ثبوتُ شَهْرِ رَمَضانَ المبارك

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونشكرُه ونستغفرُه وَنَتُوبُ إليهِ ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهْدِ اللهُ فلا مضلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلـهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ ولا شبيهَ وَلا مِثْلَ وَلا نِدَّ لَهُ، وَلا حَدَّ وَلا جُثَّةَ ولا أعضاءَ لهُ، أَحَدٌ صمدٌ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لهُ كُفُوًا أَحَد، وأشهدُ أنَّ سيّدَنا مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه، مَنْ بَعَثَهُ اللهُ رحمةً للعالمينَ هاديًا ومبشرًا ونذيرًا. اللهم صَلِّ وسلِّمْ علَى سَيِّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِه وصَفْوَةِ صَحْبِه.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ فإنِّي أوصيكم ونفسِي بتَقْوَى اللهِ العليِّ القديرِ القائلِ في مُحْكَمِ كِتابهِ ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُ﴾[1] الآية. وقال تعالى ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ۩ ٧٧﴾[2]

أيّها الأحبّةُ، إنَّ صِيَامَ رَمَضانَ عبادَةٌ عَظِيمَةٌ يَكْفِي فِي بَيَانِ فَضْلِهَا الحَديثُ القُدْسِيُّ الذِي رَوَاهُ البُخاريُّ “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ ءَادَمَ فَهُوَ لَهُ إِلَّا الصَّومَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ”.

ثُمَّ لِمَعْرِفَةِ ابْتِدَاءِ رَمْضَانَ وانْتِهَائِهِ طريقَةٌ وَأَحْكَامٌ بَيَّنَها رَبُّنا تباركَ وتعالَى على لِسانِ نَبِيِّه الذِي لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى وَإِنَّما يَنْزِلُ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ بِالقُرْءَانِ، وَمِنْهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلم أَخَذَ المسلمونَ هذِهِ الطريقةَ وَعَمِلُوا بِهَا مِنْ أَيَّامِهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى أَيَّامِنَا هذهِ، هَذِهِ الطّريقَةُ مَبْنِيَّةٌ علَى المراقبَةِ لِلهِلالِ بِالعَيْنِ فِي المدُنِ والقُرَى والبَلدَاتِ، يَعْرِفُ ذلكَ كُلُّ مَنْ عاشَ فِي بلادِ المسلمينَ وشَهِدَ عاداتِهم مِنَ الخُروجِ لِمُراقبةِ الهِلالِ وَتَجَمُّعِ النّاسِ في المواضِعِ التِي تَتَوضّحُ فيهَا الرُّؤْيةُ وإطلاقِ المدافِعِ أو إِيقادِ النِّيرانِ على رُؤُوسِ الجِبالِ عندَ ثُبوتِ الرُّؤْيَةِ إِيذَانًا بِبَدْءِ الشهرِ الشريفِ أو حُلولِ عِيدِ الفِطْرِ الْمُبارَك.

وَقَدْ نَصَّ عُلماءُ المذاهِبِ الأَرْبَعَةِ فَذَكَرُوا أنّ الأصلَ في تَحديدِ أوّلِ رمضانَ هو التَّالِي يُراقب الهلالُ بعدَ غُروبِ شمسِ التاسعِ والعشرينَ من شعبانَ، فَإِنْ رُئِيَ الهِلالُ كانَ اليومُ التّالي أوَّلَ رَمضانَ وَإِنْ لَمْ يُرَ الهِلالُ يَكونُ اليومُ التّالِي الثلاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ والّذِي بعدَهُ هُوَ أَوَّل أَيّامِ رمضانَ فَعَلَى ذَلِكَ دَرَجَ الْمُسْلِمُونَ فِي كُلِّ بِلادِ الدُّنْيَا وَبِذَلكَ أَفْتَى الفُقَهَاءُ وبيَّنُوا أنَّ العُمْدَةَ على هذَا وأنّه لا التِفاتَ إلى أَقْوَالِ الحُسَّابِ والفَلَكِيّينَ ولا عبْرَةَ بِكَلامِهِمْ لِتَحْدِيدِ ابْتِدَاءِ الصِّيامِ أَوِ انْتِهَائِه، فَلَقَدْ قالَ الحافِظُ النَّوَوِيُّ في كِتابِه المجمُوعِ وَمَنْ قَالَ بِحِسابِ الْمَنَازِلِ فَقَوْلُهُ مردودٌ بقولِه صلى الله عليه وسلم في الصحيحَيْنِ إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَحْسُبُ ولا نَكْتُبُ الشَّهْرُ هَكذَا وَهَكذَا صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِين اﻫ ومعنَى قولِه صلى الله عليه وسلم لا نَكتُبُ ولا نحسُبُ أي لا نعتمدُ على الكتابةِ ولا على الحِسابِ لِمَعْرِفَةِ أوائِلِ الشُّهورِ القَمَرِيّة وقولُه عليهِ الصلاةُ والسلامُ الشهرُ هَكَذَا وهكذَا يعنِي أَنَّ الأشهُرَ القَمَرِيَّةَ إمّا تسعةٌ وعِشرونَ يومًا وإِما ثلاثُونَ يومًا، ليسَ فيهَا ثَمانٍ وعشرونَ ولا واحِدٌ وثَلاثُون.

فَبَعْدَ كَلامِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ صلى الله عليه وسلم يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ صَاحِبِ لُبٍّ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِكَلامِ مَنْ يُرِيدُ مِنَّا أَنْ نَتْرُكَ هذَا السبيلَ وأَنْ نَطْرَحَ طَرِيقةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأَنْ نَعْتَمِدَ علَى حِسابَاتِ الْمُنَجِّمِينَ لِتحْدِيدِ أَوَّلِ الصَّوْمِ ومَوْعِدِ عِيدِ الفِطْرِ فَكَلامُهم عَكْسُ كَلامِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ كَالسَّرَابِ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً فَإِذَا قَدِمَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا.

فَنَصِيحَتُنا لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبِمَا قَالَهُ فُقَهاءُ المذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ الذِينَ أَجْمَعَتِ الأُمَّةُ علَى عُلُوِّ شَأْنِهِمْ وَأَنْ يَدْرُسَ أَحْكَامَ الصِّيَامِ قَبْلَ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ علَى إِنْسَانٍ جَمَعَ بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْعَدَالَةِ وَتَلَقَّى هَذَا العِلْمَ عَنْ مِثْلِهِ وَهَكَذا بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. اللهُمَّ أَعِنَّا علَى القِيَامِ وَالصِّيامِ وَصِلَةِ الأَرْحَامِ بِجَاهِ مُحَمَّدٍ الْمُظَلَّلِ بِالغَمَام. هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولَكم.

الخطبةُ الثانيةُ

إنّ الحمدَ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنا محمدٍ وعلَى إِخوانِه النبيِّينَ وَالْمُرْسَلِين. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أوصيكُمْ ونفسِي بتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ فاتقوه.

قال الله تَعَالَى في سورة الأعراف ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِه﴾ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ الأَسْمَاءُ الَّتِى تَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ فَاللَّهُ لا يُوصَفُ إِلَّا بِصِفَةِ كَمَالٍ فَمَا كَانَ مِنَ الأَسْمَاءِ لا يَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ لا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمَهُ كَمَا يُسَمِّيهِ بَعْضُ النَّاسِ ءَاه وَبَعْضُهُمْ سَمَّاهُ رُوحًا وَهَذَا إِلْحَادٌ وَكُفْرٌ. ومن صَدرَ منهُ ذلك فَإِنَّنا نَنْصَحُهُ بِالتَّشَهُّد.

اللهم إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعاءَنا فَاغْفِرِ اللهم لنا ذُنوبَنَا وإِسرافَنَا في أمرِنا، اللهم اغفِرْ لِلمؤمنينَ والمؤمناتِ الأَحْياءِ منهم والأَمواتِ، ربَّنا لا تُزِغْ قُلوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهّاب، ربَّنا ءاتِنَا فِي الدُّنيا حسنَةً وفِي الآخرَةِ حسنَةً وقِنَا عَذَابَ النارِ، اللهم اجْزِ الشيخَ عبدَ اللهِ الهررِيَّ رَحَمَاتُ اللهِ عليهِ عنَّا خَيْرا. عبادَ الله إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ والإِحسانِ وإِيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون. وَأَقِمِ الصلاةَ.

[1] سورة البقرة/185.

[2] سورة الحج.