الحمدُ للهِ ثم الحمدُ للهِ، الحمدُ للهِ وسلامٌ على عِبادِهِ الذينَ اصْطَفَى، الحمد للهِ الواحدِ الأحدِ الفردِ الصمدِ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وأحمَدُه وأستعينُه وأستهديهِ وأشكرُه. وصَلّى اللهُ وسلَّمَ علَى سَيِّدِنا محمدٍ مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ وعلى ءالِه وصَحْبِه الطيبينَ الطَّاهِرين.
أما بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أُوصيكُمْ ونَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ. يقولُ اللهُ تعالَى فِي سُورةِ القَدْر ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ ١﴾ ها قد دَخَلْنا بِحَمْدِ اللهِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ المبارَكِ، نَعُدُّ أيَّامَهُ المبارَكَاتِ البَاقِيَات، وَقَدْ كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلّم يَجِدُّ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ بِالاعتِكافِ في المسجِدِ وقِيامِ الليل. خَصَّ اللهُ تبارك وتعالَى رمضانَ المبارَكَ بِمَا خَصَّهُ بهِ دونَ سَائِرِ الشُّهورِ، فَفِيهِ أُنْزِلَ القُرءانُ الكَريمُ علَى محمَّدٍ وَفِيهِ أُنْزِلَ الإِنجيلُ الصَّحيحُ علَى عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ وفيهِ أُنْزِلَتِ التَّورَاةُ الصّحيحةُ علَى مُوسَى بنِ عِمْرَانَ صلى الله عليهِم وسلم. في ليلةِ القَدْرِ أُمِرَ جبريلُ عليهِ السّلامُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ اللّوحِ المحفُوظِ القُرءانَ الكريمَ وَنَزَلَ بهِ دفعةً واحدَةً إلى بيتِ العِزَّةِ في السَّماءِ الأولى، ثمّ بعدَ ذلكَ نزَلَتْ ءاياتُ القرءانِ الكريمِ مُفَرَّقَةً وَكانَتْ ليلةُ القَدْرِ ءانَذَاكَ لَيْلةَ الرَّابِعِ والعِشرينَ مِنْ رَمضانَ. نزلَ القرءانُ الكريمُ في ليلةٍ مُبارَكَةٍ كمَا قالَ اللهُ تعالَى في سورةِ الدُّخَان ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَة مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣﴾ هذهِ اللّيلَةُ المبارَكَةُ هيَ ليلةُ القَدْرِ وليستِ الآيَةُ عن ليلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، ليلةُ القَدْرِ هِيَ اللّيلةُ التِي قَالَ اللهُ تعالَى فيهَا ﴿فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ ٤﴾[1] أَيْ فيهَا يُطْلِعُ اللهُ تعالَى ملائكتَه الكرامَ على أَخبارِ السَّنةِ القابِلَةِ مِنْ إِماتَةٍ وإِحْيَاءٍ، وَمَنْ مِنْ عِبادِه سَيَبْتَلِيهِمُ اللهُ تعالى بِالمرضِ والفَقْرِ والبَلاءِ، ومَنْ مِنْهُمْ يُنْعِمُ اللهُ عليهِمْ بِالصِّحَّةِ والغِنَى.
يقولُ رَبُّنا تبارَك وتعالَى ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ ٢﴾ هِيَ ليلةٌ عظيمةُ الشَّأْنِ لا تَكونُ إِلا في شهرِ رَمَضَان، وَلا يُشْتَرُطُ أَنْ تَكونَ ليلةَ السَّابِعِ والعِشْرِينَ مِنْهُ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكونَ أَيَّ ليلةٍ مِنْ لَيالِي رَمَضان، لكن لا تَخْرُجُ عَنْ رَمَضانَ والغَالِبُ أنَّها تكونُ في العَشْرِ الأواخِرِ مِنْ رَمَضَانَ. ﴿لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡر مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡر ٣﴾ فَمَنْ أَرَادَ إِحياءَ ليلَةِ القَدْرِ يُحيِيها بِذِكْرِ اللهِ، بِالاستِغْفَارِ، بِصَلاةِ التَّطَوُّعِ، يُحيِيها بِتِلاوَةِ القُرْءانِ الكَرِيم، وَمَنْ كَانَ عليهِ قَضَاءُ صَلَوَاتٍ فوائِتَ فَلْيَشْغَلْ نَفْسَهُ في ليلَةِ القَدْرِ بقضاءِ الصَّلواتِ الفَوائِتِ بَدَلا مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ النَّوافِلَ فقَدْ قالَ العُلماءُ مَنْ شَغَلَهُ الفَرْضُ عنِ النَّفْلِ فهو مَعْذُورٌ ومن شغلَهُ النّفلُ عنِ الفرضِ فهوَ مَغرُور اﻫ
وقَدْ سَأَلَتْ عائِشَةُ رضي الله عنها رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم أنَّها إذَا رأَتْ ليلَةَ القَدْرِ بِمَ تدعو، قال لَها قولِي اللّهمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي اﻫ[2]
وَلِرُؤْيَةِ ليلةِ القَدْرِ علاماتٌ فَمِنْ ذَلكَ أَنْ يرَى الشخصُ نُورًا غيرَ نورِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَهْرباء، أَوْ يَرَى الأَشجارَ سَاجِدَةً للهِ تعالَى أو يرى الملائكةَ ويسمعُ أَصْوَاتَهم رَزَقَنِي اللهُ وإيّاكم رُؤْيَتَها وَالدُّعاءَ فيهَا. ومن علاماتِها أن تُرَى الشَّمسُ في صبيحَةِ تِلْكَ اللّيلَةِ المبارَكةِ عندَ شُروقِها وَنُورُها لَطِيفٌ. ومنَ النّاسِ مَنْ يَراها في المنامِ لكن الأكمل والأقوى رؤيتُها يقَظَةً. فمَنْ أَكْرَمَهُ اللهُ تعالى برؤيتِها في تلكَ الليلةِ فليدعُ اللهَ أن يفرِّجَ عن المسلمين، وأنْ يرفعَ البلاءَ والغلاءَ عنهم ويصلحَ ذاتَ بينِهم.
واعلموا إخوَةَ الإيمانِ أَنَّه ينبَغِي للإنسانِ المؤمنِ أَنْ يَعْمَلَ بِالطَّاعاتِ في ليالِي رمضانَ كُلِّها حتّى يُصِيبَ تلكَ الليلةَ كَيْ لا يَفوتَهُ ثَوابُ إحيائِها ولَوْ لَمْ يَرَ عَلاماتِها في اليَقَظَةِ أَوْ فِي المنَام. فَأَقْبِلُوا إلَى ءاخِرَتِكُمْ بالطَّاعةِ والتَّوبةِ قبلَ الموتِ. هذا وأستغفرُ اللهَ لِي وَلَكم.
الخطبةُ الثانيةُ
إنّ الحمدَ للهِ نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستهدِيهِ ونشكُرُه ونَستغفرُه، والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنا محمدٍ الصادِقِ الوَعْدِ الأَمينِ وعلَى إِخوانِه النبيِّينَ وَالْمُرْسَلِين. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أوصيكُمْ ونفسِي بتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ فاتّقوه.
إخوة الإيمانِ قالَ اللهُ تعالى في سورةِ الحشرِ ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٧﴾ وَقَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاثينَ[3]. بَيَّنَ لنا رسولُ اللهِ حُكْمَ اللهِ تعالَى كَيْفِيَّةَ دُخولِ شهرِ الصيامِ الوَاجِبِ وعيدِ الفِطْرِ المباركِ وأنهُ بالمشاهدَةِ للهلالِ أَوِ اسْتِكْمَالِ الشَّهرِ ثلاثينَ لا بِحِسابِ منازِلِ القَمَر. فلا تَلْتَفِتُوا إخوةَ الإيمانِ إلى مَنْ يُحَدِّدُ مَوْعِدَ عِيدِ الفِطْرِ قبلَ مُراقبةِ الهلالِ ليلةَ الثلاثينَ مِنْ رَمَضَانَ بَلِ اثْبُتُوا علَى نهجِ صاحبِ الشرعِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
اللهمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعاءَنا فَاغْفِرِ اللهمَّ لنا ذُنوبَنَا وإِسرافَنَا في أمرِنا، اللهمَّ اغفِرْ لِلمؤمنينَ والمؤمناتِ الأَحْياءِ منهم والأَمواتِ، ربَّنا ءاتِنَا فِي الدُّنيا حسنَةً وفِي الآخرَةِ حسنَةً وقِنَا عَذَابَ النارِ اللهمَّ أَلْهِمْنا فِعْلَ الخَيْرَاتِ وُكُلِّ مَا يُقَرِّبُ إلَى رِضْوَانِكَ وَاعْصِمْنَا مِنَ المعاصِي وكلِّ مَا يُقَرِّبُ إلى سَخَطِك، اللهمَّ اجْزِ الشيخَ عبدَ اللهِ الهررِيَّ رَحَمَاتُ اللهِ عليهِ عنَّا خَيْرا. عبادَ الله إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ والإِحسانِ وإِيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَقِمِ الصلاةَ.
[1] سورة الدخان/4.
[2] رواه ابن ماجه وأحمد وغيرهما.
[3] رواه مالك فى الموطأ.