدمِ إلى الوجودِ وخالقُ أعمالِنا أي الذي يُبْرِزُها من العدم إلى الوجود، وقد رُوِيَ عنْ إمامِ الصوفيةِ العارفينَ الْجُنَيْدِ البَغدَاديِّ أنهُ سُئِلَ مَرَّةً عنِ التوحيدِ فقالَ إِنَّهُ لا مُكَوِّنَ لِشَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ مِنَ الأَعْيَانِ والأَعْمَالِ خالقَ لها إلا اللهُ تعالى اهـ والأعيانُ إخوةَ الإيمان هي كلُّ ما لَهُ حجمٌ صغيرًا كانَ أم كبيرًا فيجبُ اعتقادُ أنَّ كلَّ ما دخلَ في الوجودِ مِنَ الأعيانِ أي الأحجامِ والأعمالِ ما كان خيرًا وما كان شرًا وُجِدَ بِخَلْقِ اللهِ سبحانه وتعالى كما قالَ الله عَزَّ وجلَّ في مُحْكَمِ كتابِهِ ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ ٩٦﴾[2] أي أنَّ اللهَ خلقَكُم وخلقَ أعمالَكم فَنَحْنُ أيها الأحبةُ لا نَخْلُقُ شيئًا لا ذواتِنا ولا أعمالَنا إنما نَحْنُ وأعمالُنا بخلقِ اللهِ تعالى ولا فرقَ في ذلك إخوة الإيمانِ بين أعمالِنا الاختياريةِ كالأكلِ والشربِ والصلاةِ وبينَ الأعمالِ الاضطرايةِ كالارتعاشِ مِنَ البردِ بلْ كُلُّ ذلكِ بِخَلْقِهِ سبحانَهُ، قال تعالى ﴿قُل إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا أَوَّلُ ٱلمُسلِمِينَ ١٦٣﴾[3] أَخْبَرَ اللهُ تعالَى بِأَنَّ صَلاةَ العبدِ ونُسُكَهُ أي ما يَذْبَحُهُ تقربًا إلى الله تعالى كالأضحيةِ ومَحْيَاهُ ومماتَهُ مِلكٌ له وخَلْقٌ له لا يُشارِكُهُ فيهِ غَيْرُهُ فأَعْلَمَنا أَنَّهُ لا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الأَعْمَالِ الاختِيَارِيَّةِ كَالصَّلاةِ والنُّسُكِ وبينَ مَا يَتَّصِفُ به العبدُ مما ليس باختيارِهِ كالحياةِ والموتِ، إنما تَتَمَيَّزُ الأعمالُ الاختياريةُ أي التي تقعُ باختيارِ العبادِ ويكتسبُها الناسُ بأنها هي التي عليها يُحَاسَبُ الإنسانُ ويُؤَاخَذُ، فما كانَ منها خيرًا يُثابُ عليهِ وما كان شَرًّا يُؤَاخَذُ عليه كما قال الله تعالى ﴿لَهَا مَا كَسَبَت﴾[4] أي منَ الخيرِ أي تنتفعُ بذلكَ ﴿وَعَلَيهَا مَا ٱكتَسَبَت﴾[5] أَيْ وَعَلَيْهَا وَبَالُ ما اكْتَسَبَتْهُ مِنَ الشَّرِّ أي تَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ علَى ذَلِكَ. والكَسْبُ إخوةَ الإيمانِ هو توجيهُ العبدِ قصدَهُ وإرادتَهُ نَحْوَ العَمَلِ فيخلقُهُ الله عندَ ذلكَ فالعبادُ أيها الأَحِبَّةُ كَاسِبُونَ لأعمالِهِمْ واللهُ خالقٌ لِلْعِبَادِ وخَالقٌ لأعمالِهِمْ وخالقٌ لِنِيَّاتِهِم وقصودِهِمْ لاخالقَ إلا هُوَ سبحانَهُ وتعالى الذي لا شريكَ لَهُ.

أيها الأحبةُ إنَّ من يَعْقِدُ قلبَهُ على أنَّ الله هو خالقُ كلِّ شىءٍ وأنه لا ضارَّ ولا نافعَ على الحقيقةِ إلا هوَ ويُكْثِرُ مِنْ شُهودِ ذلكَ بقلبِهِ حتى يصيرَ مُسْتَشْعِرًا لذلكَ بقلبِهِ دائمًا تَهُونُ عليه مصائبُ الدنيا وتهونُ عليه الشدائدُ ويذهبُ عنه الخوفُ من العبادِ ويصيرُ من أهلِ اليقينِ.

Continue reading بيانُ أنَّ اللهَ خالقُ العِبادِ وأعمالِهِم