التحذيرُ مِنْ مَسَبَّةِ الله

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينُه ونَسْتَهْدِيهِ ونَسْتَغْفِرُهُ ونتوبُ إلَيه، ونعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ومن يضلِلْ فلا هادِيَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ ولا شَبيهَ ولا مِثْلَ وَلا نِدَّ لَهُ، ولا حَدَّ ولا جُثَّةَ وَلا أعضاءَ لَه، وأشهَدُ أن سيّدَنا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسولُهُ. اللهمّ صلِّ وسلِّمْ على سيدِنا محمّدٍ وعلَى ءالِه وصَفْوَةِ الأَصحَاب.

أما بعدُ عبادَ اللهِ فإِنّي أُوصيكُم ونفسِي بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ

إخوةَ الإيمانِ، إنَّ اللسانَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مُوجِبَةٌ لِشُكْرِ الْمُنْعِمِ .. وشكرُ الْمُنْعِمِ علَى هذهِ النِّعمةِ يكونُ بتركِ اسْتِعْمَالِهَا فيمَا حَرَّمَ اللهُ .. ومِنَ الناسِ مَنْ لا يَشْكُرُ اللهَ على هذهِ النِّعْمَةِ فيُطلِقُونَ ألسِنَتَهُمْ بِما لا يجوزُ لهمُ النُّطقُ بهِ وكثيرٌ مَا هُم .. ومِنْ ذلكَ إخوَةَ الإيمانِ الكَذِبُ وشَتْمُ المسلِمِ بغيرِ حَقٍّ والغِيبَةُ والنَّمِيمَةُ وإِشْعَالُ الفِتْنَةِ بينَ المسلِمينَ وَأَذِيَّتُهُمْ بِالكَلامِ وغيرُ ذلكَ مِنْ مَعاصِي اللِّسانِ .. ومِنهم إخوةَ الإيمانِ مَنْ يَصِلُ إلَى أَكْبَرِ الظُّلمِ أَلا وَهُوَ الكُفْرُ والعِياذُ بِاللهِ .. فتَرَى الواحدَ منهم بدَلَ أَنْ يُعَظِّمَ نِعْمَةَ اللهِ عليهِ يَسْتَعْمِلُها في مَسَبَّةِ اللهِ .. في شَتْمِ اللهِ والعياذُ بِالله .. منهم مَنْ إذَا غَضِبَ سَبَّ اللهَ والعياذُ بِاللهِ .. ومنهم مَنْ يَسُبُّ اللهَ في حالِ الغَضَبِ وفِي حالِ الرِّضا ثم يزعُمُ أنّهُ مُسْلم .. هيهات .. مَنْ سَبَّ اللهَ لا يكونُ مُسْلِمًا فإِنَّ المسلمَ هُوَ مَنْ ءامَنَ وصدَّقَ واعْتَقَدَ أَنْ لا أحَدَ يَسْتَحِقُّ العبادةَ أي نِهايةَ التَّذَلُّلِ والخشوعِ والخضُوعِ إِلا الله وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ واجْتَنَبَ مَا يَنْقُضُ الإِسلامَ .. المسلمُ مَنْ عَقَدَ قلبَهُ علَى تَعظيمِ اللهِ الواحِدِ الأحَدِ التعظِيمَ الوَاجِبَ علَى الدّوامِ وأمَّا مَنْ سَبَّ اللهَ فهذَا لا يَكونُ مُعَظِّمًا لله .. مَنْ سبَّ اللهَ خرَجَ مِنَ الإسلامِ وصارَ مِنَ الكافِرينَ وَلا يُقْبَلُ قولُه بعدَ ذلكَ “أنَا كنتُ غَضْبَانَ وَلَمْ أُرِدْ أَنْ أَكْفُرَ” فَقَدْ بَيَّنَ علماءُ الإسلامِ أَنَّ كَوْنَ الشخصِ غاضِبًا لا يُنْجِيهِ مِنَ الوُقوعِ فِي الكُفرِ إِنْ تَعمَّدَ النُّطْقَ بِالكُفر، أي إِنْ لَمْ يَكُنْ حصولُ ذلكَ منهُ عَنْ سَبْقِ لِسان، فقَدْ نقَلَ الحافظُ النوَوِيُّ عن علماءَ الحنفِيَّةِ وأقرَّهُمْ علَى ذلكَ أنّهُ لَوْ غَضِبَ إنسانٌ علَى وَلَدِهِ أو غُلامِه فضَرَبَهُ ضَرْبًا شَديدًا فقالَ لهُ ءاخَرُ أَلَسْتَ مُسْلِمًا فقالَ لا مُتَعَمِّدًا كفرَ، ومعنَى كلامِ هؤلاءِ العُلماءِ أنَّ المسلمَ إذَا غَضِبَ غضبًا شديدًا علَى ولَدِه فَضرَبَه ضَرْبًا شديدًا بسببِ شدَّةِ غضبِهِ فقالَ لَهُ شَخْصٌ ءاخَرُ كيفَ تضرِبُهُ بهذِهِ القَسْوَةِ ألَسْتَ مُسْلِمًا لأنَّ مِنْ شأنِ المسلمِ أَنْ يكونَ رَحيمًا وَلا يَتَمَادَى في الضَّرْبِ الشَّديدِ للوَلدِ وإِنْ كانَ الشخصُ غاضِبًا فكانَ جَوابُ الضَّارِبِ (لا) أَيْ لَسْتُ مُسلِمًا مِنْ غيرِ سَبْقِ لِسانٍ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْقِدَ وَعْيَهُ فَيُجَنَّ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ ولا يكونُ غضبُه عُذْرًا لَهُ.

وانتبِهُوا معِي إخوةَ الإِيمانِ .. مَسَبَّةُ اللهِ ليست مقصورَةً علَى الأَلفاظِ السَّفيهَةِ المعروفَةِ بينَ السُّوقَةِ وأَهْلِ السَّفاهَةِ فَقَطْ كَقَولِ بعضِهم بِاللغةِ العَامِّيَّةِ (يلعن ربّك) أو (أخت ربّك) وَالعِياذُ بِاللهِ بَلْ إنَّ مسبَّةَ اللهِ هيَ كُلُّ لَفْظٍ فيهِ نسبةُ النقصِ إلَى اللهِ .. كلُّ لفظٍ فيهِ نسبةُ مَا لا يَليقُ باللهِ إليهِ تعالَى كَمَنْ يَنْسُبُ إلى اللهِ تعالى الولدَ أوِ الزَّوجةَ أَوِ الحجمَ أَوِ الجسمَ أو الأَعضاءَ أوِ الضوءَ أوِ الشَّكْلَ أوِ المكانَ أَوِ اللونَ أَوِ التَّعَبَ أوِ العَجْزَ أَوِ الجَهلَ وَكُلَّ مَا هُوَ مِنْ صِفَاتِ المخلوقِينَ.

وَلا تَغْتَرُّوا إخوةَ الإيمانِ بقَوْلِ بعضِ النّاسِ بأنَّ الذِي يَسُبُّ اللهَ بلِسانِه لا يكفُرُ ولا يخرُجُ منَ الإسلامِ إِنْ لَمْ يَقْصِدِ الخروجَ مِنَ الإسلامِ وكانَ قلبُه مُؤْمِنًا أو أنَّ مَنْ سَبَّ اللهَ مازِحًا لا يُؤاخَذُ فإِنَّ هذَا الكلامَ بَاطِلٌ باطِلٌ باطلٌ وذلكَ لأنَّهُ مخالِفٌ للقرءانِ فَقَدْ قالَ ربُّنا تبارَك وتعالى ﴿يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ﴾[1] فقد حَكَمَ اللهُ عليهِمْ بِالكُفْرِ بِقَوْلِهِمْ كَلِمَةَ الكُفْرِ.

فَاحْفَظْ لِسانَكَ مِنَ الكُفْرِ وغَيْرِهِ مِنَ القبيحِ فإنَّكَ مسؤُولٌ عَنْ لِسانِكَ. وَالْمُوَفَّقُ مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ. هذَا وأَسْتَغْفِرُ الله.

الخطبة الثانية

إنّ الحمدَ للهِ نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستهدِيهِ ونشكُرُه، والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنا محمدٍ الصادِقِ الوَعْدِ الأَمينِ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أوصيكُمْ ونفسِي بتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ فاتّقوه.

عبادَ اللهِ، لقد كانَ سيدُنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم ليلةَ المعراجِ في أُنْسٍ عَظِيمٍ فَلا يُقالُ إنهُ شَعَرَ هناكَ بالوَحْشَةِ وَمِنَ الناسِ مَنْ يَزِيدُ في الضَّلالِ فَيَقُولُ والعياذُ باللهِ إنَّ الرسولَ اسْتَوْحَشَ في المِعراجِ فَكَلَّمَهُ اللهُ بِصَوْتِ أَبي بكر، وَهذا كُفْرٌ لأنَّ فيهِ نسبةَ الصوتِ إلى اللهِ فَلْيَتَشَهَّدْ مَنْ صَدَرَ منهُ هَذَا ليرجعَ إلى الإسلامِ. كلامُ اللهِ الذاتيُّ ليسَ حَرْفًا ولا صَوْتًا ولا لغةً عربيةً وَلا غَيْرَها.

اللهمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعاءَنا فَاغْفِرِ اللهمَّ لنا ذُنوبَنَا وإِسرافَنَا في أمرِنا اللهمَّ اغفِرْ لِلمؤمنينَ والمؤمناتِ الأَحْياءِ منهم والأَمواتِ اللهُمَّ اجعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ غيرَ ضَالِّينَ وَلا مُضِلِّينَ اللهمَّ استُرْ عَورَاتِنا وءامِنْ رَوْعاتِنَا واكْفِنَا ما أَهَمَّنا وَقِنَا شَرَّ مَا نَتَخَوَّفُ اللهمَّ اجْزِ الشيخَ عبدَ اللهِ الهررِيَّ رَحَمَاتُ اللهِ عليهِ عنَّا خَيْرا. عبادَ الله، إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ والإِحسانِ وإِيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَقِمِ الصلاةَ.

[1] سورة التوبة/ 74