الآية الكريمة “وأَمَّا مَنْ خَافَ مَقامَ رَبِّهِ”

الحمدُ للهِ الواحدِ الأَحَدِ الفَرْدِ الصَّمَدِ الذِي لَمْ يَلِدْ ولم يُولدْ ولم يكن له كُفُوًا أَحَد، أحمدُه تعالَى وأستهديهِ وأَسْتَرْشِدُهُ وأَتوبُ إليهِ وأَسْتَغْفِرُه وأعوذُ بِاللهِ مِنْ شُرورِ أنفُسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا. والصلاةُ والسلامُ الأَتَمّانِ الأَكْمَلانِ علَى سيدِنا محمدٍ سيدِ ولَدِ عدنانَ وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه.

أمّا بعدُ أيُّها الأحبَّةُ المسلِمون، أُوصِي نفسِي وإيّاكُم بِتَقْوَى اللهِ العظيم. هنِيئًا لِمَنْ بَرَّ واتَّقى وخُتِمَ لهُ بالعملِ الصَّالح. يقولُ اللهُ تعالَى في سورةِ النازعاتِ ﴿وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٤٠﴾ أيْ خافَ سُؤالَ الحسابِ واستعدَّ لِما بعدَ الموتِ خِلافًا لِأُولئكَ الذينَ يَخافونَ الفضيحةَ في الدنيا ولا يستعِدُّونَ لِما بعدَ الموتِ ولا يُعِدُّونَ لِيَوْمِ السُّؤالِ ليومِ الحسابِ بِتَجَنُّبِ الْمَنْهِيّاتِ وأَداءِ الواجباتِ التِي فَرضَها اللهُ تبارك وتعالى ﴿وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ ٤٠﴾ الهوى المذمومُ هو ما تَمِيلُ إليهِ النفسُ الأَمّارَةُ بِالسُّوءِ مِمّا فيهِ مُخالَفةٌ لشرعِ اللهِ تبارك وتعالى، كَحُبِّ الاستعلاءِ على الرِّقابِ كأنْ يكونَ الإنسانُ أخًا أكبرَ لِأَشِقَّائِه فيأكلَ أموالَهم بدعوى رعايةِ مَصالِحهم بعدَ موتِ أَبِيهِم. ومِنْ هوى النفسِ الخَفِيِّ أيضا أنَّ بعضًا منَ الناسِ عندهم شهوةُ حبِّ الظُّهورِ والاستِعلاءِ ودَعْوَى الْمَشْيَخَةِ الصُّوفيّةِ وهُمْ فارِغونَ ليكونَ لهم على غيرِهم جَاهٌ، لِيَنْكَبَّ الناسُ على تقبيلِ أيدِيهم ولِيَأْتِيَهُمُ النّاسُ بِالهدايا والعطايا فَتَجِدُ الواحِدَ منهم يدّعِي الوِلايةَ والكرامةَ وهو بعدُ لَمْ يُؤَدِّ الواجباتِ ولمْ يجتنِب المحرمات، ومِنْ هؤلاءِ الأَدْعِياءِ مَنْ تجدُهم عندَ حلَقاتٍ بِاسْمِ الذِّكرِ بدَلًا مِنْ أنْ يَقُولوا الله الله الله، تجدُهم يهتَمُّونَ بِالأَنْغامِ والتَّمايُلِ والتَّراقُصِ فَيُحَرِّفونَ اسمَ اللهِ تبارك وتعالى. شهوةُ حبِّ الظُّهورِ جعلَتْهُمْ ترتَبِطُ قلوبُهم بِحُبِّ النَّغَمِ بدَلًا مِنْ أن يلتَزِمُوا بِصِحَّةِ اللفظِ يحرفونَ لفظَ الجلالةِ فيقولونَ سبحانَ (اللا) والحمدُ (للا) ينقصونَ أحرفًا منَ اسمِ الله، ومنهم مَنْ يُلحِدُ في أسماءِ اللهِ كمَنْ يُسَمِّي اللهَ القُوَّةَ الخالِقةَ واللهُ تعالى وصفَ نفسَه في القُرءانِ بِقولِه ﴿ذُو ٱلۡقُوَّةِ﴾[1] أيِ الموصوفُ بالقوَّةِ وهيَ القُدرةُ فلا يجوزُ أن يُقالَ عنِ اللهِ قُوَّةٌ ولا يجوزُ أن يُقالَ عنِ اللهِ مَحَبَّةٌ ولا يجوزُ أن يقالَ عنِ اللهِ عِلْمٌ أو قدرةٌ أو إرادةٌ بلِ اللهُ موصوفٌ بِالقدرةِ والإِرادةِ والسمعِ والبصرِ والكلامِ والعِلْمِ والحياةِ والبَقاءِ. فَلا يقالُ اللهُ قوةٌ ولا يقالُ اللهُ محبةٌ فأسماءُ اللهِ تَوْقِيفِيَّةٌ فلا يجوزُ أن يُسَمَّى اللهُ بِما لَمْ يَرِدْ بهِ الإِذْنُ شَرْعًا قالَ اللهُ تعالى في سورةِ الأعرافِ ﴿وَلِله ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦ﴾[2].

فيا أيُّها الأحِبّةُ المسلمون، مَنْ لَمْ يتعلَّمْ ضرورياتِ علمِ الدينِ ضَحِكَ عليهِ الشيطانُ وأَعْوَانُه منَ النَّاس. العلمُ يَحْرُسُكَ وأمَّا المالُ فأَنْتَ تَحْرُسُهُ فَاحْرِصْ على أن تُحَصِّلَ ما يحرسُكَ قبلَ أن تُحصِّلَ ما أنتَ تحرُسُه.

وَقَدْ رُوِيَ عنِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم أنّهُ قالَ رُبَّ مُكْرِمٍ لِنَفْسِهِ وَهُوَ لَها مُهِين اﻫ رواهُ البيهقيُّ وغَيْرُه. قَدْ يَصْطَدِمُ اثْنانِ علَى الطَّريقِ في زَحْمَةِ سَيْرٍ أو في اصْطِدَامِ سيارةٍ فيُخْرِجُ الواحدُ منهم يدَه فيَبْطِشُ بِها أو يُخرِجُ لسانَهُ فيسُبُّ الرَّبَّ لذلكَ الذِي صَدَمَهُ، يظنُّ نفسَه أنهُ إِنَّما أَكْرَمَ نفسَهُ بِهذا البَطْشِ أو لَمّا سبَّ له ربَّه وهُو لَها ُمهين. هذا أهلكَ نفسَه والعياذُ باللهِ تعالى لأنهُ لَمّا بَطشَ بِهذا ظُلمًا استحقَّ العذابَ الأليمَ ولما أَفْلَتَ لسانَهُ وسبَّ له ربَّه أهلكَ نفسَه بالكفرِ الذي حصلَ منهُ والعياذُ باللهِ تبارك وتعالى وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إلَى الإسلامِ بِالشَّهادَتَيْنِ اسْتَحَقَّ العذَابَ الْمُؤَبَّدَ في النَّارِ. اللهمَّ تَوَفَّنَا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا يَا رَبَّ العَالَمِينَ. أقولُ قوليَ هذا وأستغفِرُ اللهَ العظيمَ لِي ولَكُم.

الخطبةُ الثانيةُ

الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنا محمدٍ وَرَضِيَ اللهُ عَنْ أُمَّهاتِ المؤمِنينَ خديجةَ وَحَفْصَةَ وعائِشَةَ الوَلِيَّةِ الطَّاهِرَةِ النَّقِيَّةِ الْمُبَرَّأَةِ وَسَائِرِ نساءِ النبيِّ مِنَ الرِّجْسِ وَعَنِ الخُلفاءِ الرَّاشدِينَ أبِي بكرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ وَعَلِىٍّ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أوصيكُمْ ونفسِي بتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ فاتّقوه.

عِبادَ اللهِ، نُحَذِّرُكُمْ مِنْ قِصَّةٍ يَرْوِيهَا بَعْضُ القَصَّاصِينَ كَذِبًا أَنهُ كانَ لرسولِ اللهِ جَارٌ يَرْمِي القَذَرَ عِنْدَ بَابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فَلِمَّا مَرِضَ عادَهُ الرسولُ يَسْأَلُهُ لِمَ لِمْ تَأْتِ اليَوْمَ لِتَرْمِيَ القَذَرَ. نعوذ بِاللهِ مِنْ ﻫَﺬﺍ الضَّلَالِ. هذا الكَلامُ لا أَصْلَ لَهُ.

اللهم إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعاءَنا فَاغْفِرِ اللهم لنا ذُنوبَنَا وإِسرافَنَا في أمرِنا وكفِّرْ عنا سيئاتِنا وتوفَّنا مؤمنينَ بِرَحْمَتِكَ يا رب العالمين، اللهم حسِّنِ لنا العملَ وبلِّغْنا الأجلَ ونحنُ مؤمنينَ بِرَحْمَتِكَ يا ربَّ العالمين، اللهم اغفِرْ لِلمؤمنينَ والمؤمناتِ الأَحْياءِ منهم والأَمواتِ، ربَّنا ءاتِنَا فِي الدُّنيا حسنَةً وفِي الآخرَةِ حسنَةً وقِنَا عَذَابَ النارِ، اللهم اجْزِ الشيخَ عبدَ اللهِ الهررِيَّ رَحَمَاتُ اللهِ عليهِ عنَّا خَيْرا. عبادَ الله إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ والإِحسانِ وإِيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَقِمِ الصلاةَ.

[1] سورة الذاريات/58.

[2] سورة الأعراف/180.