إنَّ الحمدَ للهِ نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستهدِيهِ ونشكُرُه ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا مَنْ يهدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وأشهدُ أَنْ لَا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لَهُ ولا مثيلَ لَهُ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ لَهُ، هو اللهُ الواحِدُ الأَحَدُ الفَرْدُ الصَّمَدُ الذِي لم يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ولمْ يَكُنْ لهُ كفوًا أحد. وأشهدُ أنّ سَيِّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرَّةَ أعيُنِنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفيُّهُ وَحَبِيبُهُ مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ هَاديًا ومبشرًا ونذيرًا بلّغَ الرسالةَ وأدَّى الأَمَانةَ ونَصَحَ الأُمَّةَ فجزاهُ اللهُ عنا خَيْرَ مَا جَزَى نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَائِه. اللّهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى جَمِيعِ إِخْوَانِهِ النَّبِيِّين.
أمّا بعدُ عِبادَ اللهِ فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِى بِتَقْوَى اللهِ العَلِىِّ العَظِيمِ أَلَا فَاتَّقُوهُ وَخَافُوه.
يقولُ اللهُ تعالى في كتابِهِ العَزيزِ ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم نَارا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلحِجَارَةُ﴾[1]. قالَ سيدُنا علىٌّ رضىَ اللهُ عنهُ في تفسيرِ هذِهِ الآيةِ عَلِّمُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمُ الخَيْر[2] اهـ أَىْ عِلْمَ الدِّينِ فَمِنَ الوَاجِبِ علينَا إخوةَ الإيمانِ أَنْ نَتَعَلَّمَ أَحْكَامَ دِينِنا وَأَنْ نُعَلِّمَ أَوْلادَنا مَا يَحْتَاجُونَهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ فَبِعِلْمِ الدِّينِ يَقِى الإِنسانُ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وأولادَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ يومَ القِيامَةِ. وقد بيَّنَ لنا رسولُنَا الكريمُ صلَّى الله عليه وسلم أهميةَ الدَّوْرِ الذِى يَنْبَغِى أَنْ تَقُومَ بهِ الأُسْرَةُ وأَنْ يَقُومَ بِهِ المعَلِّمُ والْمُرَبِّى معَ الأولادِ وَالْمَسْئُوليَّةَ الكبيرةَ الوَاقِعَةَ علَى الأَهْلِ وعلَى كُلِّ مَنْ يَرْعَى طِفْلًا أَوْ أُسْرَةً أو جَماعَةً قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه[3] اهـ
إخوةَ الإيمانِ إنَّ تربيةَ الأولادِ وَتَنْشِئَتَهُمْ تَنْشِئَةً إِسْلامِيَّةً صَالِحَةً مِنْ أَهَمِّ وأَعْظَمِ الأُمُورِ التِى أَكَّدَ عليهَا وَحَثَّ عليهَا دِينُنَا الحَنِيفُ لِيَكُونُوا أَفْرَادًا صَالِحينَ مُصْلِحِينَ وَنَاجِحِينَ فَاعِلينَ في مُجْتَمَعٍ سَلِيمٍ يَسُودُهُ العَدْلُ والتَّقَدُّمُ وَالازْدِهَارُ والنَّجاحُ وَلَا يَتِمُّ هذَا الأَمْرُ إلَّا بِتَعْلِيمِهِمْ تَعَالِيمَ الإِسلامِ وعَقائِدَهُ وأَحْكَامَهُ وأَخْلاقَهُ وَءادابَهُ. فَالوَلَدُ أمانَةٌ عندَ وَالِدَيْهِ فَالإِنْسَانُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُرَبِّيَ وَلَدَهُ يُرَبِّيهِ على مَكَارمِ الأَخْلَاقِ وَيُعَوِّدُهُ الصِّدْقَ في الحَدِيثِ وَيَنْهَاهُ عَنِ الكَذِبِ، يُعَوِّدُهُ حِفْظَ اللِّسانِ وَيَنْهَاهُ عَنْ أَنْ يُلَوِّثَ لِسانَهُ بِالغِيبَةِ والنَّمِيمَةِ والسَّبِّ واللَّعْنِ والخَوْضِ في أَعْرَاضِ المسلمينَ. والولَدُ يتَأَثَّرُ بِوَالِدَيْهِ فَإِنْ رَأَى مِنْهُمَا خَيْرًا سَارَ عليهِ وَأَحَبَّهُ وإِنْ رَأَى مِنْهُمَا شَرًّا فَكَثِيرًا مَا يَسيرُ وَيَشِبُّ عَلَيْهِ حتَّى يَصْعُبَ عليهِ أَنْ يَنْفَكَّ عنهُ عِنْدَ الكِبَرِ. فلذلكَ ينْبَغِى أَنْ يُعَوَّدَ علَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ وَأَحْسَنِ العَادَاتِ في قَوْلِه وَفِعْلِه. وَأَوْلَى مَا يُقَدَّمُ لِلْوَلَدِ تَعْلِيمُ العَقِيدَةِ الإِسلامِيَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِمَعْرِفَةِ اللهِ وَالرَّسُولِ فَعَنْ جُنْدُبِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِىَ اللهُ عَنْهُ قالَ كُنَّا معَ النَّبِىِّ صلّى الله عليه وسلم وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ يَعْنِى قَارَبْنَا البُلُوغَ فَتَعَلَّمْنَا الإِيمانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ القُرْءَانَ ثُمَّ تَعَلَّمْنَا القُرْءَانَ فَازْدَدْنَا بهِ إِيمَانًا[4] اهـ وقالَ الإمامُ الحافِظُ عبدُ الرحمنِ بْنُ الجَوْزِىِّ أَوَّلُ مَا يَنْبَغِى تَقْدِيمُهُ مُقَدِّمَةٌ في العَقِيدَةِ تَشْتَمِلُ علَى الدَّلِيلِ علَى مَعْرِفَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَيُذْكَرُ فِيهَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ ثُمَّ يُعَرَّفُ الوَاجِباتِ ثُمَّ حِفْظُ القُرْءَانِ ثمَّ سَمَاعُ الحَدِيثِ[5] اهـ
وَمِنْ أَهَمِّ الأُمورِ التِى أَرْشَدَنا إليهَا نَبِىُّ الهُدَى محمدٌ صلّى الله عليه وسلم أَنْ نَأْمُرَ أَوْلَادَنا بِالصَّلاةِ وَأَنْ نُعَلِّمَهُمْ أَحْكَامَهَا بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ قالَ تعَالَى ﴿وَأمُر أَهلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصطَبِر عَلَيهَا﴾[6] وقالَ عليهِ الصلاةُ السلامُ مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ[7] اهـ فهذِهِ العبادَةُ العظيمَةُ التِى هِىَ أفْضَلُ الأَعْمَالِ بعْدَ الإيمانِ بِاللهِ وَرَسُولِه صلّى الله عليه وسلم لا بُدَّ مِنْ تَعْويدِ الأولادِ عليهَا مِنْ سِنٍّ مُبَكَّرٍ إِذَا حَصَلَ التَّمْيِيزُ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ وَلِىُّ الأَمْرِ القيامَ بِمُهِمَّةِ التَّعْلِيمِ أَوْكَلَ ذَلِكَ إلى عَالِمٍ وَرِعٍ شَفِيٍق عَلَى أَمْرِ دِينِه فَيَقُومُ بِتَعْلِيمِه أَحْكَامَ الدِّينِ وَتَأْدِيبِهِ.