تفسير سورة النصر

الحمدُ للهِ ربِّ العالَمِين، الحمدُ للهِ الذِي خلقَ الخلقَ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ ومِنْهُمْ سعيدٌ ومِنْهُمْ قبيحٌ ومِنْهُمْ حَسَنٌ، سبحانَهُ لا يُعْتَرَضُ عليهِ وَلا يُلامُ ولا يُسأَلُ عمَّا يَفعلُ بِالأَنامِ، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ ولا مثيلَ لهُ ولا شبيهَ لهُ، لا يُشْبِهُ خلقَهُ بوجهٍ مِنَ الوُجوهِ ﴿لَيسَ كَمِثلِهِۦ شَيء وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ ١١﴾[1]. وأشهدُ أن سيدَنا ونبيَّنا وَعظيمَنا وقائدَنا وقُرَّةَ أعيُنِنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وخليلُه، صلّى عليكَ اللهُ يا علمَ الهُدى مَا سبَّحَ الدَّيانَ كُلُّ مُوَحِّد، الصلاةُ والسلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ يا محمَّدُ الصلاةُ والسلامُ عليكَ يا أَبا الزهراءِ أنتَ طِبُّ القلوبِ ودوَاؤُها وعافيةُ الأبدانِ وشِفاؤُها ونُورُ الأَبصارِ وضِياؤُها صلى عليكَ اللهُ يا عَلَمَ الهُدَى مَا هَبَّتِ النَّسائِمُ وَما نَاحَتْ على الأَيْكِ الحمَائم.

أَمَّا بعدُ فيَا حُماةَ الإسلامِ وَيا حُرَّاسَ العقيدَةِ أُوصِي نَفْسِي وأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظيمِ فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِه. أَنْزَلَ رَبُّنا سبحانَهُ علَى قلبِ حبيبِه محمّدٍ صلى الله عليه وسلم سورةً مِنْ سُوَرِ القُرءانِ الكَريمِ هيَ سورةُ النَّصْرِ، ثلاثُ ءاياتٍ وهيَ مدنيةٌ نزَلَتْ علَى الحبيبِ المصطفَى وهو في المدينَةِ يقولُ اللهُ تبارَكَ وتعالَى ﴿إِذَا جَاءَ نَصرُ ٱللَّهِ وَٱلفَتحُ ١ وَرَأَيتَ ٱلنَّاسَ يَدخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفوَاجا ٢ فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ وَٱستَغفِرهُ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَا ٣﴾[2] وَتُسَمَّى هذهِ السورةُ سورةَ التَّوديعِ وَهِيَ ءاخِرُ سورةٍ نزَلَتْ جَمِيعًا قالَهُ ابنُ عباسٍ كمَا في صحيحِ مُسلِم، وأمَّا ءاخرُ ءايةٍ نزَلَتْ فهِيَ مَا نقلهُ البُخاريُّ وغيرُه عنِ ابنِ عباسٍ ﴿وَٱتَّقُواْ يَوما تُرجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفس مَّا كَسَبَت وَهُم لَا يُظلَمُونَ ٢٨١﴾[3].

{إِذَا جَاءَ نَصرُ ٱللَّهِ وَٱلفَتحُ ١} النَّصرُ العَوْنُ وأمَّا الفَتْحُ فهُوَ فَتْحُ مَكَّةَ، لَمَّا فتحَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مكَّةَ قالَتِ العَرَبُ أمَّا إذَا ظَفِرَ محمّدٌ بأهلِ الحرَمِ وقَدْ أجارَهَمُ اللهُ مِنْ أَصْحابِ الفِيلِ فليسَ لَكُمْ بهِ يَدَان أي طاقَةٌ فَدَخلوا في دِينِ اللهِ أفواجًا، وذلكَ قولُه تعالَى ﴿وَرَأَيتَ ٱلنَّاسَ يَدخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفوَاجا ٢﴾ أي جماعاتٍ كثيرةً فوجًا بعدَ فَوْجٍ بعدَما كانُوا يدخُلونَ في الإِسلامِ واحدًا واحدًا أَوِ اثْنَيْنِ اثنينِ.

وقد روَى أحمدُ في مُسندِهِ وعبدُ الرَّزَّاقِ في تفسيرِه عن أبِي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِذَا جَاءَ نَصرُ ٱللَّهِ وَٱلفَتحُ ١﴾ قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلمَ أتَاكُمْ أَهْلُ اليَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وأَلْيَنُ قُلوبًا، الإِيمانُ يَمَانٍ والحكمَةُ يَمَانِية اﻫ وهُوَ عندَ البُخارِيِّ ومُسْلِم، وَهُمُ الذِينَ أَنْزَلَ اللهُ فيهِم ﴿فَسَوفَ يَأتِي ٱللَّهُ بِقَوم يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾[4] الآية.

أمّا قولُه تعالى ﴿فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ﴾ ففِيهِ قَولانِ أحدُهما الصلاةُ قالَهُ ابنُ عَبّاسٍ، وَالآخَرُ التَّسبيحُ المعرُوفُ قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرينَ، وقولُه تعالى ﴿وَٱستَغفِرهُ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَا ٣﴾ أَيْ دُمْ علَى الاستِغْفَارِ إنهُ كانَ وَلَمْ يَزَلْ تَوَّابًا كثيرَ القَبولِ لِلتَّوبَةِ. رَوَى البُخَارِيُّ عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالَتْ ما صَلَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم صلاةً بعدَ أن نزلَتْ عليهِ إذَا جاءَ نصرُ اللهِ والفَتْحُ إِلا يقولُ فيهَا سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللهمَّ اغْفِرْ لِي اﻫ وفِي روايةٍ أُخْرَى لَهُ عَنْهَا قالَتْ كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكوعِه وسجُودِه سبحانَكَّ اللهُمَّ رَبَّنَا وبِحَمْدِكَ اللهمَّ اغفِرْ لِي يتَأَوَّلُ القُرْءَانَ اﻫ

وَقَدْ روَى البُخارِيُّ في صحيحِه في بَابِ قولِه “فَسبح بحمد ربّك واستغفره إنّه كان توابا” عَنْ سَعيدِ بنِ جُبَيْر عنِ ابنِ عباسٍ أنهُ قالَ كانَ عمرُ يُدْخِلُنِي معَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ فكَأَنَّ بعضَهُمْ وجَدَ في نَفْسِهِ فقَالَ لِمَ تُدْخِلُ هذَا مَعَنَا ولنَا أبناءٌ مِثْلُهُ؟ فقاَل عمرُ إنَّهُ مِنْ حيثُ عَلِمْتُمْ، فدعَاهُمْ ذاتَ يَومٍ ودعانِي معهُمْ فمَا رُئِيتُهُ دعانِي يومئِذٍ إِلا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، قالَ ما تقولونَ في قولِ اللهِ تعالى إذَا جاءَ نصرُ اللهِ وَالفَتْح فقالَ بعضُهم أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللهَ ونستغفِرَهُ إذَا نَصَرَنا وفتَحَ علينَا، وسكتَ بعضُهم فلَمْ يقُلْ شيئًا فقالَ لِي أكذلكَ تَقولُ يَا ابْنَ عَبّاس فقلتُ لا قالَ فمَا تقولُ قلتُ هوَ أجلُ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أعلَمَهُ لهُ قالَ “إذَا جاءَ نصرُ اللهِ والفَتح” فذاكَ علامَةُ أجلِكَ “فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابَا” فقالَ عمرُ ما أعلَمُ منهَا إِلا مَا تقولُ اﻫ جَزَى اللهُ عنا علماءَنا خيرًا ويَسَّرَ لنَا تلاوَةَ القُرءانِ وفهمَهُ إنهُ علَى كُلِّ شىءٍ قَدِير.

إخوةَ الإيمانِ إنَّ في ءاياتِ القرءانِ الكريمِ وسيرةِ نبيِّ اللهِ العظيمِ لَدُرُوسًا وعِبَرًا فَكُلُّنا يَعْلَمُ شدَّةَ مَا قَاسَاهُ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ وأصحابُه في أَوَّلِ البِعْثَةِ مِنَ المشاقّ والإِيذاءِ والنَّصَبِ في نَشْرِ دِينِ الحقِّ ونُصْرَتِه وكَمْ عَانَوْا فِي الثَّباتِ على الحقِّ منَ البَلايا والْمِحَنِ معَ قِلَّةِ عددِهم وكَثْرَةِ أَعدائِهم مَالا ورِجالا ثمّ جاءَ النصرُ والفتحُ فدخلَ النّاسُ في دينِ اللهِ أفواجًا، جاءَ الفرَجُ بعدَ الصبرِ وإنَّ الفَرَجَ معَ الصَّبْرِ واللهُ تباركَ وتعالَى معَ الصَّابِرينَ بِالنُّصرَةِ والحِفْظِ والإِكرام، فَلا ينبَغِي لِلْواحِدِ منَّا أَنْ تَثْنِيَهُ المصاعِبُ والمشَاقُّ في الدعوةِ إلَى الحقِّ عَنِ الثَّباتِ والْمُضِيِّ قُدُمًا في نَشْرِ عَقيدَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَنَشْرِ الخَيْرِ بينَ النَّاسِ في الوَطَنِ وخَارِجَه لعَلَّ اللهَ يجعلُ معَ صبرِنا فرَجًا ويؤتِينَاهُ يومَ القيامةِ ذُخْرًا فَضْلا منهُ وكرَمًا، اللهمَّ ثبِّتْنَا علَى الحقِّ ونُصْرَتِهِ وَسَخِّرْنا لِخِدْمَةِ دينِكَ واغفِرْ لنَا ذُنوبَنا وَهَيِّءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا.

هذا وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لي ولكم.

الخطبةُ الثانيةُ

إنّ الحمدَ للهِ نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستهدِيهِ ونشكُرُه ونَستغفرُه ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلّ لهُ ومَن يُضلِلْ فلا هادِي لهُ، والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنا محمدٍ الصادِقِ الوَعْدِ الأَمينِ وعلَى إِخوانِه النبيِّينَ وَالْمُرْسَلِين. وَرَضِيَ اللهُ عَنْ أُمَّهاتِ المؤمِنينَ وءالِ البَيْتِ الطَّاهِرينَ وَعَنِ الخُلفاءِ الرَّاشدِينَ أبِي بكرٍ الصِّدِّيقِ وعُمَرَ الفَارُوقِ وعُثْمَانَ ذي النُّورَيْنِ وَعَلِىٍّ الكَرّارِ وعَنِ الأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ أبِي حنيفَةَ ومَالِكٍ والشافِعِيِّ وأحمَدَ وعنِ الأولياءِ والصَّالحينَ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أوصيكُمْ ونفسِي بتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ أَلَا فَاتَّقُوهُ وَخَافُوهُ.

واعْلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ والسلامِ علَى نَبِيِّهِ الكَريمِ فقالَ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيهِ وَسَلِّمُواْ تَسلِيمًا ٥٦﴾[5]، اللهمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعاءَنا فَاغْفِرِ اللهمَّ لنا ذُنوبَنَا وإِسرافَنَا في أمرِنا اللهمَّ اغفِرْ لِلمؤمنينَ والمؤمناتِ الأَحْياءِ منهم والأَمواتِ اللهمَّ قِنَا عذابَك يومَ تَبْعَثُ عِبادَكَ رَبَّنا ءاتِنَا فِي الدُّنيا حسنَةً وفِي الآخرَةِ حسنَةً وقِنَا عَذَابَ النارِ اللهُمَّ اجعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غيرَ ضَالِّينَ وَلا مُضِلِّينَ اللهمَّ استُرْ عَورَاتِنا وءامِنْ رَوْعاتِنَا واكْفِنَا ما أَهَمَّنا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ اللهمَّ اجْزِ الشيخَ عبدَ اللهِ الهررِيَّ رَحَمَاتُ اللهِ عليهِ عنَّا خَيْرا. عبادَ الله إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ والإِحسانِ وإِيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ اذكُروا اللهَ العظيمَ يُثِبْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أَمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

 

[1] سورة الشورى/11.

[2] سورة النصر/1ـ3.

[3] البقرة/281

[4] سورة المائدة/54

[5] سورة الأحزاب/56.