الحمدُ للهِ ربّ العالمينَ قيومِ السمواتِ والأرضين مُدَبّرِ الخلائقِ أَجمعين، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ الواحدُ الأحَدُ الكَرِيمُ الغَفَّارُ وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه وحبيبُه وخليلُه أَفضَلُ المخلوقينَ الْمُكَرَّمُ بالقُرءانِ العَزيزِ المعجزَةِ المستمرةِ علَى تعاقُبِ السّنينَ، وصلى اللهُ وسلمَ على سيدِنا محمدٍ وعلَى سائرِ إخوانِه منَ النَّبِيّينَ والمرسلينَ وءالِ كلٍ وسائِرِ الصَّالِحينَ.
أمّا بعدُ عبادَ اللهِ فَإِنّي أوصِي نفسِي وإيّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ العَلِيِ العظيمِ القائلِ في كتابِه الكريمِ ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَة مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡء قَدِير ١﴾[1]
اعلموا عبادَ اللهِ أنهُ يجبُ الإيمانُ بوجودِ الملائكةِ وهم أجسامٌ نُورانِيّهٌ لَطِيفَةٌ ذَوُو أَرْوَاحٍ مُشَرَّفَهٍ فَهُمْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ عندَ الله ليسُوا ذُكورًا ولا إِناثًا لَا يأْكلونَ ولا يشربونَ ولا ينامونَ ولا يتعبونَ ولا يتوالدُونَ وَهُمْ عبادٌ مُكَلَّفُونَ لَا يَعْصُونَ اللهَ تعالَى ما أَمرَهُمْ ويفعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون.
وقد ثبتَ أَنَّ ملائكةَ الرحمنِ عليهِمُ السلامُ يتَشَكَّلُونَ أحيانًا بغيرِ صُوَرِهِمُ الأَصليَّةِ التِي خلقَهُمُ اللهُ تعالَى عليهَا ولكنِ اعلَمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ أَنَّ الملائكةَ إِذَا مَا تَصوَّرُوا بصورةِ رجلٍ لا يكونُ لهُ ءالةُ الذُّكورِيَّةِ كما أنهم لا يتصوَّرونَ بشكلِ أنثَى كما يزعُمُ بعضُ أصحابِ الْمِلَلِ مِنْ غيرِ المسلمينَ حتّى إنّهم يصنَعونَ لهم تماثيلَ نِسائية ذاتَ جناحَيْنِ وهو خِلافُ عَقيدةِ المسلمينَ قالَ تعالَى ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ ٢٧﴾[2] فَلْيُحْذَرْ مِن اعتقادِ ذلكَ.
وقد يتَشَكَّلُ الْمَلَكُ أيضًا بِصُورَةِ طَيْر، وَأما الأَفْعَى والعَقْرَبُ والكَلْبُ والخِنْزِيرُ ونحوُها فالملائكةُ المكرمونَ لَا يَتَشَكَّلونَ بِصُوَرِهَا .
واعلموا أحبَّتَنا أنَّ الملائكةَ الكرامَ هُمْ أولياءُ اللهِ وأَحبابُه فَلا يجوزُ سبُّهم وَلا الاستهزاءُ بهم بل قالَ العلماءُ إِنَّ مَنْ سَبَّ ملَكًا مِنَ الملائكةِ كفَرَ وخرَجَ منَ الدِينِ والعياذُ باللهِ تعالَى، قالَ اللهُ تعالى ﴿مَن كَانَ عَدُوّا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوّ لِّلۡكَٰفِرِينَ ٩٨﴾[3]. وأمّا إبليسُ فليسَ مِنَ الملائكةِ بَلْ هُوَ مِنَ الجِنِ والدليلُ على ما ذكرناهُ منَ القُرءانِ الكريمِ قولُه تعالَى عَنْ إِبليسَ ﴿إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ﴾[4] فلَوْ كانَ إبليسُ مَلَكًا منَ الملائكةِ لَما عصَى اللهَ تعالَى ولَما كفَر، لأنَّ اللهَ تبارك وتعالى قالَ في القرءانِ الكريمِ في وصفِ ملائِكتِه ﴿لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ ٦﴾[5] وما قالَه بعضُ الناسِ عن إبليسَ إنهُ كانَ طاووسَ الملائكةِ أي رئيسَهمُ المقدَّمَ فيهم فهُو باطلٌ لا أصلَ له يُعارضُ ما تقدَّمَ منَ الآياتِ ويناقِضُ صفاتِ الملائكةِ الثابتةَ لهم في الشريعة.
وقد قالَ العلماءُ بوُجوبِ العِصْمَةِ للملائكةِ كلِّهِمْ مِنَ المعاصي والذنوبِ فمَا يُرْوَى عنِ الْمَلَكَيْنِ هاروتَ وماروتَ أنهما رُكّبَتْ فيهِمُ الشهوةُ فَفُتِنا بإمرأةٍ يُقالُ لها الزهرةُ وأنهما عصَيَا اللهَ تعالَى بأن شَرِبَا الخمرةَ وزنَيا بهذِه المرأةِ ثم قتَلا نفْسًا بغيرِ حَقٍ وأنَّ هذه المرأةَ مُسِخَتْ بعدَ ذلكَ كوكبًا فهذا كلُّه كلامٌ باطلٌ وهي قصةٌ مكذوبةٌ ليس لها أساسٌ منَ الصّحَّةِ ولا يجوزُ اعتِقادُها. أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ لي وَلَكُمْ.
الخطبةُ الثانيةُ
إنّ الحمدَ للهِ نَحمدُهُ، والصلاةُ والسلامُ على سيّدِنا محمدٍ وعلَى إِخوانِه النبيّينَ وَالْمُرْسَلِين. أمَّا بعدُ عبادَ اللهِ فإِنّي أوصيكُمْ ونفسِي بتَقوَى اللهِ العَلِيّ العَظِيمِ فاتّقوه.
في خُطْبَتِنَا هذِهِ نُحَذِّرُ للهِ تَعالى مِنْ قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ “الله هو المحَبّة” أو يقولونَ “الله مَحَبَّة” وهذا الكَلامُ كُفْرٌ لأنَّ فيهِ تَشْبيهًا للهِ، وَمَنْ حَصَلَ مِنْهُ ذلكَ فَلْيَرْجِعْ إلى الإسلامِ بالنُّطْقِ بالشهادَة، أمَّا مَنْ كانَ لا يَفْهَمُ المعنَى بل يَظُنُّ أنَّ المعنَى اللهُ يُحِبُّ مِن عِبادِه المؤمِنِينَ أن يَتَحابُّوا فِيما بَينهُم فهذا لا يَكفُر، لِكن لا يَجُوزُ هذا القَول.
اللهمَّ إِنَّا دَعَوْنَاكَ فَاسْتَجِبْ لَنَا دُعاءَنا فَاغْفِرِ اللهمَّ لنا ذُنوبَنَا وإِسرافَنَا في أمرِنا اللهمَّ اغفِرْ لِلمؤمنينَ والمؤمناتِ الأَحْياءِ منهم والأَمواتِ اللهمَّ قِنَا عذابَك يومَ تَبْعَثُ عِبادَكَ رَبَّنا ءاتِنَا فِي الدُّنيا حسنَةً وفِي الآخرَةِ حسنَةً وقِنَا عَذَابَ النارِ اللهمَّ الْطُفْ بالمسلمينَ واكْفِهِمْ ما أَهَمَّهُمْ وَقِهِمْ شَرَّ مَا يَتَخَوَّفُونَ وَفَرِّجْ كُرُباتِهِمْ واشفِ مرضاهُمْ وَارْحَمْ مَوتَاهُمُ الْمُؤمِنِين، اللهمَّ اجْزِ الشيخَ عبدَ اللهِ الهررِيَّ رَحَمَاتُ اللهِ عليهِ عنَّا خَيْرا. عبادَ الله إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بالعَدْلِ والإِحسانِ وإِيتاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَقِمِ الصلاةَ.
[1] سورة فاطر.
[2] سورة النجم.
[3] سورة البقرة.
[4] سورة الكهف/50.
[5] سورة التحريم.