مجردُ الاستِغَاثةِ بغيرِ اللهِ ليسَ شِرْكًا

إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستهديهِ ونشكرُه ونستغفرُه ونتوبُ إليه، ونعوذُ باللهِ ِمنْ شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلـهَ إلا اللهُ وحْدَهُ لا شريكَ لهُ ولا مِثْلَ وَلا نِدَّ لَهُ، ولا حَدَّ ولا جُثَّةَ وَلا أَعضاءَ لَه، أَحَدٌ صمدٌ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد، وأشهدُ أنَّ سيّدَنا وقائدَنا مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّه وحبيبُه. اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ على سيِّدِنا محمدٍ وعلَى ءَالِهِ وَصَفْوَةِ الأَصْحَابِ.

أما بعدُ عبادَ اللهِ فَإِنِّي أُوصيكُمْ ونفسِي بِتَقْوَى اللهِ وسارِعُوا في الطَّاعاتِ لِتَثْقُلَ مَوازِينُكُمْ فقد قالَ ربُّنا تبارك وتعالى في سورةِ القارعةِ ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ ٦ فَهُوَ فِي عِيشَة رَّاضِيَة ٧﴾.

وروى الترمذيُّ في سُنَنِه عن أبِي هُريرَةَ رضي الله عنه عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إِذَا ماتَ ابْنُ ءادَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ وعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بهِ وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ اﻫ ومعنَى قولِه صلى الله عليه وسلم انْقَطَعَ عمَلُهُ أنَّ العَمَلَ التَّكليفِيَّ الذِي يَتَرَتَّبُ عليهِ الثَّوابُ انْقَطَعَ بِموتِ ابْنِ ءادَمَ إلَّا مِنْ هذهِ الثَّلاثِ التِي هِيَ بِسَبَبِه. وليسَ في هَذَا الحديثِ مَا ادَّعَاهُ البعضُ مِنْ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ ماتَ فَلا عَمَلَ لَهُ بعدَ مَوْتِهِ وَلا يَنْفَعُ غَيْرَهُ فَلا يَجوزُ أَنْ يُنَادَى بَعْدَ مَوْتِهِ بِقَوْلِ يَا محمدُ أَوْ يَا رسولَ اللهِ بَلِ ادَّعَوْا أَنَّ ذلكَ شِرْكٌ يُخْرِجُ مِنَ الإِسلامِ وَقَوْلُهُمْ هذا خَالَفُوا بِهِ ما عليهِ المسلمونَ مِنْ سَلَفٍ وَخَلَفٍ ولَيسَ فِي الحديثِ دَليلٌ علَى مَا زَعَمُوا بَلْ مَعْنَى الحديثِ كمَا بَيَّنَّا أنَّ العملَ التَّكليفِيَّ أيِ العَمَلَ الذِي يُثابُ عليهِ الشخصُ هو الذِي يَنْقَطِعُ لا أَنَّ الميّتَ يكونُ كَالخشَبَةِ بعدَ الدَّفْنِ لا يُحِسُّ شيئًا ولا يَسْمَعُ شيئًا وَلا يَقُولُ شَيئًا، كيفَ وقَدْ ثَبَتَ عندَ ابنِ مَاجَهْ وغيرِهِ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حيٌّ في قَبْرِه وأنَّهُ تُعْرَضُ عليهِ أَعْمَالُ أُمَّتِهِ فَإِنْ رَأَى خَيْرًا حَمِدَ اللهَ عليهِ وَإِنْ رأَى غيرَ ذلكَ اسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وثَبَتَ أيضًا أَنَّه يَرُدُّ السلامَ على مَنْ سَلَّمَ عليهِ عندَ قبرِه وَيُبَلَّغُ سَلامَ مِنْ سَلَّمَ عليهِ نَائِيًا عَنْ بُعد. وقَدْ نَفَعَ سيدُنا موسى عليه السلامُ أُمَّةَ محمدٍ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بِأَنْ أَرْشَدَ سيّدَنا محمدًا ليلةَ المِعْرَاجِ إلى سُؤالِ اللهِ تَخْفِيفَ الصَّلواتِ المفروضَةِ مِنْ خَمْسِينَ صَلاةً حتّى صارَتْ خَمْسًا في كُلِّ يَوْمٍ وليلَة، وفي هذَا دَلِيلٌ واضِحٌ على أنَّ الميّتَ يَنْفَعُ بعدَ الموتِ بِإِذْنِ اللهِ تبَارَكَ وتعالى.

أيها الْمُتَسَرِّعُونَ في تكفيرِ الأُمّةِ هَلَّا تَوقَّفتُم بُرْهَةً للتفكير، إذَا مَرِضْتُمْ فَأَخَذْتُمُ الدَّواءَ فَشُفِيتُمْ أَلَيْسَ الشّفَاءُ بِخَلْقِ اللهِ، هَلْ تَقولُونَ عَنْ أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ لِاتِّخاذِكُمُ الدّواءَ سَبَبًا لِلشّفَاءِ، فَإِذَا كَانَ مَنِ اتَّخَذَ دَوَاءً رَكَّبَهُ زَيدٌ أَوْ عَمْرٌو لا يُشْرِكُ بِاتّخاذِ الدَّوَاءِ سَبَبًا لِلشِّفاءِ مَعَ يَقِينِهِ بِأَنَّ اللهَ هُوَ خَالِقُ النَّفْعِ وَالضُّرِّ والمرضِ والشّفاءِ فكيفَ يُكَفَّرُ مَنِ اتَّخَذَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَبَبًا لِنَيْلِ حاجَتِه.

إخوةَ الإيمانِ إنَّ الصحابةَ رِضْوانُ اللهِ عليهم فَهِمُوا مِنْ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم جوازَ الاستِغَاثَةِ بهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بعدَ وَفَاتِه فَعَلَ ذلكَ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهُما وغيرُه رَوَى البُخَارِيُّ في الأَدَبِ الْمُفْرَدِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أصابَهُ خَدَرٌ فِي رِجْلِهِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ اذْكُرْ أَحَبَّ النَّاسِ إليكَ فقالَ يَا محمّدُ اﻫ وفي رِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّيِّ قَالَ يَا مُحمَّدَاه فَقَامَ فَمَشَى اﻫ ذَهَبَ عنهُ هذَا الخَدَرُ والخدرُ مَرَضٌ مِثْلُ الشَّلَلِ. فهذَا الذِي حصلَ مِنْ عبدِ اللهِ ابنِ عُمَرَ استغاثَهٌ بِرَسولِ اللهِ بِلَفْظِ يَا محمدُ وعندَ هؤلاء الْمُتَهَوِّرينَ الْمُتَسَرِّعِينَ بالتكفيرِ الاستغاثةُ بهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بعدَ مَماتِه شِرْكٌ فمَاذَا يقولونَ أيَرْجِعُونَ عَنْ رَأْيِهِمْ في تَكْفِيرِ مَنْ يُنادِي يا محمدُ أم أنَّهم يَرْمُونَ بالشِّرْكِ عبدَ اللهِ ابْنَ عُمَرَ هذا الصّحابِيَّ الذِي قالَ فيهِ النبِيُّ صلى الله عليه وسلم إنهُ رَجُلٌ صَالِحٌ.

وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ عَظِيمُ شَطَطِ الذِينَ يُكَفِّرونَ الْمُتَوَسِّلينَ وَالْمُسْتَغِيثِينَ لِمُجَرَّدِ قَوْلِ أَحَدِهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ ضَاقَتْ حِيلَتِي أَغِثْنِي يَا رَسُولَ اللهِ أَوْ مَا شَابَهَ ذَلكَ مِنَ العِبارَاتِ وَيَسْتَحِلُّونَ بذلكَ دِمَاءَ المسلِمينَ وأَمْوالَهُمْ. واللهُ الْمُسْتَعَانُ علَى أَمْثَالِهِمْ وهُوَ نِعْمَ الْمَوْلَى ونِعْمَ النَّصِير. هذا وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكم.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على سَيِّدِنا محمدٍ وَرَضِيَ اللهُ عَنْ أُمَّهاتِ المؤمِنينَ خديجةَ وَحَفْصَةَ وعائِشَةَ الوَلِيَّةِ الطَّاهِرَةِ النَّقِيَّةِ الْمُبَرَّأَةِ وَسَائِرِ نساءِ النبيِّ مِنَ الرِّجْسِ وَعَنِ الخُلفاءِ الرَّاشدِينَ أبِي بكرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ وَعَلِىٍّ. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنِّي أوصيكُمْ ونفسِي بتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.

اللهمَّ اللهمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأَمْوات، اللهمَّ لا تجعلْ مصيبتَنا في دينِنا، ربّنا ءاتِنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقِنا عذابَ النَّار، اللهمَّ الْطُفْ بالمسلمينَ واكْفِهِمْ ما أَهَمَّهُمْ وَقِهِمْ شَرَّ مَا يَتَخَوَّفُونَ وَفَرِّجْ كُرُباتِهِمْ واشفِ مرضاهُمْ وَارْحَمْ مَوتَاهُمُ الْمُؤمِنِين، اللهمَّ اجْزِ الشيخَ عبدَ اللهِ الهررِيَّ رَحَمَاتُ اللهِ عليهِ عنَّا خَيْرا. عبادَ الله إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ والإِحسانِ وإِيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. وَأَقِمِ الصلاةَ.