معرفة أحكام الصيام

الحمدُ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونستغفِرُهُ ونستَرْشِدُهُ ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومِنْ سيئاتِ أعمالِنا مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ ولا شبيهَ ولا مَثِيلَ لَهُ مَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبالكَ فاللهُ بِخِلافِ ذلكَ وَمَنْ وَصَفَ اللهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِي البَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ، وأشهدُ أَنَّ سیدَنا محمدًا عَبْدُ اللهِ ورسولُه، اللهمَّ صلِّ على سيدِنا محمدٍ وعلَى ءالِه وصحبِه الطيبينَ الطاهرينَ. أمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللهِ فَأُوصِي نَفْسِي وَأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَظِيمِ القائلِ في سورةِ البَقَرَةِ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣﴾.

أَقْبَلَ رَمَضَانُ وَالْخَيْرُ فِي إِقْبَالِهِ، أَقْبَلَ رَمَضَانُ وَنُفُوسُ الْمُؤْمِنِينَ تَشْتَاقُ إلَى أَيَّامِهِ، اللهمَّ وَفِّقْنَا فِيهِ لِمَا يُرْضِيكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اعْلَمُوا أَيُّهَا الأَحِبَّةُ أَنَّ فَرْضِيَّةَ صِيَامِ رَمَضَانَ أَمْرٌ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَيْ يَشْتَرِكُ في مَعْرِفَةِ ذلكَ العَالِمُ وَالعَامِّيُّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ صَوْمِ رَمَضَانَ فَقَدْ كَذّبَ الدِّينَ وَفَارَقَ الْمِلَّةَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ أَوْ مِثْلَهُ كَأَنْ نَشَأَ في بِلَادٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يَسْمَعْ بِوُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ.

وَحَيْثُ إِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ لَا يَدْخُلَ فِي شَىْءٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا أَحَلَّ اللهُ مِنْهُ وَمَا حَرَّمَ فَيُنَاسِبُ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنْ بَعْضِ أَحْكَامِ الصَّوْمِ لِيَكُونَ الصَّائِمُ علَى عِلْمٍ بِمَا يَحْتَاجُهُ مِنْ مُهِمَّاتِ هَذِهِ العِبَادَةِ الكَرِيمَةِ فَنَقُولُ وَبِاللهِ التَّوفِيقُ يَجِبُ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ علَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَيَجِبُ عَلَيْهِمَا القَضَاءُ، وَيَجُوزُ الفِطْرُ لِمُسَافِرٍ بِشُرُوطٍ مُعَيَّنَةٍ وَإِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ وَلِمَرِيضٍ مَرَضًا يُرْجَى شِفَاؤُهُ لكنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ لِمَرَضِهِ الصَّوْمُ مشَقَّةً لَا تُحْتَمَلُ، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ مُزْمِنٍ لَا يُرْجَى شِفَاؤُهُ أَفْطَرَ وَأَخْرَجَ الفِدْيَةَ، وَهِيَ مُدٌّ مِنْ غَالِبِ قُوتِ البَلَدِ وَهُوَ القَمْحُ في هَذَا البَلَدِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ، وَالْمُدُّ مِلْءُ كَفَّيْنِ مُعْتَدِلَتَيْنِ. وَلِلصَّوْمِ رُكْنَانِ اثْنَانِ لَا بُدَّ مِنْ مُراعَاتِهِمَا لِصِحَّة الصِّيامِ وَهُمَا

الرُّكْنُ الأَوَّلُ النِّيَّةُ وَمَحَلُّهَا القَلْبُ فَلَا يُشْتَرَطُ النُّطْقُ بِهَا بِاللِّسانِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَيُشْتَرَطُ في الصومِ الوَاجبِ التَّبْيِيتُ وَالتَّعْيِينُ في النِّيةِ، وَمَعْنَى التَّبْيِيتِ إيقَاعُهَا ليلًا أَيْ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ وَأَمَّا التَّعْيِينُ فَتَعْيِينُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ عَنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ مَثَلًا وَذَلِكَ كَأَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ نَوَيتُ صِيَامَ يَوْمِ غَدٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ عَنْ نَذْرِي أَوْ كفَّارةِ يَمِينٍ فَإِنْ كانَ في رمضانَ وَلَمْ يَنْوِ حَتَّى أَصْبَحَ أَمْسَكَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَيَلْزَمُهُ القَضَاءُ في الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَتَكْفِي النِّيَّةُ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ عَنْ جَمِيعِ الشَّهْرِ فِي مَذْهَبِ الإِمَامِ مَالِكٍ.

الرُّكْنُ الثَّانِي الإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفَطِّرَاتِ مِنَ الفَجْرِ حَتَّى الغُرُوبِ. وَمِنَ الْمُفَطِّراتِ كُلُّ عَيْنٍ دَخَلَتْ إلَى الْجَوْفِ مِنْ مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ، وَالْمَنَافِذُ الْمَفْتُوحَةُ الأَنْفُ وَالْفَمُ وَالقُبُلُ وَالدُّبُرُ وَالأُذُنُ. وَلَا يُفْطِرُ مَنِ اسْتَعْمَلَ القَطْرَةَ في العَيْنِ وَلا مَنْ نَامَ طِيلَةَ النَّهارِ وَلَا مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا وَلَا مَنْ تَعَاطَى دَوَاءً مِنْ مَنْفَذٍ غَيْرِ مَفْتُوحٍ كَالإِبْرَةِ في العَضَلِ أَوِ الشِّرْيَانِ بِخِلافِ الحُقْنَةِ في القُبُلِ أَوِ الدُّبُرِ فَإِنَّهَا مُفَطِّرَةٌ.

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْمُفَطِّرَاتِ أيضًا الرِّدَّةُ والعِياذُ بِاللهِ تعالى، وَهِيَ قَطْعُ الإيمانِ بقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوِ اعْتِقَادٍ فَمَنْ تَلَوَّثَ بِالرِّدَّةِ فَارَقَ الإيمانَ وَحَبِطَتُ كُلُّ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ وَفَسَدَ صَوْمُهُ، وَذلكَ كَمَا لَوْ سَبَّ اللهَ أَوْ دِينَ اللهِ أَوْ سَبَّ أَحَدَ الملائِكَةِ أَوْ أَحَدَ الأَنْبِيَاءِ، أَوْ اسْتَخَفَّ بِشَعَائِرِ اللهِ كَالصَّلاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ والحَجِّ، أَوْ كَذَّبَ مَا ثَبَتَ في الشَّرعِ، فَمَنِ اقْتَرَفَ ذَنْبَ الرِّدَّةِ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الدِّينِ وَفَسَدَ صَوْمُهُ وَيَلْزَمُهُ العَوْدُ إلَى الِإيمانِ بِالشَّهادَتَيْنِ وَالإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفَطِّرَاتِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ إِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ وَالقَضَاءُ فَوْرًا بَعْدَ يَوْمِ العِيدِ، فَالْحَذَرَ الحَذَر.

هَذَا وَإِنَّنَا نَنْصَحُ مَعَ اقْتِرابِ بِدَايَةِ هَذَا الشَّهْرِ الكَرِيمِ باللُّجوءِ إلَى أَهْلِ العِلْمِ الْمُعْتَبَرِينَ لِلتَّزَوُّدِ مِنْهُمْ بِالْعُلُومِ الضَّروريَّةِ التِي لَا يَسَعُ الْمُكَلَّفَ الجَهْلُ بِهَا لِيَقُومَ بِعِبَادَاتِهِ علَى الوَجْهِ الصَّحيحِ، فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إلَّا الجُوعُ ورُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إلّا السَّهَرُ اهـ هذا وأستَغْفِرُ اللهَ.

الخطبةُ الثانيةُ

إنّ الحمدَ للهِ نَحمدُهُ، والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنا محمدٍ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أوصيكُمْ ونفسِي بتَقوَى اللهِ.

واعلموا أن اللهَ تعالى له الأسماءُ الحسنَى أيِ التي تَدُلُّ علَى الكَمَالِ فلا يَجوزُ تسميةُ اللهِ بِالْعَقْلِ الْمُدَبِّرِ لِأَنَّ الْعَقْلَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ وَالْجِنِّ وَالْمَلائِكَةِ وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ تَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِ الإِمَامِ أَبِى جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىِّ فِى كِتَابِهِ الَّذِى أَلَّفَهُ لِبَيَانِ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ “وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ” وَمِثْلُ ذلكَ تسميةُ اللهِ ريشَةً والعياذُ باللهِ ومَنْ صَدَرَ منهُ ذلكَ فَلْيَرْجِعْ إلى الإسلامِ بالشَّهادَتَيْنِ.

اللهمَّ ءَاتِ نُفوسَنا تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أنتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاها اللهمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا وَمَا أَسْرَرْنا وَمَا أَعْلَنَّا وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بهِ مِنَّا أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ وأَنْتَ علَى كُلِّ شَیْءٍ قَدِيرٌ اللهمَّ إنَّا نَعوذُ بكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا. عبادَ اللهِ إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ وَالِإحسانِ وإيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَی عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.