الحمدُ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونستغفِرُهُ ونستَرْشِدُهُ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومِنْ سيئاتِ أعمالِنا مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ ولا شبيهَ ولا مَثِيلَ لَهُ مَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبالكَ فاللهُ بِخِلافِ ذلكَ وَمَنْ وَصَفَ اللهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِي البَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ، وأشهدُ أَنَّ سیدَنا وحبيبَنا وقائِدَنا وَقُرَّةَ أَعْيُنِنَا محمدًا عَبْدُ اللهِ ورسولُه وصفيُّهُ وحبيبُه. اللهمَّ صلِّ على سيدِنا محمدٍ وعلَى ءالِه وصحبِه الطيبينَ الطاهرينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بإِحسانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ، أما بعدُ عبادَ اللهِ فَأُوصِي نَفْسِي وإياكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَظِيمِ القَائِلِ في سُورةِ الحجِّ ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِر يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق ٢٧﴾.
أيُّها الأَحِبَّةُ قَدْ بَدَأَ كثيرٌ منَ النَّاسِ بِالاسْتِعْدَادِ لِلرَّحيلِ إلى الرِّحابِ الْمُباركَةِ لأَداءِ فريضَةِ الحَجِّ العَظيمةِ وَلا شكَّ أنَّ لِلْحَجِّ أَحْكَامًا لا بدَّ منْ مُراعاتِها لِيَصِحَّ القِيامُ بِهذَا الفَرضِ علَى مَا يُحِبُّ رَبُّنا وَيَرْضَى، والكَلَامُ في تَفْصِيلِ مَنَاسِكِ الحَجِّ يَطُولُ ويَطُولُ وَلَا يكفي هذا المقامُ لاسْتِيعابِ ذلِكَ كُلِّهِ، وَلكني أُريدُ أن أُنَبِّهَ علَى ثَلاثِ مَسَائِلَ مُهِمَّةٍ فأَقُولُ وَبِاللهِ التَّوفِيق.
المسألةُ الأُولى
قَدْ نَرَى كثيرًا منَ الناسِ مِمَّنْ عَزَمُوا علَى الحَجِّ أَعَدَّ مَا يَحْتَاجُ إليهِ مِنْ طَعَامٍ وشَرَابٍ ودواءٍ وَثِيَابِ إِحْرَامٍ وَحَجْزٍ في الفُندقِ الفُلانيِّ ويطولُ كلامُهُ في مِثْلِ هذِهِ الأُمُورِ حتى لَرُبَّما حَسِبَ السَّامِعُ أَنَّهُ مُسِافِرٌ لِلاسْتِجْمَامِ لا لِلْحَجِّ، وَإِذَا قُلْتَ لَهُ هَلْ تَزَوَّدتَ للحجِّ بما هو أهمُّ مِنْ كُلِّ مَا ذَكَرْتَهُ عَلَتْ وَجْهَهُ مَلامِحُ الدَّهْشَةِ والاسْتِغْرَابِ وبَادَرَكَ بِسُؤَالِ الْمُتَعَجِّبِ فيقولُ وماذَا بَقِيَ بَعدُ؟ فتقولُ لهُ العِلْمُ فإنَّهُ ينبغي لكَ الاهتمامُ لأمرِ العلمِ حتى تضمَنَ صِحَّةَ حَجِّكَ لِئَلّا يَذْهَبَ المالُ والتَّعَبُ والجُوعُ والعَطَشُ والسَّفَرُ سُدًى بِلَا طَائِلٍ، فيقولُ لكَ إذَا ذَهبتُ إلى هناكَ نَظَرْتُ مَاذَا يفعَلُ الناسُ ففَعَلتُ مِثْلَهُم. أو يقولُ ومَا الحاجَةُ إلى التعلُّمِ فالعِبْرَةُ بالنيةِ الحسنةِ، وكلُّ هذا لا يَصْدُرُ إلّا مِمَّنْ جَهِلَ حَقِيقَةَ الأَمْرِ فَيُقَالُ لهُ قالَ العُلماءُ يَجِبُ على كُلِّ مُسْلِمٍ أن لا يَدْخُلَ في شَىْءٍ حتَّى يَعْلَمَ مَا أَحَلَّ اللهُ تعالى منهُ ومَا حَرَّمَ ومعنَى ذلكَ أَنَّ مَنْ دَخَلَ في عِبَادَةٍ أو مُعَامَلَةٍ منَ الْمُعامَلاتِ كالتِّجارةِ والشركةِ مثلًا بِغَيْرِ علمٍ فقَدْ عَصَى اللهَ، وفي الغَالبِ يقَعُ بِسَبَبِ جهلِه في مُفْسِدٍ مِنَ الْمُفْسِدَاتِ فَلَا يَصِحُ عملُه وهُوَ لا يَدْرِي، ولَا يكونُ معذورًا بِجَهْلِهِ. وبالتالي لا بدَّ مِنَ العلمِ لِمُريدِ الحجِّ أو الزكاةِ أو الصلاةِ أو غيرِ ذلك مِنْ سَائِرِ العباداتِ والْمُعامَلاتِ، فَقَدْ روى البيهقيُّ عن أنسٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ[1] اهـ وَحَيْثُ عُلِمَ هذا ظهرَ أَنَّ الاعْتِنَاءَ بِأَمْرِ العِلْمِ أَوْلَى مِمَّا يَشتَغِلُ به أكثرُ الناسِ اليومَ قُبَيْلَ سفرِهم للحجِّ منْ تحضيراتٍ يمكنُهمُ الاستِغْناءُ عن أكثرِها بينَما لا يَسَعُهُمُ الاستغناءُ عنِ العِلمِ، فالحجُّ عبادةٌ يُرادُ منها مَرضاةُ اللهِ تعالى لَا نُزْهَةٌ للتَّرْفيهِ عنِ النفسِ وليسَ يَرَى الجَاهِلُ إلَّا ظواهِرَ أعمالِ الناسِ في مَوسِمِ الحجِّ ولَا يعلمُ ما يحتَاجُ إليهِ في البَاطِنِ ولا يستطيعُ أن يُمَيِّزَ بينَ مَنْ يُقْتَدَى به ومنْ لا يُقتَدَى بهِ ولا يَعلمُ هل يَنْطَبِقُ عليهِ مِنَ الأحكامِ مَا يَنْطَبِقُ علَى مَنْ يُراقِبُهُ فَلا يَكْفيهِ مراقبَةُ غيرِهِ لِبَراءَةِ ذِمَّتِهِ ولأَجْلِ مِثْلِ هذا لا تَصِحُّ صَلَوَاتُ كَثِيرٍ مِنَ الناسِ وَلا يَصِحُّ صيامُهم وفي أَمْثَالِهم صحَّ حديثُ رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيامِهِ إلَّا الجُوعُ والعَطشُ وربَّ قائمٍ ليسَ لَهُ مِنْ قِيامِهِ إِلّا السَّهَرُ[2] اهـ