All posts by mrivwp

مِنْ أَمْرَاضِ القُلُوبِ الحسَد

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهديهِ ونشكرُه ونعوذُ باللهِ منْ شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهْدِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلـهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ ولا شبيهَ له ولا مِثْلَ ولا نِدَّ لَهُ، وَلا حَدَّ ولا جُثَّةَ وَلا أعضاءَ لَه. الحمدُ للهِ الذِي وَفَّقَ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ وَجَعَلَ الكَرامةَ والفَضْلَ بالتَّقْوَى وخذَل مَنْ شَاءَ مِنْ خلقِه بِمشيئتِه وعَدلِه. وَأشْهدُ أنَّ سيَّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائِدَنا وقُرَّةَ أعيُنِنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه وصَفْوَةُ خلقِه، مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رَحْمَةً للعالمينَ هادِيًا وَمُبَشِّرًا ونذيرًا وجَعَلَهُ أَكْرَمَ خَلْقِهِ. اللهمَّ صَلِّ وسلِّمْ على سيِّدِنا محمّدٍ وعلى ءالِه وصَفْوَةِ صَحْبِه.

أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم القائل في محكم كتابه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ 18﴾[1]

إخوةَ الإِيمانِ أَمرَنا اللهُ تباركَ وتعالى في هذِهِ الآيةِ بِالتَّقْوَى ومُحاسَبَةِ أَنْفُسِنا بأَنْ يَنْظُرَ كُلٌّ مِنَّا مَا قدَّمَ ليومِ القِيامَةِ فَإِنْ أحسَنَ فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَى فَضْلِهِ وَلْيَسْتَقِمْ وَمَنْ أَسَاءَ فَلْيَرْجِعْ وَلْيَسْتَغْفِرْ وَلْيُصْلِحْ قَلبَه فإنَّهُ لا ينفَعُ في الآخرةِ مالٌ ولا بَنُونَ إِلا مِنْ أَتَى اللهَ بقَلْبٍ سلِيم. وَسلامَةُ القَلْبِ إخوةَ الإيمانِ تكونُ بتَطْهِيرِه مِنَ الصِّفاتِ المذمومَةِ والأَمْراضِ الْمَشْؤُومَةِ التِي تُهْلِكُ صاحِبَها. وَإِنَّ مِنْ أَمْراضِ القلوبِ الحسدَ وَهُوَ كراهيةُ النِّعْمَةِ لِلْمُسْلِمِ وَاسْتِثْقَالُها لَهُ وَعَمَلٌ بِمُقْتَضَى ذلكَ. فَانْتَبِهْ يَا أَخِي الْمُسْلِم، إِنْ رأيتَ نعمةً على أَخِيكَ فَكَرِهْتَها لَهُ وَشَعَرْتَ في قَلْبِكَ اسْتِثْقَالَها لَهُ وَتَمنَّيْتَ زوالَها وَصَمَّمْتَ في قَلْبِكَ علَى العَمَلِ لِإِزالتِها أَوْ تَكَلَّمْتَ بِشَىءٍ أَوْ عَمِلْتَهُ لإزالتِها فَاعْلَمْ أَنَّكَ قَدْ وَقَعْتَ فِي المعصيَة.

إخوةَ الإيمانِ نَرَى في هذهِ الأيامِ كَثيرًا مِنَ الناسِ مُصابينَ بِهذَا المرضِ القَلْبِيِّ فَيَسْتَعْظِمُ أَحَدُهُمْ نِعْمَةَ أَخِيهِ وَيَكْرَهُهَا لَهُ وَيُرِيدُ زَوَالَها وَيَعْمَلُ علَى زوالِها وقَدْ يَحْمِلُهُ ذلكَ علَى البَغْيِ وَالكَذِبِ وَالاحتِيالِ بِكُلِّ مَا يَقْدِرُ عليهِ لإزالةِ تلكَ النِّعْمَةِ عنهُ. هل تُحِبُّ يَا أَيُّها الحاسِدُ أَنْ يُفْعَلَ بِكَ هَذَا ؟ قَدْ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ فِي القُرْءَانِ أَنْ يَستَعِيذَ مِنْ شَرِّكَ فِي قَولِه تعالى ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلفَلَقِ ١ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ٢ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ٣ وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِي ٱلعُقَدِ ٤ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ٥﴾[2]

Continue reading مِنْ أَمْرَاضِ القُلُوبِ الحسَد

مِنْ أَمْرَاضِ القُلوبِ الرِّيَاء

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهديهِ ونشكرُه ونعوذُ باللهِ ِمنْ شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهْدِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلـهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ ولا مَثِيلَ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ لَهُ، وَلا حَدَّ ولا جُثَّةَ وَلا أعضاءَ لَه. الحمدُ للهِ الذِي خَلقَ الخَلْقَ علَى صُوَرٍ وَأَجْسَامٍ مُخْتَلِفَةٍ وفَضَّلَ بعضَهُمْ على بعضٍ فِي الخُلُقِ وَالعَقْلِ وَجَعَلَ حقيقةَ الفَضْلِ بِالتَّقْوَى فَلَمْ يَنْظُرْ إلَى أَجْسَامِهِمْ وَصُوَرِهِمْ وَإِنَّمَا إلَى قُلوبِهِمْ فَفَضَّلَهُمْ بِحَسَبِ التَّقْوَى. وأَشهدُ أنَّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وَقُرَّةَ أَعْيُنِنا مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه، مَنْ بعثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هاديًا ومبشّرًا ونذيرًا. اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحابتِه الطَّيِّبينَ الطَّاهِرِين.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ فَإِنّي أوصِي نفسِي وإيّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِ العظيمِ القائلِ في كتابِه الكريمِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ 18﴾[1].

إخوةَ الإيمانِ التّقوى كلمةٌ خفيفةٌ علَى اللسانِ ثَقيلةٌ في الميزانِ ومَحَلُّها القَلْبُ فَقَدْ أَشَارَ النبِيُّ صلّى اللهُ عليه وسلم إلى صَدْرِهِ ثَلاثًا وقالَ التَّقوى هَا هُنَا التَّقْوَى هَا هُنَا[2] اﻫ فَالقَلْبُ أَمِيرُ الجوارِحِ إذَا صَلَحَ صَلَحَتْ فصارَ الشخصُ تقيًّا وإذَا فسدَ فسَدَتْ فصارَ الشخصُ عاصيًا، فَاتَّقُوا اللهَ وتزَوَّدُوا لِيَوْمِ الْمَعَادِ﴿يَومَ لَا يَنفَعُ مَال وَلَا بَنُونَ ٨٨ إِلَّا مَن أَتَى ٱللَّهَ بِقَلب
سَلِيم ٨٩﴾[3] فَعَلَيْكَ يا أخِي المؤمنَ بِاتِّباعِ شرعِ اللهِ تعالَى والاقتداءِ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم في الأخلاقِ والأَحْوَال .. داوِ قَلْبَكَ فإنَّ للقلوبِ أَمْرَاضًا لا يُداويهَا أَطِبَّاءُ الدُّنيا، فإنّهُ إِنْ يَصْلُحْ قَلْبُكَ يَصْلُحْ جسَدُكَ كلُّه وتَصْلُحْ ءاخِرَتُكَ وإنْ يَفْسُدْ قَلبُكَ يفسُدْ جَسَدُكَ كُلُّهُ وتَسُؤْ حَالُكَ في دِينِكَ فالقَلْبُ أَميرُ الجوارِحُ وبهِ تَأْتَمِر.

ومِنْ هذهِ الأمراضِ إِخْوَةَ الإيمانِ الرِّياءُ وهو أَنْ يَعْمَلَ الإِنسانُ الطاعةَ لِيَرَاهُ الناسُ فَيُثْنُوا علَيه. قالَ اللهُ تعالَى ﴿وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعبُدُواْ ٱللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾[4]، أَخْلِصْ نِيَّتَكَ أَخِي المؤمنَ دائِمًا للهِ تعالى وَلا تُراءِ وَاسْمَعْ معِي حديثَ أبِي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ قالَ اللهُ تعالَى أنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ[5] اﻫ معنَى هذَا الحديثِ أنَّه لا يَليقُ بِاللهِ أَنْ يُشْرَكَ بِه. فَإِنْ عَمِلْتَ أخِي المسلمَ شيئًا طالبًا الأَجْرَ مِنَ اللهِ وَطَالِبًا مَحْمَدَةَ النَّاسِ لَمْ يَقْبَلْهُ اللهُ مِنْكَ، فَعَمَلُ الْمُرَائِي لا ثَوابَ فيهِ بَلْ هُوَ ءاثِمٌ بِمُرَاءاتِهِ، فَانْظُرْ نَفْسَكَ أَخِي المسلمَ وَرَاقِبْ قَلْبَكَ، إِنْ رَأَيْتَ نَفْسَكَ تَقْتَصِرُ علَى الْمَكْتُوباتِ فِي الخَلْوَةِ حتَّى إذَا كنتَ بينَ الناسِ اجْتَهَدْتَ في رواتِبِ المكتوباتِ فسَائِلْ نَفْسَكَ لِمَ تَفْعَلُ ذلك .. وَإِنْ كُنْتَ إذا صَلَّيْتَ في الخَلْوَةِ عَجِلْتَ فَاقْتَصَرْتَ علَى الأَرْكانِ وإذا كنتَ بينَ الناسِ أَطَلْتَ صلاتَكَ واسْتَحْضَرْتَ الخشوعَ وَحَسَّنْتَ صلاتَكَ فَسَائِلْ نَفْسَكَ لِمَ تَفْعَلُ ذلكَ وهَلْ أَنْتَ تَطْلُبُ جَاهًا ومَنْزِلَةً في قُلوبِ الخلقِ، وَهَلْ هَذَا أحبُّ إليكَ مِنْ مَنْزِلَتِكَ عندَ الخَالِق. الناسُ مَخْلوقاتٌ مثلُكَ لا يخلُقونَ نَفْعًا ولا ضرًّا وَلا يَنْفَعُونَكَ وَلا يَضُرُّونَكَ إِلا بِإِذْنِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ تعالَى هُوَ الْمُسَخِّرُ لِلْقُلُوبِ بِالْمَنْعِ وَالإعطاءِ فَأَيُّ غَرَضٍ لكَ في إِيثَارِ ذَمِّ اللهِ تعالَى لأَجْلِ حَمْدِهِمْ لَكَ وَلا يَزِيدُكَ حَمْدُهُمْ لكَ رزقًا وَلا يُؤَخِّرُ أَجَلًا وَلا يَنْفَعُكَ يَوْمَ القيامَةِ فدَاوِ قَلْبَكَ منَ الرياءِ وَاجْعَلْ رضَا خالِقِ الخيرِ والشَّرِّ مُبْتَغَاكَ وأَخْلِصْ نِيَّتَكَ للهِ ولا تُبَالِ إِنْ ذَمَّكَ النَّاسُ أَوْ مَدَحُوكَ فَكُلُّ الخيرِ فِي رِضَا الله.

Continue reading مِنْ أَمْرَاضِ القُلوبِ الرِّيَاء

الملائكة عباد الله المكرمون

الحمدُ للهِ ربّ العالمينَ قيومِ السمواتِ والأرضين مُدَبّرِ الخلائقِ أَجمعين، باعِثِ الرُّسُلِ صلواتُه وسلامُه عليهِم إلَى المكلفِينَ لِهِدايَتِهِمْ وبيانِ شرائعِ الدّينِ بالدّلائلِ القَطْعِيَّهِ وَوَاضِحَاتِ البَراهِينِ، أَحْمَدُهُ علَى جَميعِ نِعَمِهِ وَأسألُهُ المزيدَ مِنْ فَضْلِهِ وكَرمِه وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ الواحدُ الأحَدُ الكَرِيمُ الغَفَّارُ وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه وحبيبُه وخليلُه أَفضَلُ المخلوقينَ الْمُكَرَّمُ بالقُرءانِ العَزيزِ المعجزَةِ المستمرةِ علَى تعاقُبِ السّنينَ، وبالسُّنَنِ الْمُسْتَنِيرَةِ للمُسْتَرْشِدِينَ الْمَخْصُوصِ بِجَوامِعِ الكَلِمِ وسماحَةِ الدّينِ وصلى اللهُ وسلمَ على سيدِنا محمدٍ وعلَى سائرِ إخوانِه منَ النَّبِيّينَ والمرسلينَ وءالِ كلٍ وسائِرِ الصَّالِحينَ.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ فَإِنّي أوصِي نفسِي وإيّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِ العظيمِ القائلِ في كتابِه الكريمِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ 102[1] فاتقُوا اللهَ فيما أَمَرَ وَانْتَهُوا عمّا نَهَى عنهُ وَزَجَر.

إخوةَ الإيمانِ يقولُ اللهُ تعالَى في حقِ الملائكة ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ 98﴾[2]

ويقول تعالى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا 136﴾[3]

اعلموا عبادَ اللهِ أنهُ يجبُ الإيمانُ بوجودِ الملائكةِ وهم أجسامٌ نُورانِيّهٌ لَطِيفَةٌ ذَوُو أَرْوَاحٍ مُشَرَّفَهٍ فَهُمْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ عندَ الله ليسُوا ذُكورًا ولا إِناثًا لَا يأْكلونَ ولا يشربونَ ولا ينامونَ ولا يتعبونَ ولا يتوالدُونَ وَهُمْ عبادٌ مُكَلَّفُونَ لَا يَعْصُونَ اللهَ تعالَى ما أَمرَهُمْ ويفعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون.

وهُمْ عبادٌ مُكَلَّفُونَ مُوَكَّلُونَ بأَعمالٍ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَنْ هم موكلونَ بالمطرِ والنَّبات، ومنهم مُوَكَّلونَ بكتابةِ أَعمالِ بنِي ءادمَ، وبعضهم موكلونَ بِتَوَفّي الأرواحِ، وبعضُهم موكلونَ بحفظِ بني ءادمَ، يحفَظونَهم من تلاعُبِ الجن بِهم إِلّا أَنّهم لَا يَمْنَعُونَ وُقوعَ الْمُقَدَّرِ، فمَا شاءَ اللهُ تعالَى كانَ ومَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يكُنْ، وَمِنْهُمْ مُوَكَّلونَ بتبليغِ السلامِ إلى الرّسولِ الأَعظمِ صلى الله عليه وسلم من أُمَّتِه، وَمِنْهمْ موكلونَ بكتابةِ ما يَسْقُطُ مِنْ أوْرَاقِ الشَّجَر.

والملائكةُ الكِرَامُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ تعالى، وأَصلُ خِلْقَتِهِمْ ليسَتْ كَخِلْقَةِ البَشَرِ بَلْ هِيَ خِلْقَةٌ خَاصّةٌ، فَأَصْلُ الملائِكَةِ نُورٌ، خلقَهُمُ اللهُ تباركَ وتعالَى مِنْ نُورٍ كما قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خُلِقَتِ الملائِكَةُ مِنْ نُورٍ وخُلِقَ الجَانُّ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ ءادمُ مِمّا وُصِفَ لَكُمْ[4] اهـ وقد خلقَ اللهُ تباركَ وتعالَى ملائِكَتَهُ ذَوِي أَجنِحَةٍ فهذَا لَهُ جناحَانِ وهذَا لهُ أربعةٌ وهذَا لَهُ سِتَّةٌ وهذَا لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذلكَ مِنَ العددِ، يَزِيدُ اللهُ تباركَ وتعالَى بعضَهم على بعضٍ في ذلكَ، فقَدْ وردَ في الحديثِ الشريفِ عن نبيِنا صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّ جبريلَ عليهِ السلامُ الذِي هُوَ رئيسُ الملائكةِ خُلِقَ علَى ستِمائةِ جَناح. فسبحانَ الخَلّاقِ العظيمِ الذِي يخلُقُ ما يشاءُ ويفعَلُ في ملكِهِ مَا يُرِيد، قالَ اللهُ تباركَ وتعالَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِ شَىْءٍ قَدِيرٌ 1[5] وقد ثبتَ أَنَّ ملائكةَ الرحمنِ عليهِمُ السلامُ يتَشَكَّلُونَ أحيانًا بغيرِ صُوَرِهِمُ الأَصليَّةِ التِي خلقَهُمُ اللهُ تعالَى عليهَا فقد ثبتَ في الحديثِ الشريفِ الثابتِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مَجِيءُ جبريلَ أَمينِ الوَحْيِ إلى النبيِ الأعظمِ صلى الله عليه وسلم بصورةِ رَجُلٍ شديدِ بياضِ الثيابِ شديدِ سوادِ الشعرِ ولكنِ اعلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ أَنَّ الملائكةَ إِذَا مَا تَصوَّرُوا بصورةِ رجلٍ لا يكونُ لهُ ءالةُ الذُّكورِيَّةِ كما أنهم لا يتصوَّرونَ بشكلِ أنثَى كما يزعُمُ بعضُ أصحابِ الْمِلَلِ مِنْ غيرِ المسلمينَ حتّى إنّهم يصنَعونَ لهم تماثيلَ نِسائية ذاتَ جناحَيْنِ وهو خِلافُ عَقيدةِ المسلمينَ قالَ تعالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى 27[6] فَلْيُحْذَرْ مِنَ اعتقادِ ذلكَ.

وقد يتَشَكَّلُ الْمَلَكُ أيضًا بِصُورَةِ طَيْر، وَأما الأَفْعَى والعَقْرَبُ والكَلْبُ والخِنْزِيرُ ونحوُها فالملائكةُ المكرمونَ لَا يَتَشَكَّلونَ بِصُوَرِهَا .

Continue reading الملائكة عباد الله المكرمون

خطبة الجمعة في عظيم حرمة دم المسلم

   إنَّ الحمدَ للهِ نَحْمَدُهُ ونستعينُهُ ونَستَهْدِيهِ ونَشْكُرُهُ ونستغفِرُهُ ونتوبُ إليهِ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومِنْ سَيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لَه، ولا شبيه له ولا مَثِيلَ ولا ضِدَّ ولا ند له. وأشهدُ أنّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقُرَّةَ أعيُنِنا محمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ وصفيُّهُ وحبيبُه، مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هادِيًا وَمُبَشِّرًا ونَذِيرًا فَصَلَّى اللهُ على سيدِنا محمّدٍ وعلى كلِّ رسولٍ أَرْسَلَه.

أما بعدُ عبادَ اللهِ فإنِّي أوصيكم ونفسي بتقوى اللهِ العليِّ القديرِ القائلِ في مُحكمِ التنزيل ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ 151﴾[1] بيّنَ ربُّنا تبارك وتعالى في هذهِ الآيةِ جُمْلَةً مِمَّا حرَّمَ اللهُ علَى عبادِه وقدَّمَ الإشراكَ باللهِ لِكَوْنِهِ أَكْبَرَ الْمُحَرَّماتِ فإنَّ مَنْ عبَدَ معَ اللهِ غيرَه هَلَكَ وحَبِطَ عمَلُه وكانَ مِنَ الخاسِرين، ومِثْلُهُ جميعُ أنواعِ الكُفْرِ كَمَنْ يُشَبِّهُ اللهَ بِخَلْقِهِ كالذِي يصفُه تعالى بِصِفاتِ الخَلْقِ أَوْ يَسْتَهْزِئُ بِاللهِ أو رُسُلِهِ أَوْ كُتُبِهِ أو ملائكتِه أو دينِه فإِنَّ مَنْ ماتَ على ذلكَ يخلدُ في نَارِ جهنَّمَ أَبدًا.

وذكرَ اللهُ تعالى في هذهِ الآيةِ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وفيهِ بَيانُ عَظيمِ جُرْمِ قَتْلِ النَّفسِ التِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالحقِّ الذِي بَيَّنُه الشرعُ فَقَتْلُ النَّفسِ التِي حرّمَ اللهُ إلا بالحقِّ هو أكبرُ الذنوبِ بعدَ الإِشْراكِ باللهِ وقَدْ شبَّهَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَنْبَ قَتْلِ المسلمِ بِغَيْرِ حَقٍّ بِالكفرِ فقالَ سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ اﻫ وليسَ معنَى قولِه عليهِ الصلاةُ والسلامُ (وقِتالُه كُفر) الكفرَ باللهِ عز وجل حتَّى يصيرَ بهِ مُرْتَدًّا وإنَّما الْمُرادُ أنهُ ذَنْبٌ كبيرٌ شَبِيهٌ بالكفرِ فإنَّ المسلمَ لَمَّا عرَفَ حَقَّ المسلمِ على المسلمِ وعَرَفَ حُرْمَتَهُ عندَ اللهِ ثُمَّ قتلَهُ فَكَأَنَّما غَطَّى هذا الحقَّ كأَنْ لَمْ يَكُنْ. إنَّ حُرْمَةَ المسلمِ عندَ اللهِ إخوةَ الإيمانِ عَظِيمَةٌ عظيمةٌ عظيمةٌ. اسمَعوا معي قولَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حيثُ سَأَلَ الصّحابةَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ أَلا أَيُّ شَهْرٍ تَعْلَمُونَهُ أَشَدَّ حُرْمَةً قالُوا أَلا شَهْرُنا هذَا، قالَ أَلا أَيُّ بَلَدٍ تَعلمونَه أَعْظَمَ حُرْمَةً، قالُوا أَلا بَلَدُنا هذَا، قالَ أَلا أيُّ يومٍ تعلمونَه أَعْظَمَ حُرْمَةً، قالُوا ألا يَومُنا هذَا، قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ فَإِنَّ اللهَ تباركَ وتعالَى قَدْ حَرَّمَ عليكُمْ دِماءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْراضَكُمْ إِلا بِحَقِّها كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذَا في بَلَدِكُمْ هذَا في شَهْرِكُمْ هذَا اﻫ .. اللهُ أكبر .. الله أكبر … كلُّ المُسْلِمِ علَى المُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ ومَالُهُ وعِرْضُه اﻫ هكذا يقولُ رسولُ اللهِ فمَا بَالُ بَعْضِ النَّاسِ اليَوْم .. يقتُلُ أَحدُهُمُ المسلمَ وكأنَّهُ أمرٌ لا بَأْسَ بهِ .. ويَغْصِبُ مَالَهُ وكأنَّهُ مُباحٌ لَه.. ويَنْتَهِكُ عِرْضَهُ وكأنّه لا حُرْمَةَ له .. انْتَبِهْ يا أخِي المسلمَ فقد قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيمَا رواهُ مُسْلِمٌ لزوالُ الدنيا أَهْوَنُ عندَ اللهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِم اﻫ واللهُ تعالى يَقُولُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا 93﴾[2] .. وغضبَ اللهُ عليهِ ولَعنَهُ وأَعدَّ لَهُ عذابًا عَظِيمًا .. وَلِعِظَمِ ذنبِه يكونُ عذابُه في جهنمَ عظيمًا طَوِيلا هذَا مَا لَمْ يكنْ مُسْتَحِلا لِقَتْلِه وَلا قَتَلَهُ لإِيمانِه وَإِلا فإِنَّهُ يكونُ كافِرًا والعياذُ باللهِ فيخلدُ في نارِ جهنَّمَ لا يخرُجُ منها أبدًا. عَصَمَنا اللهُ مِنْ مُوجِبَاتِ السَّخَطِ.

Continue reading خطبة الجمعة في عظيم حرمة دم المسلم