Category Archives: خطب الجمعة

التحذيرُ من الكذبِ وكذبةِ أَوَّلِ نيسان

إنَّ الحمدَ للهِ نَحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهدِيهِ ونشكرُهُ ونستغفرُهُ ونتوبُ إليه، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ ولا مثيلَ ولا شبيهَ لهُ أَحَدٌ صمَدٌ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ وأشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورَسُولُه مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ هَادِيًا ومُبَشِّرًا وَنذيرًا، علَّمَ الأمةَ ما ينفعُها وحَذّرَ مِمّا يضرُّها في دينِها ودُنْيَاها فَبَيَّنَ أَنَّ الصِّدْقَ مَنْجَاةٌ وَالكَذِبَ مَهْلَكَةٌ فَأَمَرَ بِالصِّدْقِ وَعَظَّمَ أَهْلَهُ وَحَذَّرَ مِنَ الكَذِبِ وَذَمَّ أَهْلَهُ، فَصَلِّ اللهُمَّ على سَيِّدِنا مَحمَّدٍ وعلَى ءالِه وأصحابِه الطَّيبينَ الطاهرِينَ.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ، فَإِنِّي أُوصِي نَفْسِي وإِيَّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ تعالى واعلَمُوا أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩﴾[1]

إخوةَ الإيمانِ، إنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالَى قد أَمَرَنَا بِفِعْلِ الخيرِ ونَهَانَا عنِ الشَّرِّ. وكذا رسولُهُ الكريمُ فَقَدْ أَرْسلَهُ رَبُّنا مُعَلِّمًا الناسَ الخيرَ دَاعِيًا لَهُمْ إِلى مكارِمِ الأَخلاقِ ومَحاسنِها كمَا قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأَخْلاقِ اهـ[2]

وإِنَّهُ مِنْ عَظيمِ الصِّفاتِ التِي أَمَرَ اللهُ بِهَا وَحثَّ عليهَا رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصِّدْقُ، ومِنْ أَخْبَثِ الصِّفاتِ التي نَهَى عنهَا الكَذِبُ.

فَقَدْ روَى الإمامُ مسلِمٌ في صَحيحِهِ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنهُ قالَ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم عليكُم بالصِّدقِ فإنَّ الصِّدقَ يَهدِي إلى البِرِّ وإنَّ البِرَّ يَهدِي إلَى الجنّة، وما يَزَالُ العَبْدُ يَصْدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدْقَ حتى يُكتَبَ عِندَ اللهِ صِدِّيقا، وإيَّاكُم والكَذِبَ فإنَّ الكذِبَ يَهدِي إلى الفُجُورِ[3] وإنَّ الفُجورَ يهدِي إلى النَّارِ وما يزالُ العبدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حتى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذّابًا اﻫ معنَى هذَا الحديثِ إخوةَ الإيمانِ أنَّ الصدقَ يهدِي إلى العملِ الصَّالحِ الخالِصِ مِنَ كلِّ مَذْمُومٍ ويُوصِلُ إلَى الجنَّةِ وأَنَّ الكذبَ يُوصِلُ إلى الفُجورِ وَهُوَ الميلُ عنِ الاستِقامَةِ والانبعاثُ فِي المعاصِي الْمُوصِلُ إلَى النَّارِ، ففِي هذَا الحديثِ الحثُّ على تَحَرِّي الصِّدْقِ وهُوَ قَصْدُهُ والاعتناءُ بهِ وعلَى التَّحذيرِ مِنَ الكَذِبِ والتَّساهُلِ فيهِ.

Continue reading التحذيرُ من الكذبِ وكذبةِ أَوَّلِ نيسان

في معنَى الشهادةِ الثانية

إنَّ الْحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ ونستهديهِ ونشكرُهُ ونستغفرُهُ ونتوبُ إليه ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ومَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ له وليًّا مرشِدًا، وأشهدُ أَنْ لا إِلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شريكَ له، كانَ وَلا مَكانَ، كَوَّنَ الأَكْوَانَ وَدَبَّرَ الزَّمانَ، سُبحانَهُ وتَعالَى ليسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّميعُ البَصِير، وأشهدُ أنَّ محمّدًا عبدُه ورسولُه وصَفِيُّهُ وحبيبُه صَلَواتُ اللهِ وسَلامُهُ عليهِ وعَلَى جَميعِ إِخوانِهِ النَّبِيّينَ والْمُرْسلَين.

أما بعدُ عبادَ الله، أُوصِي نفسِي وإِيَّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظيمِ القَائِلِ في مُحكَمِ التَّنْزِيلِ ﴿قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ ٱللَّهُ وَيَغفِر لَكُم ذُنُوبَكُم وَٱللَّهُ غَفُور رَّحِيم ٣١ قُل أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلكَٰفِرِينَ ٣٢﴾[1]

اعْلَمُوا أَيُّها الأَحِبَّةُ أَنَّ طَرِيقَ السَّلامةِ في الدنيا والآخرةِ هو اتِّباعُ سيِّدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم اتِّباعًا كامِلًا ويكونُ بالإِيمانِ باللهِ كمَا يَجبُ والإيمانِ بِالرَّسولِ محمدٍ صلى اللهُ عليهِ وسلم كما يَجِبُ ثم بأَدَاءِ جَميعِ الوَاجباتِ واجْتِنَابِ جَميعِ الْمُحَرَّمَاتِ.

Continue reading في معنَى الشهادةِ الثانية

الكِبْرُ هُوَ رَدُّ الحقِّ وغَمْطُ النَّاس

إنَّ الحمدَ للهِ الذِى كَمَّلَ ذَوِي الأَحْلامِ بِتَعْرِيفِهِمْ عِلْمَ الحلالِ والحرام، وهَداهُمْ لاسْتِخْرَاجِ دُرَرِ الأَحْكَام، فَاسْتَخْرَجُوها مِنْ بَحْرِها وأَوْدَعُوها كَنْزَهَا بِدَقَائِقِ الأَفْهَام، وبيَّنُوها للنَّاسِ رَحْمَةً بِالأَنام، والصلاةُ والسلامُ على سيّدِنا محمّدٍ مَنْ أتَى بِالكلامِ الحسَنِ واختُصِرَ لَهُ الكلامُ وعلى ءالهِ وأصحابِه الطيبينَ الطاهرينَ ما مرَّتِ السّنونَ والأَيَّامُ.

أما بعدُ عبادَ اللهِ فإنِّي أوصيكم ونفسِي بتقوى اللهِ العليِّ العظيمِ فَاتَّقُوه.

قالَ رَبُّنا جلَّ وَعَزَّ في مُحكَمِ كِتابِه {تِلكَ ٱلدَّارُ ٱلأخِرَةُ نَجعَلُهَا
لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّا فِي ٱلأَرضِ وَلَا فَسَادا وَٱلعَٰقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ
٨٣}[1]
وقال تعالى أيضا {وَلَا تُصَعِّر خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمشِ فِي ٱلأَرضِ
مَرَحًا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُختَال فَخُور ١٨ }[2]
.

إخوةَ الإيمانِ والإِسلامِ اعلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ بتوفيقِه أنَّ مِنْ ذُنوبِ القَلْبِ الكِبْرَ وهُوَ صِفَةٌ مَذْمُومَةٌ قد نَهَى اللهُ تبارك وتعالى عنها في القرءانِ الكريمِ بآياتٍ منهَا ما ذكرناهُ فإِنَّ معنَى قولِه تعالَى {وَلَا تُصَعِّر خَدَّكَ لِلنَّاسِ} أَىْ لا تُعْرِضْ عنهُمْ مُتَكَبِّرًا بَلْ أَقْبِلْ بِوَجْهِكَ مُتَواضِعًا وَلا تُوَلِّهِمْ شِقَّ وَجْهِكَ كمَا يَفْعَلُ الْمُتَكَبِّرونَ وَقَدْ نَهانَا اللهُ تعالَى عَنْ أَنْ نَمْشِىَ مِشْيَةَ الكِبْرِ والفَخْرِ بقولِه عز وجلَّ {وَلَا تَمشِ فِي ٱلأَرضِ مَرَحًا} وقد بيَّنَ لنا رسولُ اللهِ النبيُّ الأعظمُ صلى الله عليه وسلم في أحاديثَ كثيرَةٍ معنَى الكِبْرِ وعاقِبَتَه وكيفَ أَنَّ الكِبْرَ يكونُ في كثيرٍ منَ الأَحيانِ سَبَبًا لِمَشَاكِلَ كثيرَةٍ تَعْتَرِضُ الكَثيرينَ في حَياتِهِمُ الدُّنيويّةِ فضلا عمَّا يُؤَدِّى بِصاحِبِه إليهِ منَ العَذَابِ الأَليمِ فِي الآخِرَةِ.

Continue reading الكِبْرُ هُوَ رَدُّ الحقِّ وغَمْطُ النَّاس

الصفاتُ الثلاثَ عَشْرَة

إنّ الحمدَ للهِ نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستهدِيهِ ونشكُرُه ونَستغفرُه ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا ، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلّ لهُ ومَن يُضلِلْ فلا هادِي لهُ. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ صَلَوَاتُ رَبِّي وسَلامُه عليهِ وَعَلَى كُلِّ رسولٍ أَرْسَلَهُ أَمَّا بعدُ إخوةَ الإِيمانِ أُوصِي نَفْسِيَ وإِيَّاكُمْ بتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ وأُحِبُّ أَنْ أُذَكِّرَكُمُ اليَوْمَ بِبِشَارَةٍ نَبَوِيَّةٍ بَشَّرَ بِهَا الرسولُ صلى الله عليه وسلم المؤمنينَ الصَّادِقينَ فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ في صَحيحِهِ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: “فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ على النَّارِ ـ أَيِ الدَّوامَ فيهَا لِلأَبَدِ ـ مَنْ قَالَ لا إلهَ إِلا اللهُ يَبْتَغِي بذلكَ وَجْهَ اللهِ” أي مُعْتَقِدًا في قَلْبِهِ يَبْتَغِي بذَلِكَ القُرْبَ إلَى اللهِ تعالَى لا مُنافِقًا ومُذْعِنًا بِمَعْنَاهُمَا ومَاتَ علَى ذلكَ فَإِنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يدخُلَ الجنَّةَ وإِنْ عُذِّبَ قبلَ ذَلكَ بِمعاصِيهِ إِنْ لَمْ يَعْفُ اللهُ عنهُ وَهَذَا مِنْ كَرَمِ اللهِ عَلَى عِبادِهِ وفَضْلِهِ وفِيهِ بَيانُ أَنَّ أَعْظَمَ حُقُوقِ اللهِ على عبادِهِ هو تَوحِيدُهُ تعالَى أَيْ تَرْكُ الإشْرَاكِ بهِ شيئًا وتَصْدِيقُ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم وقد قالَ عليهِ السلامُ: “يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لا إلهَ إِلا اللهُ وفي قلبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمان” رواهُ البُخَارِيُّ، أَيْ أقلُّ الإِيمانِ فَمَا أعظَمَهَا مِنْ نِعْمَةٍ نِعْمَةُ الإيمانِ ومَا أهمَّها مِنْ كلمةٍ كلمةُ التوحيدِ فَهِيَ الكَلِمَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الكَافِرِ أَنْ يَقُولَها للدُّخولِ في الإيمانِ أي مَعَ اعتِقَادِ معنَاهَا فَمَا معنَى هذهِ الكلمَةِ إخوةَ الإيمان؟ ما معنَى شهادَةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ مِنْ حَيثُ الإجمالُ، معناها الاعتِرَافُ بِاللسانِ وَالاعتِقَادُ والإذْعانُ بالقَلْبِ أنْ لا مَعبودَ بحقٍّ إِلا اللهُ أَيْ لا أَحَدَ يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ أَيْ أَنْ يُتَذَلَّلَ لَهُ نِهايَةُ التَّذَلُّلِ إلا اللهُ تعالَى هذَا معنَى هذهِ الكلمةِ الطيِّبَةِ التِي قالَ عنها النبيُّ صلى الله عليه وسلم: “أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لا إِله إِلا اللهُ” رواهُ الإمامُ مَالك في الموطَّإِ.

إخوةَ الإيمانِ هذهِ الكلمةُ كلمةُ التوحيدِ وإِنْ كانَتْ كلمَةً مُوجَزَةً من حيثُ اللفظُ إلا أَنَّها تتضَمَّنُ أُمورًا مُهِمَّةً لا بدَّ لكلِّ مُكَلَّفٍ أيِ البالِغِ العَاقِلِ الذِي بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الإسلامِ أَنْ يَتَعَلَّمَهَا مِنْهَا إِثْبَاتُ ثَلاثَ عَشْرَةَ صِفَةً للهِ تعالَى تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا في القُرْءَانِ كَثِيرًا إِمَّا لَفْظًا أو معنًى وَذَكَرَهَا النَّبِيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلم لأَصْحَابِهِ كثيرًا وَهِيَ شَرْطٌ لِلأُلُوهِيَّة، مَنْ أَنْكَرَ صِفَةً مِنْهَا لا يَكونُ مُسْلِمًا وَلا مُؤْمِنًا لِذَلِكَ قَالَ العُلماءُ في كُتبِهم بِوُجوبِ مَعْرِفَتِها وُجُوبًا عَيْنِيًّا علَى كُلِّ مكلفٍ فمَا هِيَ هَذِهِ الصِّفاتُ؟ قالَ الشيخُ أبو محمدِ بنُ عَاشِرٍ في كتابِهِ الْمُرْشِدِ الْمُعِينِ علَى الضَّرورِيِّ مِنْ عُلُومِ الدِّينِ:

Continue reading الصفاتُ الثلاثَ عَشْرَة