All posts by mrivwp

التّوكُّلُ على اللهِ والتّحذيرُ مِنَ الكَهَنَةِ والعَرّافِين

إنَّ الحمدَ للهِ نَحْمَدُهُ ونَستعينُهُ ونَستَهْدِيهِ ونستغفِرُهُ ونَشْكُرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومِنْ سَيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ولا مثيلَ لهُ ولا شبيهَ لهُ ولا صورةَ ولا أعضاءَ ولا جُثّةَ ولا جسمَ ولا مكانَ لهُ، خلقَ العالَمَ وهو غنيٌّ عنِ العالمينَ، خلقَ العرشَ إظهارًا لقدرتِهِ ولَمْ يَتّخِذْهُ مَكانًا لذاتِهِ، جَلّ ربِّي فهو الواحدُ القهّارُ. وأشهدُ أنّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وقرّةَ أعينِنا محمّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه اللهم صلّ على سيدِنا محمدٍ صلاةً تقضي بها حاجَاتنا وتفرِّج بها كُرُباتِنا وسلِّمْ عليه وعلى ءالِهِ وأصحابِهِ تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ، فإني أوصيكُمْ ونفسي بتقوى اللهِ العليِّ القديرِ القائلِ في مُحكَمِ كتابِهِ ﴿ٱللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ ٱلمُؤمِنُونَ ١٣﴾[1]

إخوةَ الإيمانِ، مِنَ الواجباتِ القلبيّةِ التوَكّلُ على اللهِ وهو الاعتمادُ عليه تعالى، فيجبُ على العبدِ أنْ يكونَ اعتمادُهُ على اللهِ لأنهُ خالقُ كلِّ شىءٍ مِنَ المنافعِ والمضارِّ وسائرِ ما يدخلُ في الوجودِ، فلا ضارَّ ولا نافعَ على الحقيقةِ إلا اللهُ، فإذا اعتقدَ العبدُ ذلكَ وَوَطّنَ قلـبَهُ عليهِ كانَ اعتمادُهُ على اللهِ في أمورِ الرّزقِ والسلامةِ من المضارِّ.

فالتوكُّلُ هو ثِقَةُ القلبِ باللهِ. وقالَ الجنَيْدُ البغداديُّ رضي اللهُ عنهُ التوكُّلُ هُوَ تَرْكُ الاعتِمادِ الحقيقِيِّ على غيرِ اللهِ اﻫ

فمَنْ توكّلَ على اللهِ تجنّبَ أنْ يلجأَ إلى ما حرّمَ اللهُ منَ العَمَلِ بالسحرِ وإتيانِ العرّافينَ والمنجِّمينَ، فقد قالَ حبيبُنا محمّدٌ صلواتُ ربِّي وسلامُهُ عليهِ من أتى كاهنًا أو عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يقولُ فقدْ كفرَ بما أُنزِلَ على محمّدٍ اﻫ رواه الحاكم.

فالكاهنُ هو مَنْ يتعاطى الإخبارَ عمّا يقعُ في المستقبلِ كالذين لهم أصحابٌ من الجنِّ يأتونَهم بالأخبارِ فيعتمدونَ على أخبارِهِمْ فيحدّثونَ الناسَ بأنهُ سيحصلُ كذا.

والعرّافُ هو من يتحدّثُ عن الماضي من المسروقِ ونحوِهِ.

Continue reading التّوكُّلُ على اللهِ والتّحذيرُ مِنَ الكَهَنَةِ والعَرّافِين

وِلادَةُ سَيِّدِنا عِيسَى المسيحِ عليهِ السَّلامُ

إن الحمدَ للهِ نحمَدُهُ سُبحانَه وتَعالَى وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْكُرُه، وَنَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّـئَاتِ أَعْمَالِنا، مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومن يُضلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأُصَلِّي وأُسَلِّمُ على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبهِ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له ولا مَثيلَ لَهُ ولا ضِدَّ ولا نِدَّ لَهُ ولا ولا والدَ ولا ولدَ وَلا صاحِبَةَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ سيدَنا وحبيبَنا وعظيمَنَا وقائِدَنا وقرَّةَ أعيُنِنا محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه، صلى اللهُ على سيدِنا محمدٍ وعلى كلِّ رَسُولٍ أرسَلَهُ.

أما بعدُ عبادَ اللهِ، أوصيكُمْ ونفسِيَ بتقوَى اللهِ العَلِيِّ القَدِيرِ الْقَائِلِ فِي مُحكَمِ كِتابِه ﴿إِذ قَالَتِ ٱلمَلَٰئِكَةُ يَٰمَريَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة مِّنهُ ٱسمُهُ ٱلمَسِيحُ عِيسَى ٱبنُ مَريَمَ وَجِيها فِي ٱلدُّنيَا وَٱلأخِرَةِ وَمِنَ ٱلمُقَرَّبِينَ ٤٥ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلمَهدِ وَكَهلا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٤٦﴾[1]

إخوةَ الإيمان، يَطيبُ لنَا اليَومَ أنْ نتَكَلَّمَ عَن نَبيٍّ عَظِيمٍ مِنْ أُولِي الْعزْمِ خَصَّه اللهُ بِميزَةٍ عَظِيمَةٍ بأنْ خَلَقَهُ اللهُ تَعالَى مِنْ غَيْرِ أَبٍ وما ذاكَ بعزيزٍ علَى اللهِ فقدْ خَلَقَ أبانَا ءادَمَ عليهِ السَّلامُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَأُمٍّ، قالَ تعالى في القرءانِ الكريمِ ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُۥ مِن تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُۥكُن فَيَكُونُ ٥٩﴾[2]

وأمُّ سيدنا عيسَى أيها الأحبةُ هِيَ السيدةُ مَرْيَمُ عليها السلامُ أَفْضَلُ نِسَاءِ الدُّنيا التي وصفَها اللهُ تعالَى في القُرءانِ الكَريمِ بِالصِّدِّيقَةِ والَّتي نَشَأتْ نَشأَةَ طُهْرِ وعفَافٍ وتَرَبَّتْ على التَّقوَى تُؤدِّي الواجِباتِ وتَجْتَنِبُ المحرماتِ وتُكثِرُ منْ نوافلِ الطاعاتِ والتي بَشَّرتْها الملائكةُ بِاصْطِفَاءِ اللهِ تعالَى لها منْ بينِ سائرِ النساءِ وبتَطهِيرِها منَ الأدْنَاسِ والرَّذائِلِ. ﴿وَإِذ قَالَتِ ٱلمَلَٰئِكَةُ يَٰمَريَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَاءِ ٱلعَٰلَمِينَ ٤٢﴾[3]

Continue reading وِلادَةُ سَيِّدِنا عِيسَى المسيحِ عليهِ السَّلامُ

لغةُ أهلِ الجنَّة

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهديهِ ونشكرُه ونعوذُ باللهِ ِمنْ شُرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهْدِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ. وأشهدُ أن لا إلـهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ. وأشهدُ أنَّ سيّدَنا وحبيبَنا وعظيمَنا وقائدَنا وَقُرَّةَ أَعْيُنِنا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم عبدُه ورسولُه وصَفِيُّهُ وخليلُه أَرْسَلَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلعالَمِينَ هَادِيًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، فبلَّغَ الرِّسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونَصحَ الأُمةَ فجزاهُ اللهُ عنا خيرَ مَا جَزَى نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَائِهِ.

صلواتُ رَبِّي وسَلامُه علَى سيِّدِنا محمدٍ وعَلَى ءالِه وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ.

أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ الْقَائِلِ ﴿إِنَّا أَنزَلنَٰهُ قُرءَٰنًا عَرَبِيّا لَّعَلَّكُم تَعقِلُونَ ٢﴾[1] وقالَ تعالى ﴿كِتَٰب فُصِّلَت ءَايَٰتُهُۥ قُرءَانًا عَرَبِيّا لِّقَوم يَعلَمُونَ ٣﴾[2] وقالَ تعالى ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرنَٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُونَ ٥٨﴾[3] إنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ أُمَّةَ سَيِّدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم سَيِّدَةَ الأُمَمِ وَخِتَامَهَا، وَجَعَلَ نَبِيَّهَا المصطفى سَيِّدَ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَخِتَامَهُمْ، وجعَلَ شريعتَهُ خَاتِمَةَ الشَّرَائِعِ، وَكِتَابَهُ القُرْءَانَ الكَرِيمَ خَاتمَ الكُتُبِ السماويةِ الشريفةِ، فأنزَلَهُ بِلُغَةٍ هِيَ سَيِّدَةُ اللُّغَاتِ وأفضَلُها، وأَغْنَاها وأَحْلاها وأَيْسَرُها، وَقَدْ قَالَ الحَبِيبُ المصطفى صلى الله عليه وسلم في بَيانِ فَضْلِ اللُّغةِ العربيةِ وَرِفعتِها وأَهميتِها أَحِبُّوا العَرَبَ لِثَلاثٍ، لِأَنِّي عَرَبِيٌّ وَالقُرْءَانَ عَرَبيٌّ وكلامَ أَهْلِ الجَنَّةِ عَرَبيٌّ[4] اهـ رواهُ الحاكمُ في الْمُسْتَدْرَكِ وصَحَّحَهُ، وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ ولسانَ أهلِ الجنةِ عَرَبِيٌّ فَأَيُّ شَرَفٍ وَأَيُّ رِفْعَةٍ وَأَيُّ مَرْتَبَةٍ تِلْكَ التِي نَالَتْهَا لُغَتُنَا الجَلِيلَةُ الجَمِيلَةُ، اللغةُ العربيةُ!

لَيْسَ يَخْفَى علَى العَاقِلِ اللَّبِيبِ أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنَ اللغَةِ العَرَبِيَّةِ وَعُلومِها هُوَ مِفْتَاحٌ مُهِمٌ مِنْ مَفَاتِيحِ فَهْمِ كِتَابِ اللهِ تَعالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعُلومُ اللغةِ العربيةِ مِنْ نَحوٍ وَصَرْفٍ وبلاغَةٍ وفِقْهِ لغةٍ واشْتِقاقٍ وغَيْرِها، إِنَّما نَشَأَتْ خِدْمَةً لِعُلُومِ الشريعةِ الإسلاميةِ، وصِيانَةً للِّسانِ العربيِّ مِنَ الانزِلاقِ في اللَّحْنِ في الألفَاظِ والْمَعَانِي، ففَتَحَ اللهُ علَى الأئِمَّةِ الأَجِلَّاءِ مِنْ لَدُنْ صحابةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وعلَى رأسِهِمْ أَمِيرُ المؤمنينَ عَلِيُّ بنُ أبي طالبٍ كرمَ اللهُ وَجْهَهُ مَا اسْتَنْبَطُوهُ مِنْ قَواعِدَ وضَوابِطَ وأحكامٍ بُنِيَتْ عليهَا تلكَ العُلُومُ اللُّغَوِيَّةُ الغَرَّاءُ، وكانَ ذلكَ مِمَّا رَسَّخَ اللغةَ العربيةَ في القُلوبِ والأَذْهَانِ، وَلَا سِيَّمَا عندَ الأُمَمِ الأَعْجَمِيَّةِ التِي دَخَلَتْ شُعوبُها في دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا، فَتَعَلَّقَتْ بِالإسلامِ وبِلُغَةِ القُرءانِ الكريمِ، بَلْ إِنَّ كثيرًا مِنْ نَوَابِغِ الأَئِمَّةِ واللُّغَوِيِّينَ كانُوا مِمَّنْ نَشَأَ في أَقاليمَ غَيرِ عَرَبِيَّةٍ، وَإِنَّ الوَاحدَ منّا إذَا نظَرَ في عُلومِ الشريعةِ الإسلاميةِ يَجِدُ مُباشَرَةً ذلكَ الارْتِبَاطَ الْمُهِمَّ والأَسَاسَ بَيْنَها وبينَ عُلومِ لُغَتِنَا العَربيةِ.

فَدُونَكُمْ عِلْمَ التَّفْسِيرِ الذي هو مِنْ أَعْظَمِ العُلُومِ وَأَجَلِّها وَسَائِرَ عُلومِ القُرءانِ وَتَفْسِيرَ الحَدِيثِ الشريفِ وأُصُولَ الفِقهِ فلا غِنَى لِمَنْ يَدْرُسُها وَيُدَرِّسُها عَنْ مَعْرِفَةِ النَّحْوِ والصَّرْفِ والبَلاغَةِ وفِقْهِ اللغةِ العربيةِ كمَا أنهُ لا غِنَى لِحَيَاةِ الإنسانِ عن قلبِه ودِماغِه وبِدُونِها لا يَسْتَقِيمُ للنَّاظِرِ فيها فَهْمٌ وَلا تَصَوُّرٌ، والشَّأْنُ ذاتُه في عِلْمِ التوحيدِ والفقهِ والفِرَقِ، بل إنَّ كثيرًا مِنْ شُبَهِ الْمُعتزلةِ والمجسمةِ والحُلوليِّينَ قامَتْ علَى جهلِهم بمواضعَ مِنْ قَوانينِ اللغةِ وأَحكامِها، وَبِمَعْنَى اللغةِ العربيةِ وقَدْ ذكَرَ لنَا التاريخُ كثيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ.

فما كانَ منَ الأئمةِ الأعلامِ ءانذَاك إلَّا أَنْ جَرَّدُوا صَارِمَ العَزْمِ وقلمَ التَّحقيقِ والرَّدَّ المتينَ، فَبَدَّدُوا غَياهِبَ تِلكَ الشُّبَهِ بسَاطِعِ الدَّلائِلِ والبَرَاهِينِ، مُتَّخِذِينَ مِنْ عُلُومِ اللُّغةِ العَربيةِ ذَخِيرةً عِلْمِيَّةً بَقِيَتْ إلَى العَصْرِ الحَدِيثِ شَاهِدَةً علَى مَا حوَتْهُ هذهِ اللغةُ مِنْ أَسْرَارٍ وَخَصائِصَ لَمْ يَظْفرْ بِدُرَرِها إِلّا كُلُّ غَوَّاصٍ صادِقٍ فتَحَ اللهُ علَى قَلْبِهِ، جَعَلَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْهُمْ.

تلكَ هيَ لُغَتُنا العربيةُ لغةُ القرءانِ الكَريمِ التي نَعْتَزُّ بِها وَنَتَمَسَّكُ بِهَا، وَنَأْبَى أَنْ نَرْضَى بِإِهْمَالِها أَوِ التَّخَلِّي عنهَا وعن عُلُومِها أوِ التَّلاعُبِ بِها أَو تَحْريفِها أَوْ تَحْرِيفِ قواعِدِهَا فهَنِيئًا لِمَنْ تَمَسَّكَ بِلُغَةِ القُرْءَانِ، وَمَضَى يَغْرِفُ مِنْ بَحْرِ عُلومِها وَفُنُونِها الزَّاهِرَةِ الزَّاخِرَةِ. وَالجِدَّ الْجِدَّ إخوةَ الإيمانِ في تَعَلُّمِهَا وَحِفْظِ مُتُونِها والتَّمَكُّنِ فِيهَا، فَإِنَّ في ذَلِكَ صِيَانَةً لِأَمْرِ الدِّينِ، وَتَقْوِيَةً لِلصِّلَةِ بَيْنِ رُبُوعِ الْمُسْلِمِينَ، ورِفْعَةَ الدَّرَجَاتِ عِنْدَ اللهِ سُبحانَهُ وتعالَى ﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَليَتَنَافَسِ ٱلمُتَنَٰفِسُونَ ٢٦﴾[5]

هذا وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لي ولكم

الخطبةُ الثانيةُ

إنّ الحمدَ للهِ نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستهدِيهِ ونشكُرُه ونَستغفرُه ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلّ لهُ ومَن يُضلِلْ فلا هادِي لهُ، والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنا محمدٍ الصادِقِ الوَعْدِ الأَمينِ وعلَى إِخوانِه النبيِّينَ وَالْمُرْسَلِين. وَرَضِيَ اللهُ عَنْ أُمَّهاتِ المؤمِنينَ وءالِ البَيْتِ الطَّاهِرينَ وَعَنِ الخُلفاءِ الرَّاشدِينَ أبِي بكرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ وَعَلِىٍّ وعَنِ الأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ أبِي حنيفَةَ ومَالِكٍ والشافِعِيِّ وأحمَدَ وعنِ الأولياءِ والصَّالحينَ.

أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أوصيكُمْ ونفسِي بتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ فاتّقوه. واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ والسلامِ علَى نَبِيِّهِ الكَريمِ فقالَ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيهِ وَسَلِّمُواْ تَسلِيمًا ٥٦﴾[6]، اللهُمَّ صَلِّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلَى ءالِ سَيِّدِنا محمدٍ كما صلَّيتَ على سيدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيِّدِنا إبراهيمَ وبَارِكْ عَلَى سيدِنا محمَّدٍ وعلَى ءالِ سيدِنا محمدٍ كمَا باركتَ على سيدِنا إبراهيمَ وعلَى ءالِ سيدِنا إبراهيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مجيدٌ اللهمَّ ءاتِنَا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنَا عذابَ النارِ اللهمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ الهُدَى والتُّقَى والعَفَافَ وَالغِنَى اللَّهمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلوبَنا علَى طَاعَتِكَ اللهمَّ إنَّا نَعُوذُ بكَ مِنْ جَهْدِ البَلاءِ وَدَرَكِ الشَّقَاءِ وشَماتَةِ الأَعْدَاءِ اللهمَّ أَصْلِحْ لنَا دِينَنا الذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا وَأَصْلِحْ لنَا دُنْيَانَا التِي فيهَا مَعَاشُنَا وأصلِحْ لنَا ءاخِرَتَنا التي فِيهَا مَعَادُنا واجْعَلِ الحياةَ زِيَادَةً لَنَا في كُلِّ خَيْرٍ وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ کُلِّ شَرٍّ. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ وَالِإحسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَی عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

[1] سورة يوسف.

[2] سورة فصلت.

[3] سورة الدخان.

[4] رواه الحاكم في المستدرك. ذكر فضائل الأمة بعد الصحابة والتابعين.

[5] سورة المطففين.

[6] سورة الأحزاب/56.

نعمُ اللهِ الظاهرةُ والباطنة

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، أنعَمَ علينَا بهذا الدِّين، وألهَمَنا الإيمانَ بهِ واليَقِينَ، وأَنْعَمَ علينا بِالصِّحَّةِ والمالِ وَالْبَنِينَ، نَحْمَدُهُ تعالَى على نِعَمِهِ وبِها على شُكْرِهِ نَسْتَعِين. ونعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنا وَمِنْ سَيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الأَوَّلُ بِلَا ابْتِدَاءٍ، الدائمُ بِلَا انْتِهَاءٍ، الظَّاهِرُ الذِي ليسَ فَوْقَهُ شَىْءٌ، البَاطِنُ الذِي ليسَ دُونَهُ شَىْءٌ، قَبْلَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ كانَ، خَلَقَ المكانَ وأَجْرَى الزَّمانَ فَلَا يَتَغَيَّرُ عمَّا كانَ، فهُوَ مُوجودٌ بِلَا مَكَانٍ ولا يَجْرِي عليهِ زَمَانٌ. وأشهدُ أنَّ سيدَنا وعظيمَنا وقائدَنا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ ورسولُه وصَفِيُّهُ وحبيبُه وخَلِيلُه، مَنْ كانَ يَقومُ الليلَ شُكْرًا لِرَبِّهِ علَى مَا أنْعَمَ وَسَخَّرَ، وقَدْ غَفَرَ اللهُ لهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَهُوَ القائلُ أفَلا أَكُونُ عبدًا شَكُورًا. فصلَّى اللهُ على سيدِنا محمدٍ النبِيِّ الأُمِّيِّ وعلَى جَمِيعِ إخوانِه النبيِّينَ والمرسلينَ وَسَلَّم.

أما بعدُ فإنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العليِّ القديرِ والثَّباتِ على دِينِه العَظِيمِ والعَمَلِ بِمُقْتَضَى القُرءَانِ الكَريمِ وسُنَّةِ النَّبِيِّ عليهِ أفضَلُ الصلاةِ وأتمُّ التَّسلِيم.

يقولُ اللهُ تعالى في القُرءانِ الكريمِ ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحصُوهَا إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُور رَّحِيم ١٨﴾[1]. فحريٌّ بنَا إخوةَ الإيمانِ أَنْ نَشْكُرَ اللهَ على مَا أنْعَمَ بهِ علينَا مِنَ النِّعَمِ والتِي لا يُحْصِيهَا أَحَدٌ غَيْرُه. وهذهِ النعمُ عبادَ اللهِ على قِسْمَيْنِ ظاهرةٍ وباطِنَةٍ كما قالَ اللهُ تعالى ﴿وَأَسبَغَ عَلَيكُم نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَة وَبَاطِنَة﴾[2]. وقَدْ جَاءَ عَنْ بَعْضِ أهلِ العلمِ في تَفْسيرِ هذهِ الآيةِ أنَّ النِّعَمَ الظاهرةَ ما يُرَى بِالأَبْصَارِ في الناسِ مِنَ المالِ والجاهِ والجَمَالِ وَالتَّوفيقِ لِلطَّاعَات، والباطنةَ ما يَجِدُ المرءُ في نَفْسِهِ مِنَ العِلْمِ بِاللهِ وَحُسْنِ اليَقِينِ وَمَا يَدْفَعُهُ اللهُ تعالَى عنِ العبدِ مِنَ الآفَات. فَمِنَ القِسْمِ الأَوَّلِ أَيِ النِّعَمِ الظَّاهِرَةِ نِعْمَةُ الصِّحَّةِ والذُّرِّيَّةِ وَالْمَالِ وَالْجَاهِ وَالأنهارِ والمطرِ والزَّرْعِ والأَنْعَامِ والماءِ الباردِ وغيرِها الكثير. والواجبُ على المكَلَّفِ شُكْرُ اللهِ على هذهِ النِّعَمِ وشُكْرُ اللهِ إخوةَ الإيمانِ يَكُونُ بأنْ لَا تُسْتَعْمَلَ نِعَمُ اللهِ في مَعْصِيَةِ اللهِ وَأَنْ لا يُكْفَرَ بهِ وبِرُسُلِهِ فَمَنْ أَدَّى الشُّكرَ على هذا النحوِ فَهُوَ عَبْدٌ شَاكِرٌ لِرَبِّه، وأما مَنْ شَكَرَ اللهَ بِلِسانِه ألفَ مَرَّةٍ واسْتَعْمَلَ نِعْمَةَ اللهِ في معصيةِ اللهِ فإنهُ لم يَشْكُرْ رَبَّهُ كمَا يَجِبُ. وَاعْلَمُوا أنَّنا يومَ القيامَةِ مَسْؤُولونَ وقَدْ جَاءَ في حَديثِ أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ لا تَزُولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القِيامَةِ حتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فيمَ أَفْنَاهُ وعَنْ عِلْمِهِ فيمَ فَعَلَ وعَنْ مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاه[3] اهـ وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ أَوَّلُ مَا يُحاسَبُ بهِ العبدُ يومَ القيامةِ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَلَمْ أُصِحَّ جِسْمَكَ، وَأَرْوِكَ منَ الماءِ البارِدِ[4] فحَاسِبْ نفسَكَ أخي المسلمَ وانْظُرْ هل أدَّيْتَ شُكْرَ هذهِ النعمِ كما يَجِبُ. ومن النعمِ الباطنةِ إخوةَ الإيمانِ النِّعمةُ العُظْمَى التِي لَا تُساوِيها نِعْمَةٌ وَهِيَ نعمةُ الإيمانِ باللهِ وَمَا يَتْبَعُها مِنَ التسليمِ للهِ وَمَحَبَّةِ الصالحينَ وَحُسْنِ اليَقِينِ وَتَعْظِيمِ علمِ الدِّينِ ونحوِ ذلك. فالإيمانُ باللهِ ورسولِه هو رَأْسُ مالِ المسلمِ وهو أَعْظَمُ وأعلَى نعمةٍ يُعطاهَا الإنسانُ فَمَنْ أُعْطِيَ الدنيا ولَمْ يُعْطَ الإيمانَ فكأَنَّما مَا أُعْطِيَ شيئًا، ومن أُعطيَ الإيمانَ ولم يُعطَ الدنيا فكأنَّما ما مُنِعَ شيئًا فعن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُعْطِي الدُّنيا مَنْ يُحِبُّ ومن لا يُحِبُّ ولا يُعْطِي الدِّينَ إِلّا لِمَنْ أَحَبَّ[5] اهـ ومِنَ النِّعَمِ ما يكونُ يَكونُ أَثَرًا لِنِعْمَةِ الإيمانِ يَظْهَرُ على جَوَارِحِ الْمَرْءِ كأَدَاءِ الواجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُحرَّماتِ وَالازدِيَادِ مِنَ النَّوافِلِ فنِعمةُ الإيمانِ بَاطِنَةٌ ولكنْ يظهَرُ أثرُها على الجوارحِ والأعضاءِ. والإيمانُ شَرْطٌ لِقَبُولِ الأَعْمَالِ الصالحةِ فقَدْ جاءَ عن عائشةَ رضي اللهُ عنها أنهَا قالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ قَالَ لاَ يَنْفَعُهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدّينِ[6] اهـ أي أَنَّهُ لم يكنْ علَى الإيمانِ لم يعرفِ اللهَ تعالى ولَمْ يُؤْمِنْ بالبعثِ بعدَ الموتِ فَمَنْ ماتَ على الكفرِ يأتي يومَ القيامَةِ وليسَ عندَهُ شَىءٌ مِنَ الحَسَنَاتِ لأنَّهُ ما عَرَفَ اللهَ ولا ءَامَنَ بهِ. وأمّا المسلمُ الذي لمْ يَشْكُرِ اللهَ على نِعَمِهِ فمَاتَ وهو مِنْ أَهْلِ الكبائرِ فهُوَ تحتَ مشيئةِ اللهِ إِنْ شاءَ اللهُ عَذَّبَهُ وإِنْ شاءَ غفَرَ لهُ وأمّا مَنْ وُفِّقَ لِشُكْرِ اللهِ على نِعَمِهِ الظاهرةِ والبَاطِنَةِ بِامْتِثَالِ أَمْرِ اللهِ تعالَى فَأَدَّى الوَاجِبَاتِ وَاجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَاتِ وَاسْتَخْدَمَ نِعَمَ اللهِ في طاعةِ رَبِّهِ فجَزاؤُهُ عندَ رَبِّه النَّعيمُ المقيمُ الذِي لَا يَفْنَى وَلَا يَزُولُ قالَ اللهُ تعالَى ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰئِكَ هُم خَيرُ ٱلبَرِيَّةِ ٧ جَزَاؤُهُم عِندَ رَبِّهِم جَنَّٰتُ عَدن تَجرِي مِن تَحتِهَا ٱلأَنهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا أَبَدا رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنهُم وَرَضُواْ عَنهُ ذَٰلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُۥ ٨﴾[7]. هؤلاءِ هُمْ أَسْعَدُ الخلقِ لأنَّ اللهَ تعالى رَضِيَ عنهُمْ كَمَا أَنَّهُمْ رَاضُونَ عَنْهُ. وَرِضَى اللهِ تعالَى صِفَةٌ مِنْ صِفاتِه لَيْسَتْ كَرِضَى الخَلْقِ فَإِنَّ مَعناهُ إِرَادَةُ الإِنْعَام. وأمَّا رِضَى العَبيدِ عن رَبِّهمْ فذلكَ أنَّهم ءَامَنُوا بهِ وَاسْتَسْلَمُوا لِقَضَائِهِ وسَلَّمُوا الْأَمْرَ لَهُ فَلَمْ يَعْتَرِضُوا على اللهِ في أَمْرٍ منَ الأمورِ التي تُصيبُهم بَلْ صَبَرُوا على أدَاءِ الوَاجِبَاتِ وعلى اجْتِنابِ المحرماتِ وحبَسُوا أنفُسَهُمْ عن أن يَسْتَخْدِمُوا نعمةَ اللهِ في مَعْصِيَتِه وَصَبَرُوا علَى مَا امْتُحِنُوا بِه فكانَ جزاؤُهُمْ أَنْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ فَطُوبَى لَهُمْ ثُمَّ طُوبَى لَهُمْ.

Continue reading نعمُ اللهِ الظاهرةُ والباطنة